كل ما تريد معرفته عن النظام الإمبراطوري في اليابان

كل ما تريد معرفته عن النظام الإمبراطوري في اليابان

يعود تاريخ النظام الإمبراطوري في اليابان إلى مئات السنين (Getty)

دخلت اليابان مرحلة جديدة في تاريخها السياسي بعد تنازل الإمبراطور أكيهيتو عن العرش لابنه ناروهيتو ضمن مراسم احتفال قصيرة وبسيطة في أول تخل عن العرش منذ أكثر من مئتي عام، في خطوة دشنت منذ الأول من شهر أيار/مايو الجاري لحقبة أخرى في التقويم المحلي الذي يبدأ مع استلام الإمبراطور الجديد لمهامه.

تصنف العائلة الإمبراطورية اليابانية كواحدة من أقدم السلالات المالكة في العالم بتاريخ يتجاوز الـ2600 عام، وناروهيتو يعد الإمبراطور 126 منذ جده البعيد جيمو 

ناروهيتو أول إمبراطور ياباني يولد بعد الحرب العالمية الثانية  

عقدت يوم الأربعاء الماضي مراسم تنحي الإمبراطور أكيهيتو (85 عامًا)، وهو الإمبراطور رقم 125 في تاريخ اليابان، عن العرش ليخلفه ابنه ناروهيتو (59 عامًا)، بعد نحو 27 عامًا من تنصيبه على العرش الإمبراطوري، ليصبح منصبه شرفيًا. وكان  أكيهيتو قد أعرب عن رغبته بالتنازل عن العرش عام 2016 مرجعًا الأسباب إلى مشاعر القلق من أن يمنعه تقدمه في العمر وضعف حالته الصحية من أداء واجباته الرسمية كرمز للدولة.

اقرأ/ي أيضًا: اليابان في السينما الأمريكية.. وحشية وندم متبادلان

ووفقًا للقوانين الملكية داخل السلالة الإمبراطورية اليابانية، فإن الإمبراطور لا يتمتع بأية سلطة سياسية، ولا يمكنه أن يناقش مسألة تخليه عن العرش بشكل مباشر، لكن البرلمان أقر في حزيران/يونيو 2017 تشريعًا يسري لمرة واحدة فقط يمكنّه من التنازل عن العرش، وتشكل حادثة تنازل أكيهيتو سابقًة تسجل لأول مرة في تاريخ اليابان، إلا أنها جاءت في إطار عملية تحديث النظام الإمبراطوري التي أنتهجها أكيهيتو خلال سنوات اعتلائه للعرش.


الإمبراطور الياباني الجديد (رويترز)

ويعتبر ناروهيتو أول إمبراطور ياباني يولد بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأول إمبراطور يتولى تربيته والداه فقط، وشهدت مراسم انتقال الخلافة في قاعة الصنوبر بالقصر الإمبراطوري حمْل أمناء الإمبراطورية الأختامَ الرسمية والملكية إلى القاعة إلى جانب اثنين من الرموز الثلاثة المقدسة لليابان "سيف وجوهرة"، اللذين يمثلان مع المرآة المقدسة رموز العرش، وتعهد ناروهيتو في كلمته بأن يؤدي واجباته "كرمز للدولة اليابانية ووحدة الشعب الياباني ووفقًا لأحكام الدستور".

السلالة الإمبراطورية والرموز المقدسة

تصنف العائلة الإمبراطورية اليابانية كواحدة من أقدم السلالات المالكة في العالم بتاريخ يتجاوز الـ2600 عام، وناروهيتو يعد الإمبراطور 126 منذ جده البعيد جيمو الذي يعد سليل إله الشمس أماتيراسو في العادات والتقاليد اليابانية القديمة، ويضطلع الأباطرة بدور كبير جدًا في عبادة شينتو (صوت الآلهة) اليابانية عبر مختلف الطقوس السنوية والصلوات من أجل ازدهار البلاد.

وخلال تنصيب الإمبراطور على العرش تجري مراسم رمزية تعرف باسم شينتو يتسلم فيها الإمبراطور الجديد ثلاثة رموز هي مرآة وسيف وجوهرة يطلق عليها اسم كنوز الإمبراطورية، ولا يتم إحضار الرموز للمراسم، إنما يتم إحضار رموز مقلدة عنها على الرغم من أن أحدًا لن يراها، أمّا الرموز الأصلية فهي مخفية في مزارات دينية.

وتعتمد اليابان على التقويم الياباني (الجينجو) إلى جانب التقويم الغربي، ويبدأ حساب السنوات في تقويم الجينجو مع بداية تولي الإمبراطور الجديد الحكم، أو يستخدمون التقويمين بالتبادل، حيثُ تستخدم معظم الشركات الكبيرة التقويم الغربي في أنظمة الكمبيوتر الخاصة بها حتى لا تتأثر كثيرًا، لكنها قد تؤثر سلبًا على الشركات الصغيرة التي تتبع التقويم الياباني، وبدأت حقبة الإمبراطور أكيهيتو عام 1989، وتسمى وفق تقويم الجينجو بحقبة هيسي ما يجعل عام 2019 هيسي 31.

سلالات الحكم اليابانية منذ القديم حتى الحرب العالمية الثانية

عاشت اليابان تحولات مختلفة داخل السلالة الإمبراطورية شهدت خلالها العديد من التبدلات في طبيعة نظام الحكم، لكن حسب ما تشير إليه التدوينات المرتبطة بتاريخ السلالة الإمبراطورية اليابانية، كانت فترة حكم الإمبراطور ميجي (1868 – 1912) الأهم في تاريخ اليابان، لما تضمنته من كتابة أول دستور في تاريخ البلاد السياسي الحديث (1889)، وتضمن كذلك أول نظام برلمانى وتعددية سياسية. ونص الدستور على حقوق وواجبات كل من الشعب والحكومة، حيثُ عرفت هذه الفترة باسم إصلاحات ميجي نظرًا لما عرفته من تحولات واسعة في النظام الإمبراطوري.

تولى العرش بعد وفاة ميجي الإمبراطور تايشو، في الفترة بين عامي (1912 – 1926، وهي تعد واحد من أقصر فترات الحكم في تاريخ اليابان المعاصر، حاول فيها إدخال التحديثات الغربية إلى البلاد مثل موسيقى الجاز على حساب المبادئ التقليدية التي كانت تسيطر على الحياة الاجتماعية، وجرى خلال هذه الفترة انتقال القوة السياسية إلى البرلمان الياباني والأحزاب السياسية بسبب صحة الإمبراطور تايشو الضعيفة، وتميزت هذه الحقبة عن غيرها بأنها عاصرت انفتاحًا ديمقراطيًا عرفت لاحقًا باسم "ديمقراطية تايشو".


الإمبراطور تايشو (ويكيبيديا)

إلا أن الفترة الأهم في تاريخ اليابان العسكري، وطموح السلالة الإمبراطورية الحاكمة بتوسيع نفوذها، كانت خلال اعتلاء (هيروهيتو) الإمبراطور شووا (1926 – 1989) للعرش، وهي الأطول بين جميع فترات أباطرة اليابان، وكانت في الوقت ذاته مفصلية في تاريخ اليابان السياسي الحديث لما شهدته من أحداث وتحولات في طبيعة النظام الحاكم، إذ خلال هذه الفترة تحولت اليابان إلى النظام الشمولي، وجرت عام 1937 الحرب الصينية اليابانية الثانية.

وعام 1941 دخلت اليابان الحرب العالمية الثانية إلى جانب دول المحور، وقامت بشن هجوم على ميناء هاربر الأمريكي، لكن طموحها بتوسيع نفوذها الاستعماري توقف بعد أن ألقت الطائرات الأمريكية قنبلتين نوويتين على مدينتي هيروشيما وناجازاكي بسبب رفضها تنفيذ بنود إعلان بوتسدام الذي دعا اليابان للاستسلام بدون أي شروط، وخلف الهجوم أكثر من مائتي ألف قتيل، لتعلن اليابان استسلامها لدول الحلفاء بعد ستة أيام من تنفيذ الهجوم.

وتعرضت اليابان عقب توقيعها اتفاقية الاستسلام للاحتلال من قبل الولايات المتحدة بالاشتراك مع المملكة المتحدة وأستراليا مدة سبعة سنوات (1945–1952)، قامت الولايات المتحدة فيها بإجراء تعديلات جذرية على نظام الحكم الياباني، كان أبرزها نزع السلطة من الإمبراطور الذي تحول إلى "رمز للدولة والشعب"، وجعلت نظام الحكم برلمانيًا للحكومة يضمن الحقوق الأساسية، حيثُ أصبحت مهام الإمبراطور تقتصر على حضور جلسات افتتاح البرلمان السنوية، والمصادقة على تعيين رئيس الوزراء، وقبول سفراء الدول الأجنبية، وهي جميعها أعمال رسمية.

التحولات الاقتصادية في تاريخ اليابان الحديث

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أنشئت في اليابان وزارة التجارة الدولية والصناعة عام 1949 لتلعب دورًا محوريًا في نهوض اليابان الاقتصادي، حيثُ نفذت الوزارة إصلاحات اقتصادية عديدة ساهمت بتحقيق تنمية صناعية، ورسمت ملامح نهضة اقتصادية جرت بالشراكة بين الحكومة اليابانية والقطاع الخاص، ووصلت معدلات نسبة النمو الاقتصادية خلال فترة الستينات لـ10 بالمائة سنويًا، وفي فترة السبعينات بلغت معدلات النمو 5 بالمائة، وانخفضت لـ4 بالمئة في الثمانينات.

لكن معدلات النمو التي استطاعت اليابان تحقيقها خلال تلك العقود شهدت تباطؤًا نتيجة فقاعة أسعار الأصول التي أرخت بظلالها على الاقتصاد الياباني أواخر الثمانينات، زاد من حجمها انهيار بورصة طوكيو للأوراق المالية، فقد كان المقدار الذي هبط فيه السوق من القمة إلى القاع 63.5 بالمئة حتى عام 2003، ما دفع باليابانيين لإطلاق مسمى "العقد الضائع" على تلك الفترة، قبل أن يعود الناتج المحلي ليسجل معدل نمو بنسبة 2 بالمئة عام 2012.

سعت اليابان حينها لطرح نموذج اقتصادي رأسمالي مختلف من خلال انتهاجها سياسة التحرر المالي، وعدم وجود سياسة اقتصادية مركزية، تم فيها إقصاء القيود على تحركات رأس المال بشكل تدريجي، وعملت على تحرير أسعار الفائدة على الودائع، إضافة لظهور أدوات ومشتقات مالية جديدة، وعلى سبيل المثال ما بين عامي 1955–1990 بلغ ارتفاع أسعار العقارات في اليابان بنسبة تزيد 70 ضعفًا عن الولايات المتحدة وبريطانيا.

إضافة إلى ذلك اتجهت اليابان منذ سبعينات القرن الماضي إلى تقليل اعتمادها على الوقود المستورد مقابل الاعتماد على الطاقة النووية بشكل أساسي لتفتتح سبعة مفاعلات نووية في عام 2008، وتحولت لثالث أكبر مستهلك للطاقة النووية في العالم حيث تشغل 55 مفاعلًا نوويًا، وتوفر هذه المفاعلات النووية 34.5 بالمائة من الكهرباء في اليابان.

وفي المجال الصناعي اتجهت اليابان نحو تطوير التكنولوجيا لتصبح أكبر منتج للإلكترونيات في العالم، فبرزت خلال هذه الفترة كبرى الشركات الإلكترونية التي تميزت بجودتها وذكاء الابتكار، ولا تزال شركات تصنيع السيارات اليابانية من بين الأكثر قيمة وتقدمًا من الناحية التكنولوجية في العالم، وتعد موطنًا لستة من أكبر 20 شركة مصنعة للسيارات في العالم، وتصنف كثاني أكبر منتج للسيارات في العالم بعد الصين، ورغم الأزمة المالية العالمية استطاعت صناعة السيارات أن تسجل نمو 11 بالمائة في عام 2009.

إلى جانب ذلك تبرز اليابان حاليًا في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي، ووفقًا للصحف اليابانية فإن طوكيو تسعى في الوقت الراهن لأن تكون "عاصمة الروبوتات"، حيثُ تسعى الشركات المختصة بتطوير الذكاء الاصطناعي إلى التقدم على الولايات المتحدة في هذا المجال، وتقول التقارير إن معدلات الإنفاق على إنتاج الروبوتات سيتجاوز 188 مليار دولار بحلول عام 2020، ومن المتوقع أن تشارك طوكيو بنسبة مالية كبيرة في هذا المجال.

اقرأ/ي أيضًا: اليابان في 2020.. الروبوتات في رعاية 80% من المسنين

وكان رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي قال إن بلاده تريد مضاعفة حجم سوق اليابان في الروبوتات إلى 22 مليار بحلول عام 2020، حيث افتتح في اليابان عام 2015 فندق "هين نا" الذي يضم موظفين روبوتات يقومون بمهام الترحيب وخدمة الضيوف عند دخولهم، وحمالون لجمع حقائب النزلاء، حيثُ يحتوي الفندق على 80 موظفًا من الروبوتات، و15 موظفًا بشريًا.

تشهد اليابان إمبراطورًا جديدًا تسلّم مقاليد العرش مع تنامي عصر التكنولوجيا والثورة المعلوماتية، وقد تشهدحقبته  خلالها تحولات جديدة على أصعدة مختلفة

وإن كانت حقبة الإمبراطور ميجي قد شهدت تحولات واسعة في النظام الإمبراطوري الياباني، وعاشت السلالة الإمبراطورية فترة ضعف خلال حقبة الإمبراطور تايشو،  لتدخل بعدها الحرب العالمية الثانية في حقبة الإمبراطور شووا قبل أن تنكفئ على نفسها محليًا بعد خسارتها للحرب، ويأتي الإمبراطور أكيهيو الذي عمل على تكريس مبادئ الديمقراطية الحديثة بالتحامه مع الشعب بشكل شخصي، فإننا اليوم أمام إمبراطور جديد (ناروهيتو) تسلّم مقاليد العرش مع تنامي عصر التكنولوجيا والثورة المعلوماتية، وقد تشهد حقبته خلالها تحولات جديدة في مستقبل اليابان على أصعدة مختلفة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم "In This Corner of the World".. عن الفترة الأظلم في تاريخ اليابان

سياحة "على قد الحال".. كيف تزور اليابان بأقل التكاليف؟