كورونا إكسبريس

كورونا إكسبريس

ساحة الدومو في ميلانو خلال فترة الكورونا

قضينا أكثر من شهرين في الحجر الصحي، تسوّقنا خلالها مرة في الأسبوع، خرجنا إلى الشرفات، غنينا وتبادلنا تحيات الصباح والمساء، وشاهدنا برامج تلفزيونية كنا نجهل وجودها. كانت تنتابتنا أفكار كثيرة خلال هذه العزلة، يتخللها بين الحين والآخر حنين جارف لأماكن ومأكولات كنا نعتقد أننا نسيناها تمامًا بسبب الغربة القسرية والانخراط في البيئة الجديدة. بيئة كنا ندّعي بشيء من الزهو أننا نعرف كل جوانبها نتيجة قراءاتنا المكثفة ومتابعتنا الحثيثة لكل ما يصدر في الغرب من نشاطات ثقافية واجتماعية.

يعترف همنغواي في إحدى مقابلاته الصحفية أنه يسرد ما هو ظاهر فقط من قمة جبل الجليد، لكي يترك للقارئ إمكانية تخيّل ما سيحدث دون الدخول في تفاصيل كثيرة

أثناء هذا العراك مع الحاضر والمجهول، وصل بنا الأمر إلى أننا طبخنا الشيش بُرَك بالتورتيلليني المحشو بالحبق والريكوتّا، وحضّرنا رزّ الحليب برزِّ سكوتّي الذي لا ينضج أبدًا، والمهلبية بالنشاء وحليب الماعز مع ملعقتين من الكاكاو المرّ، والسفرجلية بدون كبّة! تجارب نجحت وأخرى فشلت، والمتعة كانت تكمن في الانهماك فحسب، الانهماك إلى أقصى درجة ممكنة حتى تستنفد كل الاحتمالات وتقبع أخيرًا في الزاوية وكأنك خرجت لتوك من غرفة التعذيب في أحد المقرات الأمنية.

اقرأ/ي أيضًا: أزمة كورونا.. لماذا الكل يحارب الكل؟

البحث عن الأغراض الضائعة شكّل جزءًا من حياتنا اليومية: هدايا صغيرة كنا قد اشتريناها أثناء العطلات ونسيناها في الخزانة أو الأدراج، فردات جوارب، أسطوانات فينيل وسيديهات، كاسيتات لأعراس شعبية مع دوي طلقات المسدسات والرشاشات، أدوات وألوان للرسم الزيتي والمائي، وفوق كل شيء أقلام الرصاص، علبة أحذية تحتوي على العشرات منها، بمختلف الطّرْوِ والسُمْكِ.

قرأت مرة أن همنغواي كان يكتب بأقلام الرصاص ثم ينتقل إلى الآلة الكاتبة، واقفًا على قدميه. كان يبري سبعة أقلام ولا يتوقف عن الكتابة، من السادسة إلى منتصف النهار تقريبًا، إلا بعد أن يستهلك رؤوسها الحادة ويصطدم بالخشب. جرّبت هذه الطريقة، لكن يبدو أن اختياري للأقلام لم يكن موفقًا. كانت كلها مزوّدة برصاص قاس ينزلق على الورق ويصدر صريرًا مزعجًا. حتى الجمل كانت تشبه ذلك الصرير، جافّة ومنفرة.

خلال فترة الحجر هذه، تبادلت أكثر من معلومة مع الأصدقاء، عن الكتابة والطبخ والطريقة المثلى للتغلب على الأرق. أنا لا أعاني من الأرق، أصوات انفجارات القنابل والصواريخ في حلب أثناء ضراوة القصف العشوائي في عامي 2013-2014، أخذت في طريقها الأرق والقلق وأحلام اليقظة وكوابيس الليل والنهار معًا. إنما اختيار "الفونت" وتأثيره على الكتابة أقلقني بعض الشيء. يصرّ أحد الأصدقاء على أن "الفونت" له دور كبير في إنشاء النص. "فيردانا" و"هيلفيتيا" مناسبان للكتابات النقدية، بينما "أرييل" و"كاليبري" يجعلان النصوص الإبداعية سلسة وأنيقة. كيف يحدث ذلك؟ خشيت ان أجرّب.

أعود إلى أقلام الرصاص، أبريها وأشحذها على حافة الخشب، اختار الورق المُعاد تدويره، أصفر مع بقع مجهرية داكنة، وأجلس وراء المنضدة. ورق تم تدويره بعناية، ويبدو وكأنه خرج لتوه من أحد حوانيت القرن الثامن عشر. أبدأ الكتابة. همنغواي يعترف في إحدى مقابلاته الصحفية أنه يسرد ما هو ظاهر فقط من قمة جبل الجليد، لكي يترك للقارئ إمكانية تخيّل ما سيحدث دون الدخول في تفاصيل كثيرة. سبعة أثمان مخفية من كل فصل ظاهر. مثلًا، كان يمكن لرواية "الشيخ والبحر"، أن تتعدى ألف صفحة: الكتابة عن حياة سكان القرية، كيف يكسبون قوت يومهم، كيف ولدوا، إذا كانوا قد ارتادوا المدارس، عن حياتهم الزوجية وأولادهم. إنما بحث عن تجربة أخرى، حذف مئات الصفحات، ودعا القارئ ليتشارك معه في إطلاق العنان لخياله وتصوّر حياتهم استنادًا للمعلومات القليلة التي زرعها هنا وهناك بين صفحات الرواية.

أبدأ الكتابة، متطرقًا كل الحوافي، وأغوص بالقلم في أحشاء الثلج الذي ذاقت أجسامنا طعم برودته مرارًا، تارة في الأزقة، حفاة وبقميص قطني، وتارة أخرى في زنزانات لا تعرف أبدًا كيف كانت تضخ صقيعها الجاف في عظامنا، لتخرج بعدها من عيوننا دفقات من الدهشة والرعب. بأطياف باهتة كنا نرسم شمسًا خيالية، حطام أجساد ووجوه أحباء، ونعجز عن تخيل اللون الأخضر والأزرق، بل كل الألوان.

ألاحظ بعد عدة سطور، أنني تجاوزت قمة الجبل الجليدي وبدأت أنهل من قاعدته المخفية تحت الماء. أحاول أن ألقي اللوم على القلم، أنظر إلى رأسه الحاد، أقلّبه بين يدي، وأستبدله بآخر. حركتي العصبية تنذر بالخوف من الصفحة الفارغة. طيب، فلننته من هذا الأمر أيضًا. أدْعَكُ الورقة وأقذفها جانبًا، تلحقها طابات مكوّرة أخرى. بعد نصف ساعة تقريبًا، أسمع زعيقًا من خلفي. أجفل وأنهض واقفًا: ولماذا نقتني سلة مهملات، برأيك؟ صدمة قوية، أتمنى لو أنها تكررها ثانية، فقد استطعت بعدها أن أكتب بسلاسة كبيرة، وأنا ألتفت بين الحين والآخر إلى الوراء تحسبًا لأي طارئ!

لعل أقسى ما تعرّض له الإيطاليون في هذه الفترة هو حرمانهم من متعة تناول قهوة إكسبريس في البار

طرح أحد الأصدقاء السؤال التالي عبر النِتْ: ما هو أول شيء تتمناه بعد انقضاء الحجر الصحي؟ كانت إجابتي، وإجابة بعض المشاركين في الاستطلاع البيتوتي، هي تناول فنجان قهوة إكسبريس في البار بصحبة الأصدقاء. لعل أقسى ما تعرّض له الإيطاليون في هذه الفترة، هو حرمانهم من هذه المتعة. على الرغم من أن الجميع تقريبًا يملكون ماكينات "موكا" في بيوتهم لتحضير القهوة على الطريقة الإيطالية، ولكن النكهة في البار تختلف تمامًا. ليس القهوة بحدّ ذاتها، بل الطقوس المرافقة لها: صباح الخير، كيف الحال؟ وماذا عن العمل؟ والأولاد؟ انفصلت عن زوجتك؟! يا للأسف؟! إذًا، نهارًا طيبًا. طبعًا، طبعًا، سنلتقي في واحدة من هذه الأمسيات. كلمات قليلة وسريعة، إلا أنها تكفي لتهدئة أعصابك ورفع معنوياتك.

اقرأ/ي أيضًا: ملفّ خاص.. فيروس كورونا الجديد

عندما نخرج من بيوتنا في الصباح، كل واحد منا يعرف ماذا يحدث من مشاكسات في تلك الساعة الحاسمة، سيما إذا كان أحدهم قد استفاق بمزاج سيئ!

 

اقرأ/ي أيضًا:

نحو عالم ما بعد كوروني

الصحافة وكوفيد 19.. كرنتينا على رأس الصنعة