كواليس لقاءات قائد الجيش اللبناني في واشنطن: وعودٌ أميركية رهن الميدان
6 فبراير 2026
لم تأتِ زيارة قائد الجيش اللبناني، العماد رودولف هيكل، إلى واشنطن مطلع الأسبوع الأول من شباط/فبراير في سياق منفصل عن التطورات في الشرق الأوسط والتوجّهات الأميركية تجاه المنطقة، من طهران إلى غزة. جاءت الزيارة بعد فتور أحدثه إلغاء سابق، وفي ظل أسئلة لم تُطرح علنًا بعد. بين موعد أُسقط في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 بصمت دبلوماسي وموعد أُعيد تثبيته اليوم بدقة، ثمة مسافة سياسية تستحق التوقف عندها.
لم تكن الزيارة مجرّد جولة بروتوكولية، بل عكست، وفق مصادر أميركية متابعة عبر موقع "الترا صوت"، تحوّلًا تدريجيًا في مقاربة الولايات المتحدة للملف اللبناني. فقد انتقلت النقاشات من مستوى الدعم العسكري والتقني إلى مستوى رسم معادلة استراتيجية أوسع، تزامنًا مع التحضير لمؤتمر باريس، واستمرار الضغط الميداني جنوبًا، وتجميد آليات التنسيق عبر لجنة "الميكانيزم"، المتوقّع أن تعود للاجتماع أواخر الشهر الجاري، بما يشير إلى إعادة ترتيب شاملة لشروط الانخراط الأميركي في المرحلة المقبلة.
كواليس اجتماعات واشنطن
كشف المراسل المعتمد في البيت الأبيض، أنطوني مرشاق، لموقع "الترا صوت" عن كواليس اجتماعات قائد الجيش اللبناني، العماد رودولف هيكل. في اليوم الأول، ركّز على تقييم المشهد الأمني الإقليمي وتأثيره المباشر على لبنان، خصوصًا مع التطورات المتسارعة في سوريا والعراق والتوتر المستمر بين إيران والولايات المتحدة. وتمّ البحث في قدرات الجيش اللبناني واحتياجاته في المراقبة الحدودية، الاستخبارات الميدانية، والتكنولوجيا العسكرية، إضافة إلى تعزيز تبادل المعلومات لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، بما في ذلك شبكات تهريب المخدرات والجريمة المنظمة.
لم تكن الزيارة مجرّد جولة بروتوكولية، بل عكست، وفق مصادر أميركية متابعة عبر موقع "الترا صوت"، تحوّلًا تدريجيًا في مقاربة الولايات المتحدة للملف اللبناني
أما اليوم الثاني، انتقلت الاجتماعات إلى الكونغرس، في مؤشر إلى أن الملف اللبناني أصبح جزءًا من النقاش السياسي الداخلي الأميركي. وتركّز النقاش على ضمان استمرارية التمويل العسكري رغم سياسات التقشّف، وربطه بالأداء الميداني وتعزيز سلطة الدولة، مع تأكيد المسؤولين الأميركيين استمرار الثقة بالمؤسسة العسكرية كجهة وطنية محترفة مستقلة عن الانقسامات السياسية.
وفي اليوم الثالث الأخير، جرى بحث ملفات الشرق الأوسط من زاوية أوسع، تشمل مستقبل التوازنات الإقليمية ودور لبنان ضمنها. كما ركّزت لقاءات وزارة الخارجية على آليات الرقابة على المساعدات، لضمان استخدامها في إطار يعزز سلطة الدولة اللبنانية ويمنع أي انحراف عن مسار الدعم.
الدعم مقابل النتائج
ونقل مرشاق عن مصادر دبلوماسية أنّ واشنطن تعتمد مقاربة "الدعم مقابل النتائج" في مساعداتها العسكرية للبنان، عبر تقييم دوري لأداء الجيش لجهة انتشاره وقدراته والتقدّم في ملف نزع السلاح، بهدف ضمان فعالية الدعم على المدى الطويل. وقد ناقش الكونغرس الأميركي احتمال تخصيص مساعدات عسكرية للبنان بقيمة تتراوح بين 200 و300 مليون دولار، في مؤشر إلى استمرار دعم الجيش رغم الضغوط المالية، على أن يبقى إقرارها النهائي مرتبطاً بتقييم نتائج الزيارة والتفاهمات التي أُنجزت خلالها.
وفي السياق السياسي، شدّد مسؤولون أميركيون على أن الجيش اللبناني يمثّل الضامن الأساسي للاستقرار، وأن مستقبل لبنان يجب أن يقوم على مؤسسات الدولة، مع رفض أي نفوذ خارجي يتعارض مع هذا التوجّه.
كما تناولت النقاشات تعزيز التعاون الاستخباراتي لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، في إطار مقاربة أوسع تهدف إلى دعم قدرات الدولة على فرض القانون.
لقاء سيء
في المقابل، ورغم الأجواء الإيجابية التي رافقت الزيارة، أو على الأقل الليونة والدبلوماسية في طرح الملفات على طاولة قائد الجيش، ظهر مؤشر سلبي جدًا من السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام.
في منشور على منصة "اكس"، أشار غراهام إلى أنه عقد اجتماعًا قصيرًا جدًا مع قائد الجيش اللبناني، وسأله بشكل مباشر عمّا إذا كان يعتبر حزب الله "منظمة إرهابية". فأجاب هيكل: "لا، ليس في سياق لبنان"، وبذلك أنهى الاجتماع.
وأضاف غراهام، الذي سبق وأثار جدلًا خلال زيارته الأخيرة لبيروت: "طالما أن هذا الموقف موجود لدى الجيش اللبناني، فلا أعتقد أننا نملك شريكًا يمكن الاعتماد عليه. لقد سئمت من ازدواجية الخطاب في الشرق الأوسط، فالكثير على المحك".
شرط الشفافية والمساءلة
بحسب الكواليس، تعكس زيارة قائد الجيش توجّهًا أميركيًا نحو دعم مشروط بالنتائج، يقوم على الشفافية والمساءلة. وتأتي ضمن رؤية تعتبر استقرار لبنان جزءًا من معادلة أمنية إقليمية أوسع.
نقل مرشاق عن مصادر دبلوماسية أنّ واشنطن تعتمد مقاربة "الدعم مقابل النتائج" في مساعداتها العسكرية للبنان، عبر تقييم دوري لأداء الجيش لجهة انتشاره وقدراته والتقدّم في ملف نزع السلاح
وفي المحصلة، يقول المراسل أنطوني مرشاق، جاءت الزيارة في توقيت دقيق يتقاطع فيه الأمن والسياسة والاقتصاد. وبينما تؤكد الولايات المتحدة استمرار التزامها بدعم الجيش اللبناني، تشير الرسائل من واشنطن إلى أن المرحلة المقبلة ستكون مختلفة، عنوانها الانتقال من الدعم التقليدي إلى شراكة استراتيجية مشروطة بالنتائج.
هناك قناعة متزايدة في العاصمة الأميركية بأن استقرار لبنان لم يعد ملفًا هامشيًا، بل جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بأمن المنطقة وتوازناتها المستقبلية.
وبناءً عليه، يبدو أنّ الزيارة تجاوزت بعدها البروتوكولي لتصبح مؤشرًا على اتجاه العلاقة المقبلة. فهل تكون بداية صياغة مختلفة بين واشنطن وبيروت؟
الكلمة للميدان
صحيح أن واشنطن منخرطة في مؤتمر دعم الجيش اللبناني المرتقب في أذار/مارس في باريس، إلا أن نجاح اللقاء في تقديم المساعدات المطلوبة يبقى رهناً بالميدان، وتحديدًا بخطة الجيش لاستكمال حصر السلاح في منطقة شمال نهر الليطاني.
وتتجه الأنظار إلى ما بعد زيارة قائد الجيش إلى واشنطن، وما سيعرضه على مجلس الوزراء اللبناني، والخطوات العملية خلال الشهر الفاصل عن موعد باريس.
يواجه الجيش اللبناني مهمة صعبة ومعقدة، مليئة بالعقبات والمخاطر التي تمس السلم الأهلي، فيما تفرض إسرائيل شروطها عبر لغة النار والاغتيالات اليومية والانتهاكات التي لا تسلم منها البشر والحجر والشجر.