كلهم على حق

كلهم على حق

مساعدات في بيروت آب/أغسطس 2020 (Getty)

المهاجرون من لبنان على حق. البلد ينهار. القطاعات الأساسية في البلاد، مثل الصحة والتعليم والغذاء، تنحدر بسرعة لم يتوقعها أحد، إلى درك يصعب توقعه أيضًا. التهويل عادة طبقية، ولكن الناس تتشارك العادات. وبمعزل عن أي هزل، من حق كل فرد أن يحلم بحياة أكثر هدوءًا، حيث لا يحدث انفجار نووي فجأة، وتعود الحياة إلى طبيعتها في الأسبوع التالي. الهجرة، وهي ليست خيارًا طوعيًا على أي حال، قبل التفكير بالوجهة، ليست شيئًا جديدًا. جميع الناس تهاجر، من جميع البلدان، إلى جميع البلدان. والمهاجرون ليسوا ملزمين بشيء تجاه أوطانهم الأولى، باستثناء درجة علاقاتهم الشخصية بالذكريات. وهناك مجموعة منهم، تبدأ تمارين النسيان في صالة المطار، لحظة العبور من تحت اللافتة التي كتب عليها "المغادرين".  وبصراحة شديدة. في مطار بيروت، وفي لحظة ما، سينتابك شعور مزدوج بالامتنان لفكرة الهجرة، يحاربه شعور بالخجل من نفسك إما لأنك تهاجر كهارب، أو على الأعم لأنك تأخرت في اتخاذ قرار الهجرة كل هذه المدة. ولا يمكن لوم أحد، إلا في الأغنيات الوطنية أو في برامج "توك شو" عفنة. والأخيرة قد تلاحق المهاجرين إلى حيث يهاجرون، وتحثهم مثلًا على إرسال الأموال إلى أقاربهم في لبنان، لكي تختفي في برزخ المصارف. من حق المهاجرين أن يختفوا.

اللبنانيون، عمومًا، يشعرون بخجل من إعلان حبّهم للبنان. يشعرون أنه صغير جدًا لكي يحبّوه إلى هذه الدرجة، أو إلى الدرجة التي سيضطرون فيها التعبير عن محبّتهم للبلاد

الباقون أيضًا على حق. وليس عيبًا أن يكون المرء يحبّ بلاده. واللبنانيون، عمومًا، يشعرون بخجل من إعلان حبّهم للبنان. يشعرون أنه صغير جدًا لكي يحبّوه إلى هذه الدرجة، أو إلى الدرجة التي سيضطرون فيها التعبير عن محبّتهم للبلاد. ولعدة أسباب، وعلى مراحل تاريخية متعددة، صار هناك جزء منهم، يفضّل الانتماء إلى قضايا يعتقدون أنها أكبر منهم ومن لبنان. ما انفك هؤلاء يروجون لهذا الاعتقاد الطريف. ومن اللافت أن هؤلاء لم يثيروا شفقة أحد. وهم أحرار وعلى حق أيضًا. يمكنهم البقاء فهذا بلدهم هم أيضًا. حتى الآخرين، الذين لا يريدون الهجرة بسبب الكسل، لديهم الحق بذلك. الكسل حق غير معترف به عالميًا، ولكنه يبقى حقًا غير مشروط، مثل الحق بالنوم والوقوف على الشرفة بلا خوف من وصول قذيفة طائشة. وقد يكون هناك من يفضّل البقاء تحت رحمة مجموعة "طاولة الحوار الوطني"، على العيش في أوروبا، في غرفة بحجم 20 مترًا مربعًا، ثم يضطر في مرحلة لاحقة لشراء كلب يشاركه الغرفة والنزهة. ليس خيارًا سيئًا تفضيل الكلاب الوطنية على الكلاب الأخرى. لديهم الحق في ذلك.

اقرأ/ي أيضًا: اللاجئون السوريون في لبنان يعانون انعدام الأمن الغذائي في رمضان

الذين يأخذون الإعاشات من الجمعيات المهووسة بالعطاء لوجه الله، ومن الأحزاب النبيلة التي، وفي لحظة الحقيقة، تظهر جوهرها الحقيقي، وتوضبه في صناديق، وتوزعه على الفقراء والمحتاجين. هؤلاء، الذين يحصلون على مساعدات، وهم بحاجة إليها على أي حال، ليسوا بحاجة إلى دفاع. إنهم على حق. وهم على ما يبدو، لن يردوا أو يساجلوا في أية حال، وليس لديهم أي وقت، أو موقف. سيأخذون المساعدات، مثلما أخذوا رهائن في الحرب، ومثلما مات أقاربهم دفاعًا عن المجتمعات الأهلية. وإذا تحدثت إلى أحد يندر ألا يخبرك بأن لبنان لا يُصلحه أحد، فلماذا التكبر على مجموعة كبيرة من المحتاجين، الذين ليس لديهم ترف التفكير أو إنتاج معرفة جديدة أو التفرّج على الترجمات العظيمة لأنطولوجيا الشِعر الإيطالي المعاصر. في ذات الوقت، الذين لا يريدون الإعاشات على حق أيضًا. وقد تكون أحوالهم المادية غالبًا أفضل من أحوال فئة كبيرة من الفئة الأولى، إلى تلك الدرجة التي تسهّ عليهم أن يتخذوا موقفًا. وحتى لو أخذ أحد ما موقفًا ما وانتفض لكرامته، وطالب الدولة بحقوقه، لا يجب أن يتهمه أحد بالهذيان، أو يتلو عليه النكتة السمجة عن سويسرا، ويجب الاستماع إليه بانتباه شديد.

لا يمكن القول إن البلد عبارة عن قالب كبير من الجنبة تتقاسمه المجموعة الحاكمة، بل في أفضل أحواله أشبه بقالب فارغ

الذين يسحبون أوراق اللوتو دوريًا، والذين ليس لديهم أي أمل في أي شيء. كلاهما على حق. ليس سيئًا أن تربح. قبل يومين، ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي اللبناني بخبرٍ عن شاب لم يتجاوز العشرين من عمره بعد، فار بجائزة اللوتو أخيرًا، التي تبلغ قيمتها أكثر من 10 مليارات ليرة ونصف، حتى الآن، أي مئات آلاف الدولارات حسب سعر الصرف الراقص. وهذا يمنح الكثيرين أملًا طيبًا بأن يربحوا ذات يوم، وأن يحصل كل واحد منهم على أكثر من 10 مليارات ليرة لبنانية، قد تكفي آنذاك لشراء حفاضات للأطفال وعلبة محارم ورقية (في لبنان تسمّى المحارم الورقية "كلينكس"، نسبةً إلى إحدى الشركات الرائدة في توزيعها مطلع التسعينيات). في المقابل، الذين فقدوا الأمل تمامًا، ولا نية لديهم بالبحث عنه، على حق هم أيضًا بدورهم. قد يجدون الأمل فجأة، ثم يكتشفون، أنه كما تقول أغاني الحبّ المصرية مطلع التسعينيات، كان أملًا كاذبًا. الأمل من أنواع المورفين، ومثل معظم المسكنات، بعد زواله يشتد الألم.

اقرأ/ي أيضًا: الذكرى الـ46 للحرب الأهلية اللبنانية بعين الناشطين

الأحزاب، الميليشيات، كلهم على حق أيضًا. كيف يمكن أن يتحول هؤلاء إلى آخرين. لا يمكنهم أن يغيّروا أو يتغيّروا. ومع أنه، وفي ظل الظروف الحالية، حيث لا يمكن القول إن البلد عبارة عن قالب كبير من الجنبة تتقاسمه المجموعة الحاكمة، بل في أفضل أحواله أشبه بقالب فارغ. المحللون السياسيون وباعة الجلاب الذين يبيعون القنينة بستين ألف ليرة، بعدما كانت بستة آلاف قبل عام، على حق أيضًا. الذين يطلقون أبواقهم تذمرًا بأن العالم لم يعترف بهم كأشخاص في غاية الأهمية، والأشخاص الذين لا يمكنهم النوم قبل الثالثة فجرًا لأن صوت التلفزيون عند الجيران يلعلع في منازلهم، جميهم، كل هؤلاء على الحق، الجميع على حق.

 

هامش

 

اقرأ/ي أيضًا:

عن كورونا اللبناني

كيف وصل لبنان إلى قائمة بؤر الجوع الساخنة؟