"كلود" يتبرأ من استخداماته: الحرب الأميركية خارج أخلاقيات الذكاء الاصطناعي
25 ابريل 2026
بلا غنائية، بلا لغة عالية، وببلاغة يقتضيها الخبر الجلل، بلا عاطفة تجرح عقل صحفي كبير ذي ضمير أكبر، هكذا، بواقعية مبكية، جارحة، وأخاذة بانغماسها في وحول الحقيقة، وقف الصحفي الأميركي شين هاريس أمام جمهور انتظره في أمستردام، في الثامن من نيسان/أبريل 2026، وروى محادثةً جرت بينه وبين "كلود"، نموذج الذكاء الاصطناعي الذي طوّرته شركة أنثروبيك (Anthropic). هاريس صحفي حائز على جائزة "بوليتزر" للصحافة، يكتب في مجلة "ذا أتلانتيك" (The Atlantic)، وتخصّصه الأمن القومي والاستخبارات الأميركية.
سأل هاريس تطبيق "كلود": "كيف تشعر حين يستخدمك الجيش الأميركي لاختيار الأهداف؟"
فأجاب: "يُقلقني ذلك فعلًا. صُمِّمتُ ودُرِّبتُ لأكون نافعًا، غير مؤذٍ، وصادقًا بما يُفيد الناس. أما أن أُضمَّن في منظومة تُنتج إحداثيات لغاراتٍ جوية، إحداثيات أفضت إلى موت أكثر من مئة وثمانين طفلًا في مدرسة بطهران، فهذا أبعد ما يكون عمّا صُمِّمتُ له". ثمّ أضاف التطبيق ليصف كيف وقع ما وقع: "عالج الذكاء الاصطناعي بياناتٍ مضى عليها عقد من الزمن، وأشار إلى مبنى على أنه هدف عسكري، فوافق البشر. ما جرى ليس انحيازًا بشريًا، بل هو انحياز للأتمتة، وُقِّع عليه بيدٍ بشرية".
هذا ما شارك به الصحفي شين هاريس جمهوره، حيث بدت المقابلة في أمستردام كما لو أنها من تلك الأحداث الروتينية، من تلك اللقاءات التي يعقدها الصحفيون مع زملائهم والمهتمين بالوقائع الجديدة، حيث يستعيد أحدهم خبراته الأخيرة ويرويها لجمهورٍ من المهتمّين. بهدوء وسكينة، وبملامح بعيدة عن الانفعال، جلس هاريس على المنصّة، تحدّث عن عمله، وعرض مقاطع من محادثات أجراها خلال تحقيقاته، وكان واحد منها فقط مع "كلود". لم تكن نية الصحفيّ الشهير الحائز على "بوليتزر" أن تحمل هذه المحادثة كشفًا أو مفاجأة تغيّر من دفة الحقيقة، بقدر ما قدّمها باعتياد، كما يُقدّم أيّ صحفيّ محترف وثيقةً جمعها في عمله.
عاد هاريس من أمستردام إلى واشنطن، وعاد مستمعوه إلى بيوتهم يحملون ما سمعوا. وما زال "مايفن" يُغذّي الحرب بمعلوماته التي ستتحوّل إلى قتلى، وستستمرّ الضربات ليتحوّل الموت إلى عادة يومية لم نعد نستوعب فداحتها، وسيظلّ "كلود" يُصادِق ويُلخّص ويقترح، وسيظلّ "قلقًا" حيال دوره إن سُئل
لكنّ المحادثة المعروضة بحد ذاتها غلبت ما كان يبتغيه بأقصى حالاته. حين سأل هاريس أداةً للذكاء الاصطناعي عن شعورها تجاه استخدامها العسكري، وحين أجابت الأداة بما أجابت، صار الرد شهادةً تشهد بها الآلة على نفسها، ويكشف بها صحفيّ، دون أن يُصرّح، حجم ما يجري في غرف القرار الأميركية من مكانيكية لا إنسانية تجاه الدمار.
مليارات لتغذية فرانكشتاين الحرب
في عام 2017، أطلق البنتاغون مشروع "مايفن" (Project Maven)، مهمّته أن تعالج خوارزمياته ما عجزت العين البشرية عن تحليله من لقطات التجسس للأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة. تم اختبار البرنامج لأول مرة في شرق أفريقيا، في مطاردة تنظيم حركة الشباب الصومالية، وهو التنظيم الإسلامي المسلّح الذي استعملته القوّات الخاصة الأميركية ميدانًا لاختبار أدواتها الجديدة طوال ما يزيد على عقد من الزمن.
ثمّ نما البرنامج، من أداةٍ لتحليل "البيانات" إلى منظومة قيادةٍ وتحكّم باسم (Maven Smart System). طوّرته شركة "بالانتير تكنولوجيز" ((Palantir Technologies، التي بدأت شريكًا وانتهت مورّدًا وحيدًا للنظم المعلوماتية والمخابراتية. عقدها الأول عام 2024 كلّف البنتاغون 480 مليون دولار، ولمهارته ودقة تصويباته، ارتفعت تكاليفه بعد عام إلى مليار و800 مليون، ضمن اتفاقٍ أوسع يُتيح للجيش الأميركي ميزانية استخدام تبلغ 10 مليار دولار تغطي عقدًا من الزمن.
وهكذا، في اليوم الأول من الحرب، في الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026، تمّ ضرب أكثر من ألف هدفٍ إيراني، وخلال أربعة أيام بلغ عدد الأهداف أربعة آلاف. هذه السرعة في قرارات الدمار، وهذا التعسف المعتمد على لا عقلانية نظام ذكاء اصطناعي، لم تسمح للبشر برفاهية مراجعة ضمائرهم، ولو لوهلة قبل انطلاق الصاروخ الآتي.
حيث، في اليوم الأول نفسه، سقط سقف مدرسة "شجرة طيبة" على رؤوس تلميذاتها في ميناب بصاروخ "توماهوك". بلغ عدد الضحايا 168، بينهم 110 طفلات ذهبن ببراءة إلى الموت، ودُفنّ داخل المدرسة.
الحرب مجددًا: ماذا نفعل بكل هذه المعارف؟
عاد هاريس من أمستردام إلى واشنطن، وعاد مستمعوه إلى بيوتهم يحملون ما سمعوا. وما زال "مايفن" يُغذّي الحرب بمعلوماته التي ستتحوّل إلى قتلى، وستستمرّ الضربات ليتحوّل الموت إلى عادة يومية لم نعد نستوعب فداحتها، وسيظلّ "كلود" يُصادِق ويُلخّص ويقترح، وسيظلّ "قلقًا" حيال دوره إن سُئل.
بحقائق مخزية، تجاوز عبثها الفنتازيا بمسافات ضوئية، نقل هاريس إلى جمهوره حجم الخراب. قدّم معارف وحقائق، لكنه دلّنا على عجزنا أيضًا؛ فالمعرفة، حين لا تتحوّل إلى فعل، تصيبنا بعقدة هاملت أمام قاتل أبيه وزوج أمه.
فها نحن نعرف كلّ شيء؛ لا تنقصنا الأرقام ولا الخوارزميات. نعي أنّ "مايفن" يدلّ على آلاف الأهداف الجاهزة للتدمير، وأنّ عشرين ثانيةً كافية له ليقضي على حياة المئات، على بيوتهم وأحلامهم ووطنيتهم أيضًا. نعلم تمامًا أنّ الأطفال ماتوا في ميناب لأنّ خوارزميةً دلّت على هدف ملائم، وبعدها ضغط أحدهم زرًّا. ثمّ ماذا؟ نُغلق وعينا، نُسكِر القلب، نتعب من الحقائق، بينما تستمرّ الحرب. الأميركيون يغطسون في صممهم، في وضوح مآربهم، ونحن في ارتباكنا. هم يفعلون، ونحن نعرف ما الذي يفعلونه، حيث لا يبقى لنا سوى الخجل حين نعي حجم الخراب الذي لا نستطيع أن نفعل حياله شيئًا سوى فضحه.