كل ما تريد معرفته عن الأزمة الفنزويليّة

كل ما تريد معرفته عن الأزمة الفنزويليّة

تؤثر عوامل خارجية عديدة في الأزمة الفانزويلية (mvs noticias)

نسمع أخبار فنزويلا في المحطّات ونقرأ المستجدّات عنها في الصحف، ويكاد ينتاب الجمهور العربي إحساسُ مألوف حيال هذا البلد اللاتيني ذي الطبيعة الخلّابة والثريّ بالمقدّرات، وأيضًا ذي الصبغة السّياسيّة الرافضة والمناوئة للسياسات الأمريكية والعولمة، فهو مثله مثل أيّ بلد عربي يعاني شعبه ويلات التفقير والعنف ويصدّر طوابير الفارّين الذين يبحثون عن حياة أفضل في المنافي.

حكمت معاهدة بونتوفيخو الحياة السياسيّة الفنزويليّة طوال أربعين عامًا، وهو اتّفاق سياسي مشترك وُقّع عام 1958 بعد الإطاحة بحكم الدكتاتور العسكريّ ماركوس بيريس خيمينيس 

 تملك فنزويلا أكبر احتياطي للنفط في العالم، وهو نفط سهل النقل إلى الولايات المتّحدة أكبر مستهلك للذهب الأسود في العالم. وعلى خلاف النفط الشرق أوسطي الذي يتطلّب نقله عشرة أضعاف الوقت على أقلّ تقدير ناهيك عن تكاليف هذا النقل وحمايته، يقع النفط الفنزويلي على بعد أربعة أيّام فقط عن الولايات المتّحدة الأمريكيّة التي لطالما كانت عيونها على فنزويلا.

اقرأ/ي أيضًا: تقدير موقف: الأزمة الفنزويلية.. صراع داخلي بأبعاد دولية

سنحاول في هذه السلسلة تسليط الضوء على أبرز المحطّات لفهم أزمة كانون الثاني/يناير الفنزويليّة.   

نظرة على التاريخ السياسي المعاصر في فنزويلا

حكمت معاهدة بونتوفيخو الحياة السياسيّة الفنزويليّة طوال أربعين عامًا، وهو اتّفاق سياسي مشترك وُقّع عام 1958 بعد الإطاحة بحكم الديكتاتور العسكريّ ماركوس بيريس خيمينيس بين تشكيلين سياسيّين يمينيّين هما حزب Acción democrática أو العمل الديمقراطي، والمعروف أيضًا باسم حزب الشعب، وحزب COPEI أو اللجنة التنظيميّة المستقلّة للعمل السياسي والانتخابي والتي تعرف أيضًا بالحزب الاجتماعي المسيحي، ليصار بعدها إلى استئثار هذين الحزبين السلطة بالتناوب محتكرين بذلك الديمقراطيّة في البلاد لأربعة عقود، حقّقوا خلالها مصالحهم النفطيّة مع الولايات المتّحدة دون تمثيل فعلي للشعب الفنزويلي.   

اندلعت احتجاجات عارمة في البلاد في شهري شباط/فبراير وآذار/مارس من عام 1988، فيما أطلق عليه حينها "كاراكاسو" أو كاراكاس العظيمة، التي أعطيت خلالها الأوامر للجيش بإطلاق النار على المتظاهرين، الأمر الذي خلّف ثلاثة آلاف قتيل في أسبوع واحد.

هوغو تشافيز

 هنا سيبرز دور الملازم هوغو تشافيز فرياس، كأحد أبرز الضبّاط العسكريّين الذين رفضوا تنفيذ الأوامر بإطلاق النار على المحتجّين في انتفاضة عام 1988، والذي كان قد أسّس الحركة الثوريّة البوليفاريّة 200 عام 1982 (احتفاءً بمرور 200 عام على ولادة المحرّر سيمون بوليفار)، وهي حركة عسكريّة مدنيّة اصطفّت فيها الأحزاب اليساريّة في سعيها للإطاحة باتّفاق بونتوفيخو.


هوغو تشافيز (Colombia informa)

سُجن تشافيز عام 1992 على إثر فشله في قيادة انقلاب عسكري للحركة ضد حكومة حزب الشعب في عهد الرئيس كارلوس أندريس بيريس، ليطلق سراحه عام 1996 بعفو رئاسي أصدره زعيم الحزب الديمقراطي المسيحي رافايل كالديرا.

عمل هوغو بعدها بعام على تأسيس حزب "حركة الجمهوريّة الخامسة" لينجح في الوصول إلى سدّة الرئاسة في انتخابات 1998، ويستمر في حكم البلاد حتّى وفاته بسبب مرض السرطان في 2013.

أقرّ تشافيز في سنة حكمه الأولى دستورًا جديدًا ركّز فيه على السّياسات الاجتماعيّة والديمقراطيّة الشعبيّة وتأميم عدد من الصناعات الاستراتيجيّة، أهمّها قطّاع النفط الذي حقّق إيرادات قياسيّة عام 2000 عادت على الشعب في مشاريع طالت جوانب الصحّة والتعليم والسكن والغذاء، إلّا أنّ هذا الازدهار لن يدوم أكثر من بضعة سنين عاد الاقتصاد في فنزويلا بعدها إلى الانتكاس عام 2010، مع ارتفاع معدّل العنف والجرائم والفساد، ومن جهة ثانية مع ازدياد عزلة فنزويلا السياسيّة على الصعيد الدولي بسبب سياساتها المعادية للغرب.

شهد حكم هوغو تشافيز محاولات عدّة للإطاحة به من قبل معارضيه، من أبرزها محاولة انقلاب عسكري فاشل في نيسان/أبريل من عام 2002، لم يدم أكثر من 48 ساعة، حيث هبّت الجماهير الموالية لهوغو لتطويق الانقلابيّين ومعسكرات الجيش وإعادة تشافيز إلى مزاولة منصبه محطّمين بذلك طموحات اليمين الموالي للولايات المتّحدة الأمريكيّة، والتي ستردّ بدورها بعقوباتٍ طالت النفط الفنزويلي.

أولى تشافيز أهميّة كبيرة للمؤسّسة العسكريّة، فالجيش الذي غدا حاكمًا فعليًّا للبلاد، بدأ بالسيطرة على عدّة وزارات وقطّاعات اقتصايّة منها النفط وتوزيع الأغذية وغيرها.

نيكولاس مادورو

هو نائب هوغو تشافيز ووزير خارجيّته، عمل في السلك الدبلوماسي بعد مسيرةٍ نقابيّة بدأها كسائق حافلة، سمّاه تشافيز نائبًا له عام 2012 وأوصى الفنزوليين بانتخابه رئيسًا في حال نال المرض منه، وهو الأمر الذي جرى فعلًا عام 2013 بعد وفاة تشافيز بثلاثة أيّام، حيث أعلن مادورو نفسه رئيسًا مؤقّتًا للبلاد ثم أجرى بعدها بشهر انتخابات حصل فيها على 51% من الأصوات مقابل من اعتقدت المعارضة أنّه أولى دستورريًّا بخلافة تشافيز، أي ديوسدادو كابيّو.


نيكولاس مادورو (La republica)

أثارت هذه الانتخابات الجدل محايًّا واقليميًّا ودوليًّا ليصار إلى حسم هذا الجدل من قبل الهيئة العليا للدستور في فنزويلا التي أقرّت بنجاح مادورو وتنصيبه رئيسًا.

بدأ التوتّر والتصعيد السياسيّين بالتزايد وانعكس هذا سلبًا على الاقتصاد والوضع المعيشي، مع تفشّي الفساد والجريمة في البلاد وأفواج المهاجرين خارجها، وعادت الانتفاضات لتتفجّر في الشوارع من جديد عام 2014 مع تراجع شعبيّة مادورو واستياء قطّاعات واسعة من الفنزوليّين من سياساته القمعيّة واعتقال المناوئين له.

أمّا سياسيًّا، رفضت الجمعيّة الوطنيّة (البرلمان) التي تسيطر على مقاعدها أغلبية معارضة الاعتراف بشرعيّة مادورو الدستوريّة، فقام هو بإنشاء المجلس الوطني التأسيسي عام 2017 ساحبًا البساط التشريعي الدستوري من تحتها، ما دفع إلى حالة احتقان سياسي بلغ أوجه في انتخابات التجديد. حيث تمّت عدّة محاولات للتمرّد العسكري ومحاولة اغتيال لمادورو نفسه عام 2018 بعد أشهر من إعادة انتخابه في انتخابات تمّ التشكيك بنزاهتها ورفض الاعتراف بنتيجتها كلّ من المعارضة، وأكثر من ستّين دولة منها الولايات المتّحدة الأمريكيّة والاتّحاد الأوروبي ومنظّمة الدّول الأمريكية.

مجموعة ليما

في آب/أغسطس 2017، أطلقت مجموعة سميّت بمجموعة ليما، إعلانًا سياسيًا في العاصمة البيروفية ليما بمشاركة 14 دولة من الأمريكيّتين ومساندة كلّ من منظّمة الدول الأمريكية والاتحاد الأوروبّي والمعارضة الفنزويليّة، بشأن الأزمة التي تتعرض لها فانزويلا.

تضمّن الإعلان 16 نقطة للبحث عن مخرج سلمي للأزمة الاقتصادية والمعيشيّة والسياسيّة في البلاد، أبرزها إطلاق المعتقلين السياسيّين والحد من ممارسة العنف ضدّهم وخرق مواثيق حقوق الإنسان، وتعزيز الديمقراطيّة عبر دعم البرلمان الشرعي وعدم الاعتراف بالمجلس الوطني التأسيسي الذي أنشأه مادورو، بالإضافة إلى دعوتها إجراء انتخابات حرّة بإشراف دولي.

كذلك اتّفقت الدّول على تقديم المساعدات الإغاثيّة لفنزويلا على خلفيّة الأزمة الاقتصاديّة التي باتت تخنق الشارع الفنزويلي.

خوان غوايدو وأزمة 23 يناير

بدأ عام 2019 بمحاولة تمرّد عسكري نفّذها بضع عشرات من العساكر داعين الجيش الفنزولّي إلى التخلّي عن دعم مادورو من خلال فيديو نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي ، وانشقاق قاضي المحكمة العليا وفراره إلى الولايات المتّحدة الامريكيّة في السابع  من كانون الثاني/يناير أي قبل ثلاثة أيّام من مراسم تنصيب مادورو رئيسًا في العاشر من الشهر نفسه، وسط رفض واسع محلّي إقليمي ودولي لانتخابات أيّار مايو 2018.

وفي الثالث عشر من ذات الشهر، قامت المخابرات الفنزولّية باعتقال رئيس البرلمان المهندس الشّاب خوان غوايدو وهو يتّجه إلى اجتماع سياسي لتطلق سراحه بعدها بساعات.

كانت المفاجأة التي فجّرها غوايدو يوم 23 كانون الثاني/يناير أمام حشد من أنصاره المعارضين في العاصمة كاراكاس، أنّه أعلن نفسه فعلًا رئيسًا مرحليًّا بالوكالة

وغوايدو الذي ينتمي إلى حزب الإرادة الشعبيّة المعارض كان قد صرّح بعد إطلاق سراحه بأنّه مستعدّ لتولّي الرئاسة بالوكالة الأمر الذي سخر منه مادورو في ظهور متلفز.

اقرأ/ي أيضًا: شوارع كاراكاس تشتعل.. خبز قليل قمع أكثر

وكانت المفاجأة التي فجّرها غوايدو يوم 23 كانون الثاني/يناير أمام حشد من أنصاره المعارضين في العاصمة كاراكاس، أنّه أعلن نفسه فعلًا رئيسًا مرحليًّا بالوكالة إلى حين إتمام الإجراءات الدستوريّة وانتخاب رئيس للبلاد لتتالى بعدها الاعترافات به كرئيس شرعي من قبل منظّمة الدّول الأمريكيّة، والولايات المتّحدة الأمريكيّة ومعظم الدّول الأوربيّة.

احتجاجات في فنزويلا (washington times)

تمسّك مادورو بحقّه بالرئاسة معتبرًا أنّ ما يجري هو مؤامرة أمريكيّة وقرّر طرد دبلموماسيّي الولايات المتّحدة وقطع العلاقات معها. وطالب روسيا والصّين بدعم سياسي ودبلوماسي. وعادت الشوارع لتعجّ بالمتظاهرين الذين انقسموا بين مؤيّد لمادورو ومعارضٍ له ووقعت عدّة أحداث عنف ومواجهات أنذرت بإمكانية دخول البلاد في أتون صراع أهلي، في حين أنّ المؤسسّة العسكريّة انحازت على لسان وزير الدفاع إلى دعم شرعيّة مادورو.

ويبدو المشهد الدولي منقسمًا بين معسكرين، أول تقوده الولايات المتّحدة وتهديدات ترامب  التي تلوّح بمزيد من العقوبات وباحتماليّة استخدام القوّة، ومعسكر يدعم "الشرعيّة"المزعومة، وينادي بعدم التدخّل في الشؤون الداخليّة للدول تقوده روسيا وسط دعوات من الأمم المتّحدة باعتماد الحوار حلًّا، الأمر الذي رفضته المعارضة بقيادة غوايدو مشكّكة في نيّة النظام بإجراء تغييرات حقيقيّة في بنيته، خصوصًا بعد إعلان مادورو إجراء مناورات عسكريّة هي الأكبر في تاريخ فنزويلا للتأكيد على الجاهزيّة القصوى للدفاع عنها، في حال اعتمدت الولايات المتّحدة وحلفاؤها الإقليميّون الخيار العسكري. كما رفض مادورو إدخال المساعدات الإغاثيّة التي وصلت إلى كولومبيا وأغلق الجيش الفنزويلي جسرًا يربط البلدين.

يذكر أن التضخّم وصل في البلاد وصل إلى مستويات جنونيّة بلغت اثنين ونصف المليون في المئة جعلت الشّعب الفنزويلي بأمسّ الحاجة لهذه المساعدات التي قد لا تكون بريئة (كما وصفتها حكومة مادورو)، لكنّها ستنقذ الكثيرين من المتضرّرين من هذه الأزمة الإنسانيّة الحادّة، في الوقت الذي تصل فيه ثروة ابنة تشافيز، الذي عاش حياته مروجًا لسردية مناهضة الامبرياليّة العالمية، إلى أربعة مليارات دولار تستثمرها وتعيش بها في قلب الولايات المتّحدة الأمريكية.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

إشكالية خطاب ترامب ضد فنزويلا.. إعادة إنتاج النظام عبر تهديده