كمبوديا وأزمة الديمقراطية الآسيوية.. هل هي معركة نفوذ بين الصين والغرب؟

كمبوديا وأزمة الديمقراطية الآسيوية.. هل هي معركة نفوذ بين الصين والغرب؟

تعرف الديمقراطية تهديدات متصاعدة في كمبوديا (voanews)

نشر موقع "the world weekly" تقريرًا يرصد التحديات التي تواجهها الديمقراطية في شرق آسيا، استنادًا إلى نموذج كمبوديا، التي كان يُؤمل بتحقيقها ازدهارًا ديمقراطيًا وكذا في الحقوق والحريات، قبل أن ترتد سلطاتها على أعقابها. لكن هذه الأزمة التي تواجهها الديمقراطية في تلك المنطقة، تكشف عن بعد آخر، ذلك المتمثل في صراع النفوذ بين الصين والدول الغربية. في السطور التالية ترجمة بتصرف للتقرير.


من تايلاند إلى الفلبين، اجتاحت موجة من التهديدات للديمقراطية وحقوق الإنسان جنوب شرق آسيا في السنوات الأخيرة. فالسلطوية وسياسة الحزب الواحد آخذة في الارتفاع. ويقول المراقبون إن كمبوديا قد تصبح أحدث دولة حزبية في المنطقة.

على مدار السنوات الأخيرة، اجتاحت موجة من التهديدات للديمقراطية وحقوق الإنسان جنوب شرق آسيا، ويبدو أنها في طريقها لكمبوديا

يُذكَر أن التوترات كانت تختمر منذ فترة، وبلغت ذروتها في الأسبوع الماضي، حين قررت المحكمة العليا بحل حزب الإنقاذ الوطني الكمبودي، وحُرِمت المجموعة المعارضة الرئيسية في البلاد من النشاط السياسي لمدة خمس سنوات وجُرِّد أعضاؤها من المقاعد البرلمانية، وهرب العديد من مسؤولي الحزب خارج البلاد، وهو ما يُمهد الطريق أمام حزب الشعب الكمبودي الحاكم في الانتخابات العامة التي ستُجرى في تموز/يوليو 2018.

اقرأ/ي أيضًا: درس يعلمنا إياه رجل احتقر ذاته

ويدّعي حزب الشعب الكمبودي، أن القرار اُتخِذ وفقًا لسيادة القانون، مُتعهدًا بمواصلة الالتزام بالديمقراطية على المستويين المحلي والوطني. ويوم الخميس الماضي، أعادت الحكومة تخصيص مقاعد الحزب الوطني للأحزاب الصغيرة التي فشلت في تأمين أي مقعد في الانتخابات الأخيرة.

ومع ذلك، هنالك الكثير من الشك في شرعية هذه التصريحات والإجراءات. يقول صوفال إير، الأستاذ المساعد للدبلوماسية والشؤون العالمية في كلية أوكسيدنتال، بلوس أنجلوس، إن "هذا يعني نهاية الديمقراطية في كمبوديا".

وبالنسبة للكثيرين، لم تكن الخطوة الأخيرة مفاجئة، فقد قامت حكومة رئيس الوزراء، هون سين، بشن حملة ضد المعارضة ومؤيديها منذ انتخابات 2013، حيث فاز حزب الإنقاذ الوطني الكمبودي بعددٍ قياسي من المقاعد. وقد اشتدت الحملة في أيلول/سبتمبر عندما اُعتقِل زعيم الحزب، كيم سوخا، ووُجِّهت له تهمة التآمر مع الولايات المتحدة للإطاحة بالحكومة الكمبودية.

و بالعودة للمجتمع المدني، فقد شهدت الأشهر الأخيرة إغلاق العديد من وسائل الإعلام، بما في ذلك إغلاق عدة محطات إذاعية وكذلك الصحيفة الناطقة بالإنجليزية، كمبوديا ديلي. كما اتضح أيضًا وجود قيود مشددة على أنشطة المنظمات غير الحكومية الأجنبية.

أغلقت السلطات الكمبودية صحيفة "كمبوديا ديلي" ضمن حملة ضد الإعلام والمجتمع المدني (Getty)
أغلقت السلطات الكمبودية صحيفة "كمبوديا ديلي" ضمن حملة ضد الإعلام والمجتمع المدني (Getty)

يقول براد آدامز، مدير آسيا في منظمة هيومن رايتس ووتش: "لم يكن هناك الكثير من الديمقراطية في البداية، ولكن الآن لم يتبقى شيء"، مُضيفًا: "هون سين تجاوز الخط الأحمر، مما سيؤدي لعواقب وخيمة".

وحثت جماعات حقوق الإنسان وأعضاء حزب الإنقاذ الوطني، المجتمع الدولي، ولا سيما المانحين الرئيسيين والشركاء التجاريين، على اتخاذ إجراءات في مقابل ما يحدث. ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن المضي قُدمًا دون الإضرار بالمناخ الهش للسلام والاستقرار النسبيين في كمبوديا؟

الماضي العنيف

هون سين، واحد من القادة الأطول خدمةً في العالم، بعد أن حكم كمبوديا منذ عام 1985، وجاء إلى السلطة بعد إسقاط نظام الخمير الحمر وزعيمه الشيوعي، بول بوت. وعانت كمبوديا في عهد بول بوت من أسوأ عمليات الإبادة الجماعية في القرن العشرين، الأمر الذي أدى إلى مصرع مليوني كمبودي.

ولا يزال هذا الماضي الصادم يؤثر على السياسة الكمبودية اليوم. يقول سيباستيان سترانجيو، مؤلف كتاب "كمبوديا هون سين": "لقد أدى كابوس الخمير الحمر إلى تسميم فكرة التغيير الاجتماعي"، مُضيفًا: "ومنذ ذلك الحين، صوّرت حكومة هون سين نفسها على أنها الشيء الوحيد الذي يقف بين كمبوديا والعودة إلى الهاوية".

وعلى مر السنين، حوّلت عملية كبيرة لحفظ السلام ومليارات الدولارات من المساعدات الخارجية، كمبوديا إلى بلدٍ يشيد به البعض كدولةٍ مستقرة بعد انتهاء الصراع. غير أن النقاد يقولون إن الديمقراطية في البلاد، وهي شرط أساسي لتلقي المعونة الأجنبية، لم تكن سوى دخان ساتر لنظامٍ قمعي.

وقالت إيما بورنيت، من حملة "الشاهد العالمي": "لقد احتفظ جهاز الدولة بالحزب الحاكم في السلطة لعقود، وسمح له بتوطيد الثروة والسلطة الهائلة من خلال نهب الثروة الطبيعية للبلاد". وأضافت: "كمبوديا اليوم لديها أكثر من 800 ألف ضحية جراء الاستيلاء على الأراضي. انتشار عدم المساواة بشكلٍ واسع،  والحصول على واحد من أعلى معدلات إزالة الغابات في العالم".

العقوبات الاقتصادية وتقليل المساعدات الذي بدأت فيه حكومات غربية، قد يأتي بنتيجة عسكية في كمبوديا

وعلى الرغم من التقارير التي تفيد بحدوث انتهاكات، يقول الناشطون إن المجتمع الدولي قد غض الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان والسلوك غير الديمقراطي. وقد قدم المانحون الأجانب نحو 20 مليار دولار كمساعدة إلى كمبوديا على مدى السنوات الـ25 الماضية. أعطى دخول التجارة التفاضلية للأسواق الأوروبية والأمريكية، دفعة أولى للتنمية الاقتصادية، بالإضافة للازدهار الذي عرفته كمبوديا في العقود الأخيرة على مستوى صناعة النسيج. ويمثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية مجتمعين 60% من مجموع أسواق الصادرات الكمبودية.

اقرأ/ي أيضًا: انسحاب الضرورة لا السلام.. عن أكاذيب البروباغندا الأمريكية حول حرب فيتنام

ومع ذلك، قد يكون كل هذا على وشك التغيير. حيث جاء أول إجراء ملموس اتخذته دول الاتحاد الأوروبي، يوم الثلاثاء الماضي، عندما أعلنت السويد خفض المساعدات الجديدة باستثناء المساعدات المخصصة للتعليم والبحث العلمي. وفي الوقت نفسه، هناك حديث عن حجب كمبوديا من خطة التجارة (كل شيء ما عدا الأسلحة)، التي تمنح حرية الوصول إلى الأسواق الأوروبية لبعض الاقتصادات النامية.

وقد تؤدي هذه العقوبات إلى نتائج غير مرغوب فيها. يقول سترانجيو: "سحب هذه الامتيازات التجارية يُهدد بإخراج عشرات الآلاف من الناس من العمل، مما قد يؤدي إلى عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي"، مُضيفًا: "وليس هناك دليل واضح على كيفية تحقيق هذا للأهداف الديمقراطية".

وهناك تدابير بديلة متاحة، فقد أعلن البيت الأبيض في 17 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، أنه عازم على خفض منحة بقيمة مليون و800 ألف دولار للمساعدة في الانتخابات التي ستُقام سنة 2018. ويمكن أن تشمل الخطوات الأخرى حظر السفر وحجز التأشيرات ضد مسؤولي حزب الشعب الكمبودي، فضلًا عن عمليات ضبط الأصول والممتلكات الأجنبية.

ودعا البعض الأمم المتحدة إلى عقد اجتماع مع الرؤساء المشاركين في اتفاق باريس التاريخية للسلام، التي أنهت الصراع الفيتنامي الكمبودي سنة 1991. وقد حافظ الاتفاق على حقبة من السلام والاستقرار النسبيين. ووفقًا لكينغسلي أبوت، المستشار القانوني الأول في لجنة الحقوقيين الدولية: "لن يكون هذا مجرد اعتراف رمزي قوي بعمق الأزمة، بل سيخلق أيضًا بيئة تمكن من تحديد السبل الممكنة لكمبوديا".

الصين تحتوي الموقف لصالح ديكتاتوريات آسيا

انتقد رئيس الوزراء، هون سين، النقد الغربي له ولنظامه، ويبدو أنه لا يتأثر بالتهديدات الاقتصادية والدبلوماسية، ففي يوم الإثنين الماضي، حثّ مستهزءًا الولايات المتحدة على قطع كل المساعدات، حيث إن الدعم المالي من الصين يجعل العقوبات الغربية غير فعالة في الغالب. وقالت وزارة الخارجية الصينية، إن بلادها تُدعم جهود السيد هون سين "لحماية الاستقرار السياسي".

وتعد الصين حاليًا أكبر مصدر للاستثمارات الأجنبية في كمبوديا، وتُوفر أموالًا بدون أن تشترط الشروط التي تطالب بها دول أخرى. ويقول المراقبون إن الاستثمارات الصينية "تُسهل الدور الاستبدادي الذي يقوم به رئيس الوزراء".

الرئيس الصيني (يمين) مع رئيس الوزراء الكمبودي هون سين ببكين (Getty)
الرئيس الصيني (يمين) مع رئيس الوزراء الكمبودي هون سين ببكين (Getty)

في جميع أنحاء آسيا، تُموِّل العاصمة الصينية مختلف الحكومات التي تعرضت لانتقاداتٍ دولية لممارساتها غير الديمقراطية، بما في ذلك انتهاكات حقوق الإنسان، فتجدر الإشارة إلى أن العلاقات بين الصين والفلبين تشهد تحسنًا، في ظل استمرار ارتفاع أعداد قتلى حرب الرئيس الفلبيني رودريجو دوتيرت على المخدرات. وفي ميانمار، التي يتورط نظامها السياسي والعسكري في عمليات تطهير عرقي بحق مسلمي الروهينغا؛ يتمتع الجيش بعلاقات وثيقة مع بكين.

تحتوي الصين الموقف لصالحها مع الحكومات الديكتاتورية في آسيا التي تتعرض لانتقادات الغرب أو لعقوباته الاقتصادية

يتكرر الأمر في تايلاند، التي ازداد التعاون العسكري بينها وبين الصين في السنوات الأخيرة، علمًا بأن تايلاند تعرف حكمًا عسكريًا منذ انقلاب 2014. 

إذن، وإن كانت العقوبات الاقتصادية الغربية على كومبوديا تضر المواطنين العاديين بدرجة ما، لكنها لا تعني إنهاء القمع وضمان تنفيذ الديمقراطية، خاصة وأن بكين يُمكنها -وهي تفعل- أن تعوض كمبوديا بدرجة ما عن المساعدات الغربية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"الحل الصيني" يُزاحم أمريكا ببطء على قيادة العالم

"نهاية نهاية التاريخ".. الديمقراطية الغربية في مهب الريح