كولنار علي.. العنقاء وقصائد أخرى

كولنار علي.. العنقاء وقصائد أخرى

كولنار علي

ولدت كولنار علي في كردستان العراق 1974. وهي تكتب الشعر والقصة والرواية باللغتين الكردية والعربية، وتترجم نتاجها إلى اللغة الإنجليزية. ترجمت كتاباتها إلى اللغة العربية من قبل عدة شعراء منهم بدل رفو وحسن سليفاني وخالد حسين وجلال زنكابادي وآخرين. صدر لها في الشعر مجموعتان هما: "قمر واثنا عشر شهرًا"، و"أنشودة الأطلال الحزينة"، بالإضافة إلى مختارات مترجمة صدرت بالإنجليزية تحت عنوان "ما زالت روحي عذراء".

تعد الشاعرة الكردستانية، كما يلقبونها، من الأصوات النسوية الرقيقة في ساحة الشعر الكردي المعاصر، لديها قوة دفق رومانسية في تصوير قصائدها الشعرية وغزارة كلماتها النقية والأصيلة التي تبعث للروح بهجة محلقة في آفاق الحلم والحقيقة. وهذه القصائد الواردة هنا نقلت من الكردية إلى العربية عبر خالد حسين.


العنقاء في ليلة مسرّة

العنقاء في ليلةٍ متفجِّرة بالغبطة

1

يا روحي:
تَحَايَا الصَّباح تُناديكَ
نداءاتُ المساءِ تَسْتَغِيثُ ألمي.
ثَمَّةَ ليلةٌ تَنهارُ من على فرسِ أَحْلامِهَا
وبين لوز نظراتي تُهَدْهِدُ لذَّتَهَا؛
عيناكَ أُتونُ صِراعٍ لا ينتهي
ومن وَقْدِةِ المتْعةِ
أَرغبُ فيكْ

 

2

من كبرياءِ وميضِ عينيكَ
أَيْقَظْتَ أحلامَ آمالي.
ما لصوتِكَ
لا يَهْدأ
أَهزُّكَ بومضاتِ أنفاسي؛
حيث السَّلك الرَّفيعُ
يتلمَّظُ الرِّيحَ المنفلتةَ من نافذتكَ
والمصباحُ
يُنيرُ أثرَ نورِ الشَّارع؛
هأنذا أغدو مسافرَ قطارٍ وقد تاهَ به الّليلُ.

 

3

وها هي
العيونُ الأخّاذة
قد أضحتْ صوت المقاومةِ ونايًا لفكري
ها هي
تفقد خطواتِهَا ألمَ أغانٍ في طريقِ اللغة.
هَا هي تُوْقِظُ العَنقاءَ رَقْصًَا
في هزيع الليل؛
لتفردَ ريشهَا وجناحيها
في الرِّيح.

4

ثمَّة على الشَّجرة غصنٌ أخضرُ
وقد باتَ ظلاً للعصافير
ونباتُ "الهفرست" ينشر قُبُلاتِهِ على شفاه مياهِ الحياة؛
حيث يخبِّىء قلبهُ هناك.
بعشقِ هذه الليلة وأغانيها
وأحلام جسدٍ منتشٍ
سأُخمِّرُ تَحايا العشق بخميرةِ أغنية؛
وبنشوتكَ سأُهَدْهدُ الليلَ على آلامِ الدَّرواشة.

5

نْقُشُكَ في عينيَّ
لتغدوَ
غابةَ سيمفونياتْ؛
صورةً أبديةْ
وفي عينيْ الصُّورة سأَدَعُ روحيَ تنتشي
وسيغدو
قوسُ القزح
علامةَ لِحَاظي
وفرحةَ قلبي
فلا تدعْ لياليَّ وحدَهَا؛
عطِّرهَا
فأنا أرغبُ فيكْ.

6

أنتَ في قلبي شوقُ ضياعٍ وُجِدَ للتوِّ؛
وفي المسرّةِ أنتَ نارُ ابتسامتي؛
وفي ابتسامتي غيثٌ صباحيٌّ؛
وفي الصباحاتِ أنتَ لحنُ جهاتي الأربع الجريحة.
أنتَ في الانكسار ثلجُ ألمي
وفي الحلم نشيدُ كينونتي؛
وفي الكينونة أنتَ حضورُ النُّور في عينيْ النَّهار؛
هكذا
أنا أنتَ وأنتَ أنا.

7

ها أنا أَعْصِرُ أنفاسَكَ وأَنْتَشِي
وبنار آلامِكَ أُوْقِدُنِي نارًا مباركة
لأغدوَ احتراقًا ورمادًا؛
فَأَنْبَجِسُ من الرَّماد عنقاءَ جديدةْ؛
ومن جديد أرغبُ فيكْ.

 

8

مثلما أنتَ
مثلما أَنَا
مثل حُبِّنا
مثل تلكَ البُرهة الممتعة التي تشعرُ بها
مثل نشيدِ روحي في قشعريرةِ جسدي، هي اللحظةُ التي عَرَفتُكَ فيها
مثل ذلك اليقين الأكثر رسوخًا وقوةً
من جذور الأشجار والجبال معًا.

(بوسطن 3/3/2009)

 

حروف متهالكة

1

حُرُوفي
خَرْسَاء وَبَائِسَةْ؛
حُرُوفِي تَئِنُّ في وَجَع تُرْبَتِي،
آه، يَالِكَلِمَاتِ الوَجَعِ وَالأَلَمِ؛
آه، مِنْ مِتْعَةِ كَلِمَاتِ الرَّحِيْلِ بَحْثًَا عن العلاج،
بَعِيْدًا أَمْضِي
وَللْبَعِيْدِ أَخْطِفُ نَفْسِي
الجُرْحُ سَحِيْقْ
والدَّوَاءُ فِي المُنْتَأَى
حَيْثُ الدَّاءُ يَنْهَشُ جَسَدِي
وَيَتْرُكُنِى جلدًا عَلَى عَظمْ.

2

هَوَ ذَا الدَّاءُ؛
وَهَا النَّسيمُ قَدْ مَلَأَ أَنْفَاسِي مِنْ زِرْقَةِ السَّمَاءْ
لكنّ شَجَرَتِي تَحَجَّرَتْ
وَأوراقي تَسَاقَطَتْ.

3

أَنْحَدِرُ نَحْوَ الغرب،
رُوَيْدًَا، رُوَيْدًا
وَمَعَ شُعَاعَاتِ الشَّمسِ
أُبَلِّلُ أَملَ أَحْلَامِي
بِدُمُوْعِ الدَّاءِ وَاليَأسِ
وَبِنَدَمٍ أَضَطَرِبُ في حُلْمٍ يَقِظْ.

4

إذا مِتُّ
فَلاتَدْفِنُونِي في أَرْضٍ غَريبةْ!
احْرُقُونِي وَبَعْثِرُوا رَمَادِي فِي بَحْرٍٍ؛
فَرُبَّمَا حِفْنَةٌ مِنْهُ تَتَسَلَّلُ إِلَى ضِفْةِ نَهْرٍ مِنْ أَنَهَارِ بَلادِي؛
فَيَمْتَزِجُ رَمَادِي بِتَرَابِ الوَطَنْ؛
لِيَنْمُوَ مِنْهُمَا البَنَفْسَجُ والــدُّفْلَى،
وتَفوحُ رَائِحةُ أَشْوَاقِي مِنْ أنفاس
العَرَائِس وَوَصِيْفَاتِهُنْ،
وآهَاتِي تَمْتَزجُ بِآهَاتِهُنْ.

5

آهَاتُ هَذَهِ الأَرْضِِ تَلمُّ دَمُوعَهَا مِنْ
عَيْنَيك؛
لِتُطِفِىءَ بَهَا انْتَظَارَ خَمْسٍ وعشرينَ سنةً
عَلَى ضَوْءِ خصرَ أَمَلٍ مُسَرْطِنْ.
6ــ
لَمَحْتُ الدُّمُوْعَ فِي عُيُوْنِ كَثِيْرٍ مِنَ أَصْدِقَائي وَأصْحَابِي،
لَمْلَمْتُهًا بِيَدَيَّ
وَعَلَى لَافِتَةٍ مِنَ الوَفَاءِ نَقَشْتُهَا
بِالْحُبِّ وَالإخِلَاص؛
فَطَرَّزْتُ أًجْمَلَ لَوْحَةْ.
لَحْظتئذٍ؛ انْبَثَقَ التَوَازُنُ بَيْنَ أَصْدِقَائِي
وَحُبِّي فِي مُوَاجَهَةِ مَرَضِي؛
وَبِمَطَرِ قُبُلَاتِي وَدُمُوْعِي
اغْتَسَلَتِ اللَّوْحَةْ.
وفِي نَشْوَةِ العَوْدَةِ
سَألُّمُ دَمُوْعَكُم مَع دُمُوْعِي
يَا لِي كَمْ أَنَا غريبةٌ.

 

صدى

أتسمعُ

اللّيل؟

الآن يَمضي اللّيلُ

مُتَخَاصِرًا الأشجارْ.

ثمة أغنيةٌ صامتة،

الضوءٌ وريحُ الخريف.

أَتَسْمَعُ هَسِيْسَ اللّيل؟

يَنْبِضُ اللّيلُ في الشَّجر،
يُؤَرْجِحُ اليدين؛

وبصمتٍ

يَصْرَخُ...

وَيَنْقِشُ حُلُمي.

هَا هُو اللّيلُ يَأتي

ويَمْضِي

يَرْسُمَ طَيرانَ الطِّيورْ؛

اللّيلُ يَبْكي

بِلَا زَمنٍِ

بِلا مَوْعِدٍ

والفَجْرُ يَعْبَثُ بالاصْفِرَارْ.

الشَّجرةُ، هناك، بلامبالاةٍ

في ظِلالِهَا

تَحْلُمُ

وَ

تَبْذرُ فـَـيَّ الخَرِيْفْ!!!

 

(بوسطن 1/8/2007)

 

نرعى الليل

 

مشتاقةٌ، وفي الأحلام أتألَّمُ

فلتغدو ضيفًا

لتغدوَ نداءاتِ البؤساء بمحاذاة سطوح الصَّمت

ومضاتِ النَّار التي تتبعثرُ بعتابٍ.

***

مقتنعةٌ بالحلم

وفي انتظار آناهيتا

كتابٌ محفوظٌ أنا

وأنا عشقُ حكايات الأسطورة وعنفوانها.

***

الليلُ صامتٌ، بهيمْ

الليل يضجُّ

وحكايتنا شعلة قنديل.

***

بلادٌ القمع كائنةٌ

حيث ليالينا ونهاراتنا تئنُّ

والآلام تنسجُ حوافَّ القمر والأحلام.

كم من صور تتراءى للعين

كم من ذكرياتٍ تحتضرُ وتحتضرْ

كم من آلامٍ تتنوّعُ وتتنوعْ

كم من بلابل تستغيثُ وتستغيثْ

الصورُ وارتعاشاتُ الأجساد

الشمال والجنوب يلبّيان النداء

الجميع يبلِّغ استغاثاته

ورود الـ"شلير"

وضوء القمر

الغابات

وحدائق الورد

الضياء

البحار

وإشعاعات

السماء

أصواتُ القطارات مضتْ وراءكْ؛

والطرق الغريبة أتقنت اسمك.

***

إيروس

قنديلُ القلوب السَّاهرة

يتركُ الأيدي فارغةً كلِّ حين

ثم يطعنها.

***

النَّيرانُ تراقصت

والمناظرُ بلون الطَّحالب

وانفعالاتُ الألم محفورةٌ في أنحاء كينونتي كله.

ونظراتُ العيون

ألغازٌ

وأسرارْ.

***

أسيرةٌ لحفنةِ مشاعر ظلَّت إثر ليلتكَ حيث بقيت

بائسة.

ومن شدّة هذا الحلم ثنيَّتُ خصري

لكن لا يقينَ عندي.

تكسّرت الأرض ..

والسَّرابُ تلاشى في بيداء غيابي

أغوصُ بين أمواج المواعيد وعواصفها.

يا ...

اِمضِ إليَّ لكي أُنْشِدَ لكَ هذه القصيدة القصيرة:

إكليل العروس الأسطورية

من نِهْدَيْ حلمي

أقطفُ ورودَ أمل الانتظار

وأجعلُهَا إكليلاً للعروس الأُسْطُورية

في الحقيقةِ الحالمة.

ليلَ نهارْ

وأمام باب حديقة العواطف

يلتقيان.

مع أرياش البلابل

مع ندى ورود الـ"شلير"

وفي كأسِ جنونِ هذه الليلة أمخضُ البعيدَ

لينتشي عطرنا.

بالجنونٍ

بالبعيد

بالحلم الشّفاف يأخذهما الدَّوار

وفي هذا النوم العميق، ليجددا حلمهما

هذا ما تبقَّى في أيدينا

من رائحةِ هذه الحقيقةِ السَّاذجة.

****

متى..

ستنبثقُ من الغيوم

ومتى..

شهر آذار سيُهدي الورود

والحزن والظلال.

****

تنتظرُ وردةَ الحياة

في قراءة غجريةٍ لفنجانٍ الحَظِّ

وفي أمكنةٍ مختلفة، ومختلفة

وبأشواق العشاق

أَضمُّكَ..

الشمسُ اختلستني

وجعلتني شعاعاتٍ.

روحكَ بعيدة، وحول كينونتي، ثمَّة رقصةٌ رباعيةٌ قائمة

والمرآة معكوسةً تدير وجهها..

***

إلى رقصةِ الندم لا تأتي

فجروحي توقظُ أحزانكَ في الشَّفق

لتمتطيَ قوس القزح

ثمَّة طرق نائية و...

سبَّاحةٌ

عاشقةٌ

منتظرةٌ

مشرّدة أنا

ابحثْ عني، لتجدني

وارمٍ الشيخوخة من جسدي

أملي:

أن توقظ الرَّغبات والأهواء.

***

أرعى النَّجوم

وبين خيالات عينيك أدوِّرُ الليل حول القمر

"ديافين" السَّاهرة؛

طفلة عجوز

والقلم نديمي

وفي الصُّورة تراءتْ لي السِّهامُ المنطلقةُ من عينيكْ.

اقرأ/ي أيضًا:

عودة الباندا

علبة سجائر على قبر جدي