كم سيحتاج الإسرائيليون للتخلص من كلاب كوابيسهم؟

كم سيحتاج الإسرائيليون للتخلص من كلاب كوابيسهم؟

من الفيلم

في إشارة إلى دبابة الميركافا التي تشغل معظم مشاهد فيلمه "لبنان" (إنتاج عام 2009)، علّق المخرج الإسرائيلي صموئيل موعاز بالقول "إن إخراج هذه الدبابة من رأسي تطلّب مني عشرين عامًا"، في إشارة لا تدل فقط على الرعب المادي الذي اختبره الجنود الغزاة، وإنما تشير، في كثير من الدقة، إلى الرعب الذهني والوجداني الذي ما يزال يسكن نفوس وأرواح الإسرائيليين الذين شاركوا في اجتياح لبنان، صيف العام 1982.

حين تنكسر آلة تصويره، سوف يرى المصور القتلى وأشلاءهم بالعين المجردة

وقبله بعام، كان مواطنه المخرج أري فولمان قد عاد إلى تلك الحرب بعد 26 سنة على نهايتها، في فيلمه الرائع "فالس مع بشير" (أنيميشن، 90 دقيقة)، مقدما شهادة صادمة، وجارحة، عن الرضوض الأليمة في الوعي الإسرائيلي من خلال قصة الجندي السابق أري (وهو المخرج نفسه) الذي نسي كل تفاصيل الحرب وأحداثها، والذي يبدأ رحلة بحث مضنية، بالتواصل مع رفاق الحرب السابقين، لاستذكار المعارك والاستباكات التي ما عاد يتذكر أي شيء منها على الإطلاق.

ويروي له رفاق السلاح السابقون أحداثًا وتفاصيل وشوارع واشتباكات، فيرسم لها صورًا من دون أن يستطيع تذكرها بالكامل. يبني أري للروايات التي يسمعها من أصدقائه معادلًا في ذهنه، على هيئتها. ويبدأ بتفكيك شيفرات تلك المعادلات، حين يحكي له أحد أصدقائه.. عن مصور فوتوغرافي سئل كيف يستطيع تحمل رؤية المجازر وتصويرها، فكان رد المصور.. لأنه لا يراها بعينيه المجردتين.. بل من خلال الكاميرا.

لقد كانت الحرب بالنسبة لذلك الفوتوغرافي مجرد صور، لا واقعا معاشا، حقيقيًا ومأساويًا. ويدرك المصور حجم الورطة.. حين تنكسر آلة التصوير.. ويرى القتلى وأشلاءهم بالعين المجردة. وهذا تماماً ما حصل مع الجندي الإسرائيلي، أري كان يرى القتل ويشارك في الحروب، ولكنه ومن أجل احتمال دم الضحايا وتجنب عذاب الضمير.. كان يجبر نفسه على مشاهدة ما يراه، كما لو أنه يراه "بكاميرا" افتراضية موجودة في مكان ما في دماغه، ولذلك فهو الآن لا يستطيع تذكر أي شيء عن تلك الحرب. 

قبل نهاية الفيلم بدقائق.. وبسبب غزارة "الذكريات" التي تلاها الأصدقاء ووطأتها، وعند لحظة معينة.. وفي مشهد يظهر فيه النساء الفلسطينيات، المولولات والمفجوعات، الخارجات من مخيمي "صبرا وشاتيلا" بعد المذبحة، ينقلب الفيلم من كرتوني "أنيميشن" إلى شريط مصور، حقيقي، وثائقي.

ورسالة الفيلم هي.. هنا، في لحظة القشعريرة الناتجة عن الانتقال، لحظة انقلاب اللقطة من صورة كرتونية "أنيميشن" إلى صورة حقيقية. التي بمثابة لحظة يتم فيها وضع الكاميرا جانباً والنظر بالعين المجردة. وهي اللحظة التي تنعطب فيها "الكاميرا الإسرائيلية" (كاميرا الإنيميشن) التي تستعمل لاحتمال الكارثة، فيضطر المصور، وهو الجندي أري هذه المرة، إلى استعمال عينيه. لأنه لا يمكن التغاضي عما يحدث أو التهاون معه، وعلى الوعي اليهودي الذي يقوم في جزء كبير منه على الذاكرة، أن تختزن ذاكرة الآخرين، ولو من طريق جانبية. هي لحظة محاسبة شخصية، بامتياز!

يكاد يكون "فالس مع بشير" الفيلم الوحيد، بحسب مشاهداتي، الذي يعتمد تقنية "الأنيميشن" كمقولة قائمة بحد ذاتها، بمعنى توظيفها ونقلها من ساحة "الشكل الفني" إلى "المضمون الفني" في رواية الجندي أري الذي يلاحقه 26 كلبا في كابوس مخيف يتردد على أحلامه كل ليلة. 26 كلبًا، قد يكونون كناية عن عدد السنوات الذي يفصل بين تاريخ مجزرة صبرا وشاتيلا وسنة إنتاج الفيلم في العام 2008. لاشك وأن قطيع الكلاب يكبر مع مرور السنوات.


رقصة الحرب