كوارث تحت ركام بنغازي..

كوارث تحت ركام بنغازي..

كوارث تحت ركام بنغازي (عبد الله دوما/أ.ف.ب)

بمجرد رؤيتك لمناطق الاشتباكات في بنغازي، وعند وقوفك في إحدى هذه الأحياء ستظن للوهلة الأولى أن زلزالًا أو كارثة طبيعية مرت من هناك: انتشار كبير للجثث المتحللة والقمامة المتراكمة ومياه المجاري الراكدة، ورائحة الموت التي تنبعث من كل مكان، والمواد الغذائية واللحوم المتعفنة في المنازل والمحلات، وتدريجيًا، تتسع المخاوف أيضًا في هذه المناطق من انتشار الأمراض المعدية والأوبئة. وبنغازي، ثاني أكبر المدن الليبية، تعيش اليوم ومنذ منتصف تشرين الأول/أكتوبر من العام 2014 حربًا داخل أحيائها السكنية.

تتوسع المخاوف في بنغازي من انتشار الأمراض المعدية والأوبئة في مناطق الاشتباكات خاصة بعد ارتفاع عدد الجثث المتحللة والقمامة المتراكمة

هذه الحرب أفرزت نزوح أكثر من 46 ألف عائلة، تقطن حاليًا إمّا في بيوت مؤجّرة بأسعار مرتفعة في الأحياء الآمنة، ومع تردي الوضع الاقتصادي في المدينة، اتّخذت بعض العائلات من المدارس أماكنًا للإيواء وتركوا أحياءهم لأنها باتت ساحات حرب تجتاحها رائحة الدمار والدماء.

"بضع خطوات في مناطق الاشتباكات ببنغازي كافية لاستنتاج مدى كارثيّة الوضع خاصة إذا ربطنا الصّورة بتحليل بسيط للمعطيات ونتائجها المتوقعة، نحن على أبواب كارثة ولا ندري إذا كان بالإمكان تداركها"، هذا ما صرح به أحد متطوعي الهلال الأحمر في المدينة لـ"الترا صوت"، والذي رفض الإفصاح عن اسمه. صمت محدثنا قليلاً، ثمّ أضاف: "رغم قلة الإمكانيات فإنّنا سنحاول العمل على منع عودة أهلنا النازحين إلى حين تأمين هذه المناطق بشكل كامل لضمان سلامتهم الشخصية والصحية".

من جانب آخر، حذر الدكتور أحمد الحاسي، استشاري الأمراض المعدية في مركز بنغازي الطبي، من الانتشار الرهيب لكلاب الشوارع داخل أحياء المدينة ووجود مؤشرات لإصابتها بداء الكلب، وتحدث عن ما شاهده من أكل الكلاب بعضها البعض، مؤكدًا أن "عضة الكلاب المصابة للإنسان قد تؤدي إلى الموت خاصة مع تعذر وجود اللقاحات والأمصال الخاصة للعلاج".

أفرزت الحرب في بنغازي نزوح أكثر من 46 ألف عائلة، تقطن حاليًا إمّا في بيوت مؤجّرة بأسعار مرتفعة في الأحياء الآمنة أو في بعض المدارس

أما عن الحلول، فيرى الدكتور يوسف الدرسي، إخصائي بالأمراض المعدية، أن "من الضروري كخطوة قادمة رش المبيدات والقضاء على كل ما يمكن أن ينشر الأمراض في أحياء بنغازي، كذلك يجب توفر الواقيات الشخصية المتكاملة وعالية الجودة لمن سيقوم بعمليات التنظيف واختيار أشخاص مختصين في ذلك، ونظرًا لأن بعض مناطق الاشتباكات تطل على البحر، فيجب إيقاف ومنع عمليات الصيد البحري إلى أن يتم التأكد من سلامة الأسماك والكائنات البحرية وصلاحيتها للاستهلاك".

ويضيف المهندس أحمد العلاقي، استشاري إدارة الأزمة في تجمع وسط البلاد في بنغازي، لـ"الترا صوت": "يجب أن يتم تدارك الأمر من خلال اتخاذ خطة أزمة ترتكز على خطوات وقائية سريعة جدًا، مثل التطعيم ضد الأوبئة والكشف البصري على المباني للتأكد من سلامتها كذلك قتل كافة الحيوانات الموجودة داخل مناطق الاشتباكات، ومن أهم الخطوات أيضًا رش المناطق بالمبيدات لمدة أسبوع، ويتم العمل على إصدار وثيقة لتأمين عودة النازحين وسيتم تسليمها لجهات الاختصاص لاعتمادها والعمل عليها".

في المقابل، اختلفت ردود بعض النازحين من هذه المناطق، أعرب بعضهم عن خوفه من العودة إلى منازلهم مؤكدين حجم الخطر الذي ينتظرهم أما البعض الآخر فهو لا يدرك شيءًا ويريد فقط العودة مهما كان الثمن. يقول إبراهيم، أحد النازحين من منطقة الصابري، أحد أحياء مدينة بنغازي، لـ"الترا صوت": "أقيم أنا وعائلتي داخل مدرسة منذ أشهر ورفقة عدد من العائلات الأخرى، لا يمكنكم تخيل وضعي ولا يهمني ما سيصيبني من أمراض إن عدت إلى حيي ومنزلي. أريد فقط أن أموت في بيتي ولو كان بقايا ركام واحتضن كل الأمراض". يختلف رأي عائشة، النازحة من منطقة بوعطني في بنغازي. تقول لـ"الترا صوت": "أعلم حجم الكارثة والوضع البيئي في حيّنا، عانيت الكثير في هذه الفترة لكن لن أجازف وأعود قبل أن تعود المدينة إلى أمنها وخاصة قبل أن أضمن سلامتها صحيًا".

اقرأ/ي أيضًا: 

ليبيا ومخاض التأسيس..

مقاعد الدراسة في قمينس تجمع شتات أطفال ليبيا