كواليس القرار.. كيف ورّط نتنياهو ترامب في الحرب على إيران؟
11 ابريل 2026
وصلت السيارة الرياضية السوداء التي تقلّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى البيت الأبيض قبل الساعة 11 صباحًا بقليل في 11 شباط/فبراير. وكان نتنياهو، الذي مارس ضغوطًا على مدى أشهر من أجل دفع الولايات المتحدة إلى الموافقة على شن هجوم كبير على إيران، قد أُدخل إلى المبنى بسرعة ومن دون مراسم تُذكر، بعيدًا عن أنظار الصحافيين، وهو يستعد لواحدة من أكثر اللحظات حساسية في مسيرته الطويلة.
اجتمع المسؤولون الأميركيون والإسرائيليون أولًا في غرفة مجلس الوزراء المجاورة للمكتب البيضاوي. ثم نزل نتنياهو إلى الطابق السفلي للمشاركة في الحدث الرئيسي: عرض شديد السرية حول إيران أمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفريقه في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، وهي غرفة نادرًا ما كانت تُستخدم لعقد اجتماعات حضورية مع قادة أجانب.
ترتيب الجلسة والحضور
جلس ترامب، لكن ليس في موقعه المعتاد على رأس الطاولة الخشبية الكبيرة في الغرفة. بدلًا من ذلك، اتخذ مقعدًا على أحد الجانبين، في مواجهة الشاشات الكبيرة المثبتة على الجدار. وجلس نتنياهو على الجانب الآخر، في مواجهة مباشرة للرئيس.
وظهر على الشاشة خلف رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد برنيع، رئيس جهاز "الموساد"، إلى جانب مسؤولين عسكريين إسرائيليين. وقد شكّل اصطفافهم المرئي خلف نتنياهو صورة لقائد حرب يحيط به فريقه.
استخدم مدير وكالة الاستخبارات المركزية كلمة واحدة لوصف سيناريوهات رئيس الوزراء الإسرائيلي المتعلقة بتغيير النظام: "هزلية"
جلست كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز في أقصى الطاولة. واتخذ وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي كان يشغل أيضًا منصب مستشار الأمن القومي، مقعده المعتاد. وكان وزير الحرب بيت هيغسيث والجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، على أحد الجانبين، وانضم إليهما مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف.
كما استكمل أفراد المجموعة الأساسية صهر الرئيس، جاريد كوشنر، ومبعوث ترامب الخاص، ستيف ويتكوف.
اجتماع ضيق لتفادي التسريبات
أُبقي الاجتماع صغيرًا عمدًا للحيلولة دون حدوث تسريبات. ولم يكن عدد من كبار وزراء الإدارة على علم أصلًا بانعقاده. كما غاب عنه نائب الرئيس جيه دي فانس، إذ كان موجودًا في أذربيجان، وقد حُدد موعد الاجتماع على عجل بحيث لم يتمكن من العودة في الوقت المناسب.
كان العرض الذي سيقدمه نتنياهو خلال الساعة التالية محوريًا في دفع الولايات المتحدة وإسرائيل نحو مسار صراع مسلح كبير في قلب واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا. كما قاد إلى سلسلة من المناقشات داخل البيت الأبيض خلال الأيام والأسابيع اللاحقة، وهي نقاشات لم تُنشر تفاصيلها من قبل، درس خلالها ترامب خياراته والمخاطر قبل أن يمنح الضوء الأخضر للانضمام إلى إسرائيل في مهاجمة إيران.
خلفية الرواية ومصدرها
تعتمد هذه الرواية عن الكيفية التي أدخل بها ترامب الولايات المتحدة إلى الحرب على مادة أُعدّت لكتاب مرتقب بعنوان "تغيير النظام: داخل الرئاسة الإمبراطورية لدونالد ترامب". وتكشف كيف أظهرت المداولات داخل الإدارة غرائز الرئيس، والانقسامات داخل دائرته الضيقة، والطريقة التي يدير بها البيت الأبيض.
وتستند هذه الرواية، وفق تحقيق نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، إلى مقابلات موسّعة أُجريت بشرط عدم الكشف عن هوية أصحابها.
تقارب تشدّد ترامب ونتنياهو
يؤكد التحقيق مدى التقارب بين تفكير ترامب المتشدد وموقف نتنياهو على مدى أشهر طويلة، بل أكثر مما كان يدركه بعض أبرز مستشاري الرئيس أنفسهم. وقد كانت العلاقة الوثيقة بين الرجلين سمة مستمرة عبر إدارتين، وكان هذا التداخل، رغم ما شابه أحيانًا من توتر، سببًا في تغذية انتقادات حادة وشكوك واسعة لدى اليسار واليمين في السياسة الأميركية على السواء.
نتنياهو يطرح إسقاط النظام
في غرفة العمليات، قدّم نتنياهو عرضًا ضاغطًا، مشيرًا إلى أن إيران باتت مهيأة لتغيير النظام، ومعربًا عن اعتقاده بأن مهمة أميركية إسرائيلية مشتركة يمكن أن تضع نهاية للجمهورية الإسلامية.
وفي مرحلة ما، عرض الإسرائيليون على ترامب مقطع فيديو قصيرًا تضمن مشاهد مجمعة لشخصيات يمكن أن تتولى قيادة البلاد إذا سقطت الحكومة.
وكان من بين من ظهروا نجل شاه إيران الأخير، رضا بهلوي، المقيم في المنفى، وهو معارض يقيم في واشنطن، حاول تقديم نفسه بصفته قائدًا علمانيًا يمكن أن يقود إيران نحو مرحلة ما بعد الحكم الديني.
الوعود الإسرائيلية بالنصر السريع
عرض نتنياهو وفريقه ظروفًا قالوا إنها تشير إلى نصر شبه مؤكد. وقالوا إن برنامج إيران للصواريخ الباليستية يمكن تدميره في غضون أسابيع قليلة. وأضافوا أن النظام سيُضعف إلى درجة تمنعه من خنق مضيق هرمز، وأن احتمال توجيه إيران ضربات ضد المصالح الأميركية في الدول المجاورة قُدّر بأنه ضئيل للغاية.
وفضلاً عن ذلك، أشارت معلومات "الموساد" الاستخبارية، بحسب العرض الإسرائيلي، إلى أن الاحتجاجات الشعبية داخل إيران ستندلع من جديد، وأن حملة قصف مكثفة، مع الدفع الذي يمكن أن يوفره جهاز الاستخبارات الإسرائيلي عبر تأجيج أعمال الشغب والتمرد، يمكن أن تخلق الظروف الملائمة لإسقاط النظام على يد المعارضة الإيرانية.
كما طرح الإسرائيليون احتمال عبور مقاتلين أكراد إيرانيين الحدود من العراق لفتح جبهة برية في شمال غرب إيران، بما يوسع الضغط على قوات النظام ويُسرّع انهياره.
عرض الإسرائيليون على ترامب مقطع فيديو قصيرًا تضمن مشاهد مجمعة لشخصيات يمكن أن تتولى قيادة البلاد إذا سقطت الحكومة
انطباع ترامب الأول
قدّم نتنياهو عرضه بنبرة واثقة ورتيبة. وبدا أن العرض لقي صدى إيجابيًا لدى الشخص الأهم في الغرفة، أي الرئيس الأميركي.
وقال ترامب لرئيس الوزراء: "يبدو هذا جيدًا بالنسبة لي". وبالنسبة إلى نتنياهو، شكّل ذلك إشارة إلى احتمال كبير بالحصول على ضوء أخضر لعملية أميركية إسرائيلية مشتركة.
ولم يكن نتنياهو الوحيد الذي خرج من الاجتماع بانطباع أن ترامب حسم أمره تقريبًا. فقد رأى مستشارو الرئيس أنه تأثر بعمق بما وعدت به المؤسسة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية، تمامًا كما حدث عندما تحدث الرجلان قبل الحرب التي استمرت 12 يومًا مع إيران في حزيران/يونيو.
التهديد الوجودي وخطر التأجيل
في وقت سابق من زيارته للبيت الأبيض، حاول نتنياهو تركيز أذهان الأميركيين المجتمعين في غرفة مجلس الوزراء على التهديد الوجودي الذي يمثله المرشد الإيراني البالغ من العمر 86 عامًا، آية الله علي خامنئي.
وعندما سأله آخرون في الغرفة عن المخاطر المحتملة للعملية، أقرّ نتنياهو بوجودها، لكنه شدد على نقطة مركزية هي أن مخاطر عدم التحرك، في نظره، أكبر من مخاطر التحرك. وقال إن كلفة العمل ستزداد فقط إذا تأخروا في توجيه الضربة وسمحوا لإيران بمزيد من الوقت لتسريع إنتاج الصواريخ وبناء مظلة حصانة حول برنامجها النووي.
تكليف عاجل للاستخبارات الأميركية
خلقت عروض نتنياهو، ورد ترامب الإيجابي عليها، مهمة عاجلة أمام أجهزة الاستخبارات الأميركي. وخلال الليل، عمل محللون على تقييم مدى واقعية ما عرضه الفريق الإسرائيلي على الرئيس.
تقييم أميركي: "هزلي"
عُرضت نتائج التقييم الاستخباري الأميركي في اليوم التالي، 12 شباط/فبراير، خلال اجتماع آخر في غرفة العمليات اقتصر على المسؤولين الأميركيين فقط. وقبل وصول ترامب، قدّم مسؤولان استخباريان كبيران إحاطة إلى الدائرة الضيقة للرئيس.
كان المسؤولان يتمتعان بخبرة عميقة في القدرات العسكرية الأميركية، وكانا يعرفان النظام الإيراني وشخصياته من الداخل والخارج. وقد قسّما عرض نتنياهو إلى أربعة أجزاء.
الجزء الأول تمثل في "قطع الرأس"، أي اغتيال المرشد. والثاني شلّ قدرة إيران على إسقاط نفوذها وتهديد جيرانها. والثالث إشعال انتفاضة شعبية داخل إيران. أما الرابع فكان تغيير النظام، مع تنصيب زعيم علماني لإدارة البلاد.
وقدّر المسؤولون الأميركيون أن الهدفين الأول والثاني قابلان للتحقيق بالاعتماد على القوة العسكرية والاستخبارية الأميركية. لكنهم رأوا أن الجزأين الثالث والرابع من طرح نتنياهو، بما في ذلك احتمال شنّ الأكراد غزوًا بريًا لإيران، منفصلان عن الواقع.
ردود راتكليف وروبيو وفانس
عندما انضم ترامب إلى الاجتماع، أطلعه جون راتكليف على هذا التقييم. واستخدم مدير وكالة الاستخبارات المركزية كلمة واحدة لوصف سيناريوهات رئيس الوزراء الإسرائيلي المتعلقة بتغيير النظام: "هزلية".
وعند تلك النقطة، قاطعه ماركو روبيو قائلًا: "بمعنى آخر، هذا هراء".
وأضاف راتكليف أن تغيير النظام قد يحدث بالنظر إلى عدم قابلية أي صراع للتنبؤ الكامل، لكنه لا ينبغي اعتباره هدفًا قابلًا للتحقيق.
وتدخل عدد من الحاضرين، بينهم جيه دي فانس الذي عاد لتوه من أذربيجان، وأبدى هو الآخر تشككًا شديدًا حيال احتمال تغيير النظام.
موقف الجنرال دان كين
ثم التفت الرئيس إلى الجنرال كين وسأله: "جنرال، ما رأيك؟"
فأجاب كين: "سيدي، هذا، في تجربتي، إجراء تشغيلي معتاد لدى الإسرائيليين. إنهم يبالغون في البيع، وخططهم ليست دائمًا متطورة بما يكفي. وهم يعرفون أنهم بحاجة إلينا، ولهذا يضغطون بقوة".
وبدا ترامب مهتمًا جدًا بتحقيق الجزأين الأول والثاني: قتل المرشد والقادة الإيرانيين الكبار وتفكيك الجيش الإيراني.
حذر عسكري من الحرب
وخلال الأيام التالية، وبينما كانت المجموعة الصغيرة من المستشارين المطلعين على الخطط تتداول في الأمر، شارك كين ترامب وآخرين تقييمًا عسكريًا مقلقًا مفاده أن حملة كبيرة ضد إيران ستستنزف بشدة مخزونات السلاح الأميركي، بما في ذلك الصواريخ الاعتراضية التي كانت إمداداتها قد تعرضت أصلًا لضغط شديد بعد سنوات من دعم أوكرانيا وإسرائيل. ولم يكن كين يرى مسارًا واضحًا لإعادة تعويض هذه المخزونات بسرعة.
كما أشار إلى الصعوبة الهائلة في تأمين مضيق هرمز، وإلى مخاطر أن تقدم إيران على إغلاقه. لكن ترامب كان قد استبعد هذا الاحتمال انطلاقًا من افتراضه أن النظام سيتراجع قبل الوصول إلى هذه النقطة. وبدا الرئيس مقتنعًا بأن الحرب ستكون سريعة جدًا، وهو انطباع تعزز لديه بعد الرد الإيراني الفاتر على القصف الأميركي للمنشآت النووية الإيرانية في حزيران/يونيو.
توتر بين التقدير العسكري وقرار الرئيس
عكس دور الجنرال كين في المرحلة التي سبقت الحرب توترًا كلاسيكيًا بين المشورة العسكرية وصنع القرار الرئاسي. فقد كان رئيس هيئة الأركان مصرًا على عدم اتخاذ موقف مباشر، وكان يكرر أن دوره ليس أن يقول للرئيس ما الذي ينبغي فعله، بل أن يعرض الخيارات مع المخاطر المحتملة والتداعيات من الدرجة الثانية والثالثة، إلى درجة أنه بدا لبعض الحاضرين وكأنه يدافع عن كل جوانب المسألة في آن واحد.
فانس المتشكك
لم يكن أحد داخل الدائرة الضيقة لترامب أكثر قلقًا من احتمال الحرب مع إيران، أو أكثر سعيًا لوقفها، من نائب الرئيس.
كان فانس قد بنى مسيرته السياسية على معارضة ذلك النوع بالذات من المغامرات العسكرية الذي بات الآن مطروحًا بجدية. وكان قد وصف الحرب مع إيران بأنها "إهدار ضخم للموارد" و"باهظة التكلفة إلى حد هائل".
لكنه لم يكن حمامة سلام على طول الخط. ففي كانون الثاني/يناير، عندما حذّر ترامب إيران علنًا من مواصلة قتل المتظاهرين ووعد بأن المساعدة في الطريق، كان فانس قد شجع الرئيس في السر على فرض خطه الأحمر.
مخاوف فانس من العواقب
كان نائب الرئيس يرى أن حربًا هدفها تغيير النظام في إيران ستكون كارثية. وكان يفضل أصلًا عدم توجيه أي ضربات. لكن، ومع إدراكه أن ترامب مرجح أن يتدخل بشكل أو بآخر، حاول توجيه النقاش نحو عمل أكثر محدودية. ثم لاحقًا، عندما بدا شبه مؤكد أن الرئيس متجه نحو حملة واسعة، قال إنه إذا كان لا بد من ذلك فينبغي تنفيذها بقوة ساحقة أملاً في تحقيق الأهداف بسرعة.
أمام زملائه، حذّر فانس ترامب من أن الحرب ضد إيران قد تتسبب في فوضى إقليمية وأعداد هائلة من الضحايا. كما قد تؤدي إلى تفكيك التحالف السياسي الذي يستند إليه ترامب، وسيُنظر إليها على أنها خيانة لكثير من الناخبين الذين صدقوا وعده بعدم خوض حروب جديدة.
وأثار فانس مخاوف أخرى كذلك. فبحكم موقعه كنائب للرئيس، كان يدرك حجم مشكلة الذخائر الأميركية. فالحرب ضد نظام يملك إرادة كبيرة للبقاء قد تترك الولايات المتحدة في وضع أسوأ بكثير لمواجهة نزاعات أخرى لسنوات.
وكان يقول لمقربين منه إن أي قدر من التقدير العسكري لا يمكنه حقًا أن يتنبأ بما ستفعله إيران ردًا عندما يكون بقاء النظام نفسه على المحك. كما أن الحرب قد تنزلق بسهولة إلى مسارات غير متوقعة. وفوق ذلك، كان يرى أن احتمال بناء إيران مستقرة وسلمية بعد الحرب يبدو ضعيفًا للغاية.
معلومة استخبارية تُسرّع الجدول الزمني
في الأيام الأخيرة من شباط/فبراير، ناقش الأميركيون والإسرائيليون معلومة استخبارية جديدة كان من شأنها تسريع جدولهم الزمني بشكل كبير. إذ كان المرشد سيعقد اجتماعًا فوق الأرض مع مسؤولين كبار آخرين في النظام، وفي وضح النهار، وفي موقع مكشوف أمام هجوم جوي. وقد مثلت هذه فرصة لضرب قلب القيادة الإيرانية، من النوع الذي قد لا يتكرر مرة أخرى.
ومنح ترامب إيران فرصة إضافية للتوصل إلى اتفاق يمنعها من المضي في طريق امتلاك سلاح نووي. كما منحت الدبلوماسية الولايات المتحدة وقتًا إضافيًا لنقل أصول عسكرية إلى الشرق الأوسط.
وقال عدد من مستشاريه إن الرئيس كان قد حسم أمره فعليًا قبل أسابيع، لكنه لم يكن قد قرر بعد متى بالضبط. عندها حضّه نتنياهو على التحرك سريعًا.
مفاوضات جنيف وتقييم كوشنر وويتكوف
في الأسبوع نفسه، اتصل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف من جنيف بعد أحدث جولة من المحادثات مع مسؤولين إيرانيين. وعلى مدى ثلاث جولات من المفاوضات في سلطنة عمان وسويسرا، كان الاثنان قد اختبرا استعداد إيران للتوصل إلى صفقة.
وفي مرحلة ما، عرضا على الإيرانيين تزويدًا مجانيًا بالوقود النووي طوال عمر برنامجهم، في اختبار لما إذا كان إصرار طهران على التخصيب يتعلق فعلًا بالطاقة المدنية أم بالحفاظ على القدرة على صنع قنبلة.
ورفض الإيرانيون العرض، واعتبروه اعتداءً على كرامتهم.
وعرض كوشنر وويتكوف الصورة على الرئيس. وقالا إنهما ربما يستطيعان التفاوض على شيء ما، لكن الأمر سيستغرق شهورًا. وقال كوشنر لترامب إنه إذا كان يسألهما عما إذا كانا يستطيعان النظر إليه مباشرة والتأكيد له أنهما قادران على حل المشكلة، فإن الوصول إلى ذلك سيتطلب الكثير، لأن الإيرانيين كانوا يناورون.
"أعتقد أننا بحاجة إلى فعلها"
في يوم الخميس 26 شباط/فبراير، نحو الساعة الخامسة مساءً، بدأ الاجتماع الأخير في غرفة العمليات. وبحلول ذلك الوقت، كانت مواقف كل من في الغرفة قد أصبحت واضحة. وقد نوقش كل شيء في الاجتماعات السابقة، وكان الجميع يعرف موقف الآخرين. واستمر النقاش نحو ساعة ونصف.
جلس ترامب في مكانه المعتاد على رأس الطاولة، وكانت دائرة التخطيط للحرب ضيقة.
افتتح الرئيس الاجتماع بسؤال: حسنًا، ماذا لدينا؟
استعرض هيغسيث وكين تسلسل الهجمات. ثم قال ترامب إنه يريد المرور على الطاولة وسماع آراء الجميع.
وخاطب فانس الرئيس قائلًا: أنت تعرف أنني أعتقد أن هذه فكرة سيئة، لكن إذا كنت تريد فعلها فسأدعمك.
وقالت سوزي وايلز لترامب إنه إذا كان يشعر بأنه يحتاج إلى المضي قدمًا من أجل الأمن القومي الأميركي، فعليه أن يفعل ذلك.
أما راتكليف، فلم يبد رأيًا بشأن ما إذا كان ينبغي المضي قدمًا، لكنه تحدث عن المعلومة الاستخبارية الجديدة المذهلة التي تفيد بأن القيادة الإيرانية كانت على وشك الاجتماع في مجمّع المرشد في طهران. وقال مدير "سي آي إيه" للرئيس إن تغيير النظام ممكن بحسب تعريف المصطلح. وأضاف: "إذا كنا نقصد فقط قتل المرشد، فربما نستطيع فعل ذلك".
كان نائب الرئيس يرى أن حربًا هدفها تغيير النظام في إيران ستكون كارثية. وكان يفضل أصلًا عدم توجيه أي ضربات. لكن، ومع إدراكه أن ترامب مرجح أن يتدخل بشكل أو بآخر، حاول توجيه النقاش نحو عمل أكثر محدودية
واتخذ هيغسيث موقفًا ضيقًا ومباشرًا، فاعتبر أنهم سيضطرون في نهاية المطاف إلى التعامل مع الإيرانيين، وبالتالي فمن الأفضل أن يفعلوا ذلك الآن. وقدم تقديرات فنية مفادها أن بالإمكان تنفيذ الحملة خلال مدة محددة وبمستوى معين من القوات.
أما الجنرال كين، فكان رزينًا، إذ عرض المخاطر وما الذي ستعنيه الحملة على مستوى استنزاف الذخائر. ولم يقدم رأيًا شخصيًا، بل كان موقفه أن الجيش سينفذ العملية إذا أمر ترامب بذلك.
وعندما جاء دوره في الكلام، كان روبيو أكثر وضوحًا، فقال للرئيس: إذا كان هدفنا تغيير النظام أو إشعال انتفاضة، فلا ينبغي أن نفعل ذلك. أما إذا كان الهدف تدمير برنامج الصواريخ الإيراني، فهذا هدف نستطيع تحقيقه.
في النهاية، أرجع الجميع الأمر إلى حدس الرئيس. فقد رأوه يتخذ قرارات جريئة، ويخوض مخاطر يصعب تصورها، ويخرج منها في كل مرة تقريبًا منتصرًا. ولم يكن أحد مستعدًا لعرقلته الآن.
وقال ترامب للحاضرين: "أعتقد أننا بحاجة إلى فعلها". وأضاف أنه يجب التأكد من أن إيران لا تستطيع امتلاك سلاح نووي، وأنه يجب ضمان ألا تتمكن من إطلاق الصواريخ على إسرائيل أو في أنحاء المنطقة.
وأبلغ الجنرال كين ترامب أن لا يزال لديه بعض الوقت، وأنه لا يحتاج إلى إعطاء الضوء الأخضر قبل الساعة الرابعة عصر اليوم التالي.
وفي اليوم التالي بعد الظهر، وعلى متن الطائرة الرئاسية، وقبل 22 دقيقة من المهلة التي حددها الجنرال كين، أصدر ترامب الأمر الآتي:
"تمت الموافقة على عملية الغضب الملحمي. لا إلغاء. حظًا موفقًا".
تقرؤون المزيد في: بعد 40 يومًا من الحرب.. هدنة أميركية إيرانية وخلافات مفتوحة