كهف آل حاتم.. العالم السفلي لأمناء الشرطة في مصر

كهف آل حاتم.. العالم السفلي لأمناء الشرطة في مصر

وراء كل قصة داخل "السجن الاستثماري" بالقاهرة حياة كاملة تستحق أن تروى (خالد دسوقي/أ.ف.ب)

وراء كل قصة داخل "السجن الاستثماري" بالقاهرة حياة كاملة تستحق أن تروى، كل سجين يخفي جريمته في قلبه، ويحمل أدلة براءته على كفه، وعبارة «ياما في السجن مظاليم» لا تفارق لسانه، يدفعك بذلك إلى الاعتقاد بأنّ كل من دخل السجن سيخرج لعدم كفاية الأدلة، أو لعدم وجود اتهام من أساسه.

للقصة روايتان، الرواية الأولى عند النيابة، وفي التحريات، والورق الخاص بملف القضية أمام القاضي. والرواية الثانية في عقل كل سجين يعتقد أنه دخل السجن ظلمًا، وسيخرج في الجلسة المقبلة.

حسب بعض المساجين تعود تسمية سجن الاستئناف في القاهرة بالاستثماري إلى أن أمناء الشرطة يتاجرون في المخدرات، ويقدمون خدمات مقابل السجائر

"السجن الاستثماري" حالة خاصة تبدأ من اسمه، الذي منحه له السجناء بدلًا عن اسمه الحقيقي وهو سجن استئناف القاهرة. أما لماذا أطلقوا عليه لقب "الاستثماري" فهذا سؤال يجيب عنه "ش.ص"، الذي كان محتجزًا بالقسم لفترة طويلة، يقول: "سُمِّي بهذا الاسم لأن أي شخص من أي سجن في جمهورية مصر العربية لديه قضية في سجن الاستئناف يتم ترحيله إليه حتى تنتهي القضية، وكانت الأموال تنهال على الأمناء والمخبرين (آل حاتم، خالد صالح في فيلم "هي فوضى")، رشاوى واتجار بالمخدرات.. إلخ، فذلك السجن يضم أشخاصًا مختلفين، يضم السياسيين والجنائيين، وعندما دخلت إلى الاستئناف وتم تفتيشي دفعت حوالي كرتونتين سجائر حتى لا يتم بعثرة متعلقاتي".

يرجع «ش.ص» السبب المباشر لتسمية سجن الاستئناف بالاستثماري إلى أن "أمناء الشرطة يتاجرون في المخدرات، وينقلون من يشاؤون من غرفة إلى أخرى مقابل السجائر، وكان سعر قطعة المخدرات خارج السجن يتراوح بين جنيه وخمسة جنيهات، وبمجرد أن يدخل المخدر داخل السجن يرتفع سعره من جنيهين، مثلًا، إلى مائة جنيه حسب الكمية المتوفرة".

تتم تجارة المخدرات داخل الاستئناف بطريقة سلسة، وتحت إشراف كبار "الدبابير"، عن طريق سماسرة من المساجين، منهم: "سبتية، نبطشي زنزانة 8"، الذي كان تاجر مخدرات، لصالح المخبرين وأمناء الشرطة، يجلبون له "الأفيون" و"البرشام" و"الترامادول" وما لذّ و"سَطَل" وخفّ وزنه ثم يعيد هو بيعها، ويضع حصته في جيبه، ويدخل الباقي جيوب حرَّاس السجن، وأحيانًا كان يبيع راديوهات وأجهزة إلكترونية وذاكرات (فلاشات)، عليها أغاني.

اختراق العالم السري لسجن الاستئناف، الذي أصبح "استثماريًا" لطبيعته، يكشف تجارة خفية في الزنازين المغلقة، ووراء الجدران المعتمة، يخرج منه السجَّان، الذي يحصل على راتب حقير من وزارة الداخلية آخر الشهر، مليونيرًا.

"مليونيرات الداخلية" ليسوا الوزراء ومساعدي الوزير واللواءات وحدهم، إذ إنّ كل رتبة تستهدف نوعًا خاصًا من التجارة تليق بها، من اختلاس الأراضي وتجارة السلاح بين الكبار إلى تجارة "الترامادول" للمخبرين والسجانين.

اختراق العالم السري لسجن الاستئناف، الذي أصبح «استثماريًا» لطبيعته، يكشف تجارة خفية في الزنازين المغلقة، ووراء الجدران المعتمة

باختصار، كل حركة وكل خدمة في السجن الاستثماري بمقابل ضخم، وكل المارين منه يدفعون، وكل شيء وفق التسعيرة، الخروج من الغرفة والمشي في السجن بعلبتي سجائر، دخول حمام المخبرين المجهز بسخَّان مياه بعلبة سجائر واحدة، إدخال أطعمة ممنوعة أو قطعة "حشيش" بإتاوة تحددها المفاوضات، وتختلف حسب كمية المخدرات الواردة إلى السجن.

بورصة السجن رابحة، كل مخبر يضارب يخرج بمحصول يكفي لإغراق محل بقالة يدرّ دخلًا ضخمًا. في نهاية اليوم يجلس أمين الشرطة الكبير وبجواره جبل من "كراتين السجائر"، والأموال المبعثرة أمامه، وينطلقون في تقسيم "الغلَّة" قسمة العَدْل، كما يدّعون.

دخول السجن عائدًا من جلسة محاكمة، أو قادمًا من جهة خارجه لا يمرّ دون تفتيش، وإجراءات خانقة تبدأ بخلع الملابس، ودخول الحمام، وإخراج «بول وبراز» لكشف ما إذا كان السجين قد ابتلع "أمبول" مخدرات أو أي ممنوعات.

من القصص التي تدور داخل السجن، في باب النميمة، إن عتاة الإجرام يرفعون حتى "زجاجة 600 ملّي" مملوءة بالمخدرات، ويدخلون بالسكاكين والأسلحة البيضاء، البعض يقول إنهم من أصحاب الأيادي الخفيفة، ومهارة التهريب لديهم تكفي لمرور أي ممنوعات مهما كانت ضخمة وبارزة ومشمومة كما تمرّ النملة تحت عقب الباب. البعض الآخر يشكك في قدراتهم الإجرامية مؤكدًا أن الأمر كله راجع إلى ترتيبات مع المخبرين، وأمناء الشرطة، الذين يسمحون بالمرور مقابل "قسمة العدل" أيضًا.

اقرأ/ي أيضًا:

قل لي من أين تؤكل الكتف؟

غير المغضوب عليهم.. ولا هشام جنينة