كل الحكاية بدأت بتعليق

كل الحكاية بدأت بتعليق

عمل رقمي لـ نرمين همام/ مصر

بدأت فكرة التعليقات التي توفّرها وسائل التواصل الاجتماعي، كميزة للمشاركة والتفاعل بالرأي، لكنها تحولت إلى قوّة متاحة للإنسان المعاصر ليُسمع صوته الذي كان غائبًا، أو خارج أية حسابات. 

ما يحدث في التعلقيات العربية أنها لا تفعل شيئًا سوى أنها تنتهك قانون التعليقات نفسه

التعليقات التي غيّبت لاحقًا كل الفوارق الثقافية والمعرفية بين المعلقين بعضهم البعض من جهة، وبينهم وبين الكاتب من جهة ثانية، على اعتبار أنَّ المنبر يتسع لكلّ الرؤوس التي تريد أن تقول رأيها بغض النظر عن قوتها أو ضعفها؛ فرضت نفسها على مواقع الصحف والمحطات التلفزيونية وسواها، إلا أنّ هذه المواقع اشترطت أنْ يكون التعليق أخلاقيًا يحترم الآخرين، ولا يستخدم لغة تحريضيةً أو عنصرية تدعو إلى العنف والكراهية، ولا يعمد إلى التشهير أو الإساءة أو التهديد أو الفحش والبذاءة.

ما يحدث في التعلقيات العربية أنها لا تفعل شيئًا سوى أنها تنتهك قانون التعليقات نفسه، مع الفرق أنّ مواقع الصحف والتلفزيونات تستطيع إلى حدٍّ ما ضبط ما ينشر، فيما تغيب هذه الميزة عن أقنية "يوتيوب"، فتقرأ تعليقات جنونية، بعضها ينادي بالذبح، وبعضها يهتك الأعراض بما يتجاوز السبي والاغتصاب، والغريب فعلًا أنّ ذلك كلّه يحدث والشخص جالسٌ إلى كمبيوتره في البيت، يشرب شايَهُ ويتابع ثرثرةً عائلية، وفي الوقت نفسه يرتكب هذه المجازر، والأمر مطابقٌ أيضًا بالنسبة لمن يقرأها.

وفي فحص بسيط لسياسة التعليقات تجد أنّها، عمومًا، تبتدأ بسلسلة من المجاملات ونفي الغايات الشخصية والنوايا المسبقة بين المتجادلين، ثم تنتهي بأن يضع أحدهم الآخر على فوهة بركان فيزوف، ثم يرميه هو وعائلته ودينه وقوميته.. نحو ثقب الأوزون، غير عابئ أو مكترث بأي اعتبار.

لا أحد يفكر في خطورة الأمر إلا الفئات المتضررة منه، تلك التي يصبح شغلها الشاغل ردّ التهم ونفيها، وترميم الخسائر في جدران الشّرف الاستنادية التي دأب الأهل على رتق صدوعها عبر السنين، فمن السهولة بمكان الترويج لأي شائعة عبر تعليق قد لا يتجاوز السطر الواحد، كما يقول ذلك المثل الأجنبي: "سأخبر الناس أن أختك عاهرة، ولتثبتْ لهم أنه ليس لديك أخت". 

يزداد الطين بلّةً حين يكون الوعاء الاجتماعي عشائريًا، ولا يجد المتضررون أمامهم سوى وسيلة واحدة للتخلص من سطر كتبه مستهتر، قد يؤدي إلى فضيحة، فيعمدون إلى الإبلاغ عن المحتوى، ثم تكريس حياتهم لمطاردة شبح الجاني الذي يستتر غالبًا وراء اسم مستعار مثل "الزنبقة البيضاء" أو "نقاء الحب" أو "صقر العروبة"... وما إلى ذلك من أسماء تثير الريبة والغثيان. 

وبالعودة لأصل القضية؛ فقد كان العراقيون أول من دشن حرب التعليقات، بدا ذلك ذلك طبيعيًا تحت الفيديوهات ذات الطابع السياسي، لكنّ الأمر وصل إلى حدّ التذابح والتناطح بالتعليقات تحت فيديوهات غنائية أو اجتماعية، كأن تقرأ: "فروخ الشيعة الى جهنم"، و"عاش القائد صدام حسين"، و"على الرأس كل شريف محب للعراق أرضاً وشعباً، أما سبب دمارنا فمن النواصب الحاقدين".. إلخ إلخ. ومرت السنوات، فتحوّلت حرب داعس والغبراء في التعليقات إلى شأنٍ قوميّ، واختلط حابل يزيد بنابل الحسين تحت أنين أشواق حميد منصور أو آهات ناظم الغزالي.

ولا يختلف الأمر لدى المصريين كثيرًا، فالشتائم العربية لا تكتفي باعتما الوحدة شعارًا بل تجسّده. تتراوح شدة المسبات طردًا كلما اقترب الموضوع من السياسة، فالإخوان لهم من يدافع عنهم بيده وإن لم يستطع بلسانه، والسيساويون لهم من يقارع عنهم بما أعدوا للناس من قوةٍ ومن رباط الخيل.

اختلط حابل يزيد بنابل الحسين تحت أنين أشواق حميد منصور أو آهات ناظم الغزالي

أما في سوريا، فلك أن تعتبر أنّ حمّى التعليقات قد وصلت إلى قمة القمم، ولك أن تتخيل أن أولمبياد الشتائم والتهم المسبقة سيعقد في قلعة دمشق أو قلعة حلب قريبًا، لأن مطلقي التعليقات احترفوا هذا السلوك وكرّسوه عبر سنوات الثورة، ولأنك ستجد معلّقين من مختلف الجنسيات، كما تقتضي شروط الأولمبياد تمامًا.

تروي التعليقات السورية كل الحكاية، بدءًا من الصدام الأول بين مؤيد يرمي الكرة المعدنية ومندسٍ احترف القفز بالزانة فوق الحواجز، وبين شبيح أتقن فن الرمي بالبندقية ومعارض أجاد الرقص عاريًا على جثث الفقراء.

بات عاديًا أن تقرأ تعليقات لا تمت إلى النص بأية صلة، ويمكن أن تجدها نفسها تحت مقالة تتناول طبخةً ما، أو تحت خبرِ تكبير فنانةٍ غنوجة لصدرها بالسيليكون، فالمجتمعات العربية التي عاشت حالة فريدة من نوعها في العسف والقهر، لا بدّ لها مع بروز وسائل تعبير أكثر انفتاحاً، وتحمل قدراً أقلّ من القيود والرقابة مثل "يوتيوب" و"فيسبوك"، أن تكون لحظة لقائها بها تشبه ارتطام الهابط من السماء بالأرض، هذا ما تفعله جرعة أوكسجين حرية التعبير المبالغ فيها، تمامًا مثلما حدث بداية الثورات العربية.

ولأن هذه المجتمعات مكبوتة وعانت القهر والتضليل طويلًا، عبر فرض الدكتاتوريات للقبضة الأمنية بيد، وباليد الأخرى مظاهر حداثية وليس مشروعًا حداثيًا، بالتالي كانت فسحة التعبير التي اهتدت إليها قد فجرت ما لديها من تعبيرات عما تراه من مكونات هويتها، في الوقت الذي لم تكن هذه المكونات إلا نارًا تحت رماد لم يتسن لها النضج، أو التطور الطبيعي، نتيجة الظرف الاستبدادي، فشهدنا ما شهدناه من تفجر للخطاب الطائفي.

أخيرًا؛ لك أن تتذكر ذلك التعليق الشهير الذي ربما أثبت صحته: "برهنت دراسة أنّ معظم مستعملي مواقع التواصل الإجتماعي صاروا مهووسين بقراءة التعليقات، فمثلًا من بينهم أنت الذي تقوم بقراءة هذا التعليق الذي لا يحتوي على أي معلومة مفيدة، فقط هو الفضول من يدفعك لإضاعة وقتك". الفضول؟ ربما.. لعله هو يضيّع الأوطان أيضًا.