ultracheck
  1. الترا لايت
  2. علوم

كم يحتاج كوكبنا للتعافي من الحرب؟

18 ابريل 2026
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية (جيتي)
زاهر هاشم زاهر هاشم

لا تترك الحروب وراءها دمارًا ماديًا فحسب، بل تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والبيئة بطريقة قد تستمر لعقود، خصوصًا في الحروب المرتبطة بسياقات إقليمية معقدة كحرب إيران، إذ يمتد أثر الحروب بصمت إلى البنية العميقة للأنظمة البيئية، ويتجاوز الأثر البيئي حدود الجغرافيا المباشرة ليطال أنظمة بيئية مترابطة، تتغير ببطء، لكنها تغيّر شروط الحياة لعقود قادمة.

وهم التعافي التلقائي

يُنظر إلى الطبيعة أحيانًا بوصفها كيانًا قادرًا على استعادة توازنه تلقائيًا، مستندين إلى ظواهر معروفة مثل تجدد الغابات أو عودة الحياة البرية بعد الكوارث، غير أن هذا التصور يتجاهل الطبيعة النوعية للأضرار التي تُحدثها الحروب، حيث لا يقتصر التدمير على إزالة الغطاء النباتي أو إزاحة الكائنات الحية، بل يمتد إلى تغيير الخصائص الفيزيائية والكيميائية للتربة والمياه والهواء.

في حالات القصف المكثف، تتحول التربة إلى وسط ملوث بالمعادن الثقيلة وبقايا المتفجرات، ما يعيق عمليات الإنبات الطبيعية ويؤثر في الكائنات الدقيقة المسؤولة عن خصوبة التربة، أما في البيئات الساحلية، فإن تسرب النفط أو المواد الكيميائية يؤدي إلى اختلالات طويلة الأمد في النظم البحرية.

الأضرار التي تتعرض لها البيئة بسبب الحرب لا تبقى ثابتة، بل قد تتفاقم مع مرور الوقت، عبر تفاعلات كيميائية أو بيولوجية تجعلها أكثر سمّية أو أكثر انتشارًا

في هذه الحالات، يصبح مفهوم التعافي التلقائي أقرب إلى وهم مريح منه إلى واقع علمي، لأنه يفترض ضمنيًا أن الزمن وحده كفيل بمحو آثار التدمير، متجاهلًا الطبيعة التراكمية والمعقدة للتلوث الناتج عن الحروب، فبعض الملوثات لا تتحلل ببساطة، بل تدخل في سلاسل غذائية وتعيد إنتاج نفسها داخل النظم البيئية، أو تترسب في طبقات عميقة من التربة والمياه الجوفية، لتظل مصدر خطر غير مرئي لسنوات طويلة، والأسوأ أن هذه الأضرار لا تبقى ثابتة، بل قد تتفاقم مع مرور الوقت، عبر تفاعلات كيميائية أو بيولوجية تجعلها أكثر سمّية أو أكثر انتشارًا.

نقطة اللاعودة: حين يصبح الضرر دائمًا

يُستخدم مفهوم نقطة التحول البيئي في علم البيئة، لوصف اللحظة التي يفقد فيها النظام البيئي قدرته على العودة إلى حالته الأصلية، وفي سياق الحروب، قد تُدفع الأنظمة البيئية نحو هذه النقطة بشكل متسارع، نتيجة تراكم الضغوط البيئية.

على سبيل المثال، يؤدي تدمير الغطاء النباتي أو تلوث مصادر المياه في البيئات الجافة وشبه الجافة، كما هو الحال في أجزاء واسعة من الشرق الأوسط، إلى تسريع عمليات التصحر، ما يدفع النظام البيئي إلى حالة جديدة أقل إنتاجية وأكثر هشاشة، ومع غياب الغطاء النباتي، تتغير دورة المياه المحلية، ويقل احتجاز الرطوبة، ما يعمّق الجفاف ويجعل استعادة النظام السابق شبه مستحيلة.

أما في النظم المائية، فقد يؤدي التلوث طويل الأمد إلى تغيّر تركيب الأنواع بشكل جذري، حيث تختفي الأنواع الحساسة وتحل محلها أنواع أكثر تحملًا للظروف القاسية، وهذا التحول لا يمثل مجرد خسارة في التنوع الحيوي، بل إعادة تشكيل كاملة لوظائف النظام البيئي، بما في ذلك إنتاج الأكسجين وتنقية المياه.

عندما يصل النظام إلى هذه المرحلة، لا يعود التعافي مسألة وقت، بل مسألة تدخل مكلف ومعقد، وقد لا يعيد النظام إلى حالته الأصلية، بل إلى حالة جديدة أقل استقرارًا.

إعادة الإعمار: فرصة أم تهديد؟

مع انتهاء النزاعات، تتحول الأنظار إلى إعادة الإعمار بوصفها أولوية سياسية واقتصادية، غير أن هذه المرحلة، التي يُفترض أن تكون بداية للتعافي، قد تتحول إلى عامل جديد لتفاقم الضرر البيئي إذا لم تُدار بشكل مستدام.

غالبًا ما تُنفذ مشاريع إعادة الإعمار بسرعة، تحت ضغط الحاجة إلى إعادة الحياة الطبيعية، دون مراعاة كافية للمعايير البيئية، إذ يتم استخدام مواد بناء رخيصة وملوثة، وتُستنزف الموارد الطبيعية بشكل مفرط، كما تُهمَل معالجة التلوث المتراكم خلال الحرب، وإذا لم تُدار عمليات إزالة الأنقاض بشكل سليم، فقد تتسبب في إعادة نشر الملوثات في الهواء والمياه. وفي بعض الحالات، يتم إعادة بناء نفس الأنماط غير المستدامة التي كانت قائمة قبل الحرب، ما يعيد إنتاج الأزمات البيئية بدل حلها.

في المقابل، يمكن لإعادة الإعمار أن تمثل فرصة لإعادة تصميم العلاقة مع البيئة بشكل أكثر استدامة، من خلال إدماج الاعتبارات البيئية في التخطيط العمراني، والاستثمار في الطاقة النظيفة، ومعالجة التلوث بشكل منهجي، كلها خطوات يمكن أن تحول مرحلة ما بعد الحرب إلى نقطة انطلاق نحو تعافٍ حقيقي، لا مجرد ترميم شكلي.

العدالة البيئية: من يتعافى أولًا؟

لا تتوزع آثار الحروب البيئية بشكل متساوٍ، ولا يتعافى كل جزء من البيئة بنفس الوتيرة، ولا يحدث التعافي بشكل متساوٍ بين جميع الفئات والمناطق، إذ غالبًا ما تكون المجتمعات الأكثر هشاشة، مثل المناطق الريفية أو الفئات ذات الدخل المحدود، هي الأكثر تضررًا بيئيًا، والأبطأ في التعافي.

كما إن بعض الأنظمة البيئية، بحكم خصائصها الطبيعية، تعد أكثر هشاشة من غيرها، فالأراضي الرطبة، على سبيل المثال، حساسة للغاية للتلوث والتجفيف، وقد يستغرق تعافيها عقودًا، إن حدث أصلًا.

وقد تصبح بعض المناطق نقاطًا ساخنة للتلوث، حيث تتراكم فيها المواد السامة دون معالجة، ما يجعلها غير صالحة للحياة لفترات طويلة، وفي المقابل، قد تتعافى مناطق أخرى بشكل أسرع، ما يخلق تفاوتًا بيئيًا واضحًا داخل نفس الإقليم.

هذا التفاوت لا يتعلق فقط بالجغرافيا، بل أيضًا بمدى التدخل البشري في إعادة التأهيل. المناطق التي تحظى ببرامج استصلاح ومراقبة بيئية قد تستعيد جزءًا من عافيتها، بينما تُترك مناطق أخرى لمصيرها، حيث يستمر التدهور بصمت، وقد تعطى الأولوية في المدن لإعادة بناء المراكز الاقتصادية والبنية التحتية الرئيسية، بينما تبقى المناطق المهمشة تعاني من تلوث المياه أو تدهور الأراضي لفترات أطول، كما أن القدرة على الوصول إلى بيئة نظيفة وآمنة تصبح في كثير من الأحيان مرتبطة بالقدرة الاقتصادية، ما يعمّق الفجوة بين الفئات الاجتماعية.

ما بعد الحرب: تعافٍ مشروط لا تلقائي

لا يمكن الحديث عن تعافٍ بيئي تلقائي بعد الحروب، بل عن مسارات متعددة، تتراوح بين التعافي الجزئي، والتحول الدائم، والانهيار الكامل لبعض الأنظمة، فالبيئة لا تعود ببساطة إلى ما كانت عليه، لأن الشروط التي أنتجت ذلك التوازن تكون قد تغيّرت جذريًا.

يشكل التعافي في أفضل حالاته إعادة تشكيل للنظام البيئي تحت ظروف جديدة، وقد ينتج عنها نظام مختلف في بنيته ووظائفه، أما في أسوأ الحالات، فإن غياب التدخل الواعي يترك الأنظمة البيئية تنزلق نحو مزيد من التدهور، حتى تصل إلى حالات يصعب أو يستحيل عكسها.

لا تنتهي الحروب بانتهاء القتال، بل تستمر آثارها بصمت في التربة والمياه والهواء، وما لم يُنظر إلى البيئة كجزء أساسي من معادلة ما بعد النزاع، فإن كلفة الحرب ستظل تُدفع، ليس فقط من قبل البشر، بل من قبل الكوكب بأكمله.

كلمات مفتاحية
ال نينو

موجات حر وفيضانات وجفاف.. صيف قاسٍ يلوح مع "إل نينيو الفائق"

ما يثير القلق حاليًا ليس مجرد تشكل "إل نينيو"، بل احتمال تحولها إلى ما يعرف بـ"إل نينيو الفائق"، وهو توصيف يُطلق على أقوى النسخ المسجلة من الظاهرة

فيروس هانتا

من أوشوايا إلى العالم.. كيف تحولت الأرجنتين إلى مركز تفشي فيروس هانتا؟

تُصنَّف الأرجنتين من قبل منظمة الصحة العالمية باعتبارها صاحبة أعلى معدل إصابات بفيروس هانتا في أميركا اللاتينية

فضاء

غلاف جوي غير متوقع وراء بلوتو يربك نظريات النظام الشمسي

ما تم اكتشافه قد يكون أصغر جرم معروف حتى الآن يظهر غلافًا جويًا عالميًا مرتبطًا بجاذبيته، ويعيد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الأجسام البعيدة في النظام الشمسي

فوق رأسي سحابة
أدب

"فوق رأسي سحابة": حين يصبح الألم لغةً عالمية

تقدّم الكاتبة دعاء إبراهيم نصًا نفسيًا قاسيًا وعميقًا يلاحق أسرار النفس البشرية عبر رحلة إنسانية محطاتها الاساسية تبدأ بمصر ومنها إلى اليابان

كأس العالم 2026
رياضة

موجات الحر والمونديال يربكان التقويم الدراسي في المكسيك

تراجعت الحكومة المكسيكية عن قرار أثار جدلًا واسعًا بإنهاء العام الدراسي قبل موعده المعتاد بنحو ستة أسابيع، بعدما واجهت الخطة انتقادات حادة من الأهالي والنقابات التعليمية

أنتا
أعمال

من 600 حذاء إلى إمبراطورية رياضية.. قصة صعود "أنتا" الصينية

أصبحت شركته "أنتا" الصينية تنافس عمالقة الملابس الرياضية العالميين مثل نايكي وأديداس، فكيف حدث ذلك؟

صورة تعبيرية
مجتمع

فيروس "هانتا" يربك العالم.. منظمة الصحة تحذر من موجة إصابات جديدة

حذّرت منظمة الصحة العالمية من احتمال ظهور المزيد من الإصابات بفيروس "هانتا"، بعد تحوّل سفينة الرحلات البحرية "إم في هونديوس" إلى بؤرة تفشٍ دولية