كواليس النصب باسم الرئيس

كواليس النصب باسم الرئيس

عمليات النصب باسم عبد الفتاح السيسي أكثر ممّا تتخيل في مصر(خالد دسوقي/أ.ف.ب)

عمليات النصب باسم عبد الفتاح السيسي أكثر ممّا تتخيل. الرئاسة المصرية وزّعت نشرة على الصحف عن قصة النصب باسم الرئيس في أب/أغسطس الماضي، أحدهم يدعي أنه من أقاربه وينصب، بعضهم يدعي أنه من مستشاريه (وما أكثر المستشارين في مصر!) لخداع حملة الماجستير والدكتوراه وفئات كثيرة.. كلهم يدّعون القرب من السيسي: "ابن خاله، ابن عمه، مستشاره، وزير في حكومته، موظف بالرئاسة.." والناس تقع في الفخ، وتدفع "إكراميات" وهدايا ورشاوى وشاي وقهوة (مفردات أخرى للرشوة) مقابل مصلحة أو قضاء حاجة.

عمليات النصب باسم عبد الفتاح السيسي عديدة، كثيرون يدعون القرب منه والمواطنون يقعون في الفخ، يدفعون الهدايا والرشوة أملًا في قضاء حاجياتهم

هذه المرة كان المشهد مختلفًا. الذي وقع في المصيدة انتحل شخصية عبد الفتاح السيسي نفسه، وكشف عنه الناشط شريف الصيرفي، المتهم بتأسيس حركة "بلاك بلوك"، في كتابه الجديد "شغب في المعتقل". كان الرجل زميل الصيرفي على بلاط "زنزانة 8" البارد داخل أحد سجون القاهرة، وروى لزملاء "القروانة"، حسب مفردات السجون، قصته.

اقرأ/ي أيضًا: قل لي من أين تؤكل الكتف؟

يقول، حسب رواية الصيرفي، إنه "ظلَّ منتحلًا صفة نقيب أمن دولة لمدة خمس سنوات، نصب خلالها على مؤسسات حكومية عن طريق رقم هاتف مميز، ورقم هاتف خاص، ورقم آخر يُمْنَح للأمراء والشخصيات العامة يظهر للمتصل "000"، وحصل عليه عن طريق صديق له يعمل في شركة اتصالات حين سافر الأمير العربي الذي كان الخط في هاتفه الخاص دون تعطيله.

ويضيف: "أنا وأصدقائي من العاملين بالداخلية نصبنا كمينًا وهميًا في منطقة السادس من أكتوبر واستخدمنا سيارات شرطة خاصة بإحدى الجهات التي نعمل فيها لسرقة المارَّة، وبالصدفة مرَّ رئيس مباحث قسم أكتوبر ودار الحوار التالي:

"رئيس المباحث: أنا ماعنديش علم بوجود كمين في المنطقة دي؟!

النصاب: حضرتك ده كمين أمن دولة.

رئيس المباحث: ماعنديش معلومات.

النصاب: حضرتك جاي من الشغل ولا من البيت؟

رئيس المباحث: من البيت.

النصاب (بلغة حازمة): خلاص يبقى حضرتك تتفضل على القسم وتسأل هناك".

بينما تغادر سيارة رئيس المباحث، أمر النصاب أصدقاءه بفضّ الكمين فورًا.

اقرأ/ي أيضًا: مصر..إعلام برتبة شريك في الفساد

ما أسهل أن تجد وظيفة في مصر! هي رحلة بحث منذ تخرجك من الكلية، وحصولك على بعض الشهادات، واصطياد بعض كلمات اللغة الإنجليزية التي تؤهلك للعمل ثم تتقدم بأوراقك وشهاداتك لشركات ومصانع ومكاتب، تجري لقاء بصاحب العمل، ينتهي بكلمة "كان بودي أعيّنك.. لكن إيدي أقصر كثير مني".

خطة ممنهجة لضياع الوظيفة وتدميرك نفسيًا ومعنويًا، بينما على الجانب الآخر من الحياة، كان منتحل شخصية السيسي يعرف مدى رغبة شخصيات عليا بالدولة في نفاق القيادات، وتقديم أي تسهيلات أو وسائط أو خدمات لـ"نيل الرضا"، وانتظارًا لرد الجميل.

بهذا الفهم العميق لنفسية الموظف المصري، الذي يحمل رغبة في الانحناء، وليست فقط قدرة على الانحناء، صاغ طريقته للنصب على الوزراء والشخصيات العامة، كان يتصل بوزير (أو أكثر)، يقدم نفسه بصفة نقيب من جهة أمنية، ويطلب: "الجهاز يريد فلانًا في المنصب الفلاني، هذا ليس طلبًا شخصيًا، إنما له علاقة بأمور تخص عملية نقوم بها حاليًا".

يغلق الهاتف ثم ينتظر اتصالًا من فلان يبلغه بأنه تمّ تعيينه سكرتيرًا لمكتب وزير، أو وكيل وزارة، أو عضوًا بالمجلس الأعلى للثقافة أو "حقوق الإنسان".

العالم الخفي للوظائف في مصر يدار بطريقة غير عادلة، تحركها شِلَل من النصابين والمسؤولين "المشتاقين" إلى مسؤوليات أثقل ومناصب أعلى

العالم الخفي للوظائف في مصر يدار بطريقة غير عادلة، تحركها شِلَل من النصابين والمسؤولين "المشتاقين" إلى مسؤوليات أثقل ومناصب أعلى، فهم يريدون أن يرتفعوا إلى مراتب الأنبياء والقديسين مهما كلّفهم ذلك، قرارات ستعود عليهم بالفضيحة.

قرَّر المتهم نزيل بـ"زنزانة 8" أن ينتحل صفة رئيس المخابرات الحربية، لتعيين نفسه في شركة بترول. ضربة قاضية قرَّر أن ينهي بها حياته في النصب. اتصل برئيس الشركة وقدَّم نفسه باسم الفريق عبد الفتاح السيسي، مدير المخابرات، وطلب تعيين "فلان"، نسيب وزير الدفاع في شركة بترول براتب لا يقل عن ربع مليون جنيه شهريًا، لكن كيف سقط منتحل شخصية عبد الفتاح السيسي؟

الجريمة الكاملة ليست موجودة، فلا أحد يستطيع أن يضبط كل الساعات على ساعته. حسب رواية الصيرفي، بعد نهاية عملية التعيين، اتصل وزير البترول بوزير الدفاع مجاملًا، ومنتظرًا رد الجميل، وأبلغه بتعيين نسيبه "فلان" في المنصب، لكن الوزير قال له: "لا أعلم أي أحد بالاسم ده"، وانفجرا غضبًا فقد اكتشفا أن مجهولًا نصب على الحكومة، وانفجرت مصادر المعلومات والتحريات حول هوية منتحل شخصية مدير المخابرات حتى ألقت الشرطة العسكرية القبض على المتهم، وأحالوه للمحاكمة، وحكم عليه بثلاث سنوات سجن. ولا تزال الوظائف في مصر تدار بالطريقة نفسها، والنصب باسم الرئيس ومدير المخابرات مستمرًا.

اقرأ/ي أيضًا:

"سونطراك 1".. مفتاح فضائح الفساد في الجزائر

"تحدي الأسْفَلت".. غضب المغاربة ضد الفساد