كفى.. إنها خسارة، ليسَ أكثر
20 ديسمبر 2025
الثلاثاء، الحادي والثلاثين من آب / أغسطس عام 1999، بعد حوالي ستّة أشهر من رحيل الملك الحُسين بن طلال، وفي المدينة الرياضية، كنّا، برغم كلِّ ما كُنّاه، على موعدٍ مع فرحة تاريخية لم تكن سهلة، بل عسيرة، عانقناها وعانقتنا بعد السير في دربٍ ذابَ فيه من الأعصابِ ما ذاب، وذبل فيه من الأعمار ما ذبل، وضربت الجَلطات رقمًا قياسيًا في مرورها على قلوبِ شعبٍ، كان يرتجي رشفةَ أملٍ تأتيه من أحدى عشرَ لاعبًا ضمن قائمةٍ تضمُ أسماء كُثر، يشكلون فريقًا واحدًا، ويعرفون رسميًا باسم "المنتخب الوطني الأردني لكرة القدم"، مختصره اليوم.. النشامى.
كانَ يومًا عَصيبًا
في المباراة النهائية لدورة الألعاب العربية - دورة الحُسين - التي حقق منتخبنا الوطني ميداليته الذهبية قبل عامين من ذلك التاريخ في بيروت، كانت المواجهة الأصعب مع منتخب العراق، ولم يبخل اللاعبون على الجماهير بشيء، النتيجة 4-0 لصالح أصحاب الأرض، نحنُ، النشامى، وطريقنا لمنصة التتويج واضح، لكن، على ما يبدو، هنالك من أطفأ ضوء الطريق المؤدي إلى المركز الأول، والبطولة.
تفاصيل المباراة ليست ما نريده اليوم، ولمن يرغب، فهنا مختصر لها، بتعليق الأساتذة محمد المعيدي وعثمان القريني، الدقيقة 11:06 من الفيديو السابق، يُعطي لَمحة عما تعنيه فرحة الفوز لنا، التي لا تأتينا كما يقولون.. "بالساهل".
انتظرنا سنوات خمس بعد ذلك الإنجاز العربي التاريخي، لنلعب في بطولة كأس آسيا التي نظمتها الصين عام 2004، وتأهل منتخبنا إلى دور الثمانية ليواجه اليابان، وبعد أن أحرز المنتخبُ الياباني هدف التعادل، تم الاحتكامُ لضربات الحظ - الترجيح - فخسرنا اللقاء بعد دراما تغيير المرمى وما تبعها، ليكمل منتخبُ اليابان سيره نحو اللقب، وكان عزاؤنا يومها أن المنتخبَ لم يرفع الكأس، بل رفع الرأس.
عشنا على رفع الرأس، دونَ كأسٍ تحول شوارع عمّان والزرقاء والعقبة وإربد والكرك ومعان والشوبك والطفيلة ووادي موسى وعجلون والرمثا وكل حارّة في بلدنا إلى احتفالٍ تاريخي مذهّب بلقبٍ بطولة كبرى، وأهدافٍ للتاريخ.
سنوات أخرى مرّت، ونسينا كيف يكون طعمُ الهدف الذي سيحققُ لنا فرحةً في مرمى الخَصم، وصرنا نبحثُ عن تأهل من تصفيةٍ أولى إلى ثانية، لنهائياتٍ نحلمُ أن نرى اسمًا يُشبهنا في الاصدار الخاص لألبوم صور لاعبي كأس العالم، ورغبتنا القوية في أن نسمع اسم مهاجم منتخبنا يُنطقُ بلكنة أجنبية على لسان مختصي التحليل الكُروي، محذرين منه منتخباتهم، ومشيدين بالأهداف التي حققها جريس، وبدران، وحسن، وأنس، وعدّي، ومحمود، وعبد الله…
أتذكرُ تمامًا ذلك اليوم الذي تأهلنا فيه إلى ملحق تصفيات كأس العالم 2014، العاشر من أيلول/سبتمبر من العام 2013، لم أتابع المباراة لتصادفها مع حفل مارسيل خليفة في جبل القلعة، وأتذكر أيضًا كيف احتفلنا حين وصلنا خبر فوزنا على أوزباكستان في طشقند لنواجه الأورغواي في الملحق العالمي، أورغواي سواريز وكافاني والباقي تفاصيل..
في عمّان، الثالث عشر من تشرين الثاني / نوفمبر عام 2013، وفي نفس الاستاد الذي كان مبعثَ فرحٍ عام 1999، واجه منتخبنا الأورغواي، ولاختصار الكثير مما حدث، فقد احتفلت جماهيرًُ الأردن بالهدف الخامس للأورغواي كأنه لمنتخبها، في مشهدٍ لا أظنُّ أنه عاديٌ لغيرنا، لكننا، وبحكم ضيافتنا وكرمنا وأردنيتنا، لم نُشعر الأورغواي بأنهم "غريبين بلاد"، ولأننا أيضًا، لم نكن على أملٍ بالوصول إلى البرازيل لخوض مبارياتٍ كأس العالم في العام التالي.
- أتذكرُ أيضًا، أننا بعد تعادلنا مع الأورغواي في الأورغواي في مباراة الإياب، احتفلنا بهذا التعادل، متناسين أننا "أكلنا" خمسة في عمّان.
نسينا كرة القدم، ولم يعنينا أداء المنتخب الوطني، بالبلدي، وفرنا أعصابنا، منذ آخر "إنجاز" حققناه، وكان التأهل إلى ملحق الملحق للتصفيات.. إلى أن جاء من أشعل الضوء لنرى مقدار خطوتين أو ثلاث في هذا النفق المُعتم الذي اعتدنا عتمته، فهجرناه.
*
عشرُ سنواتٍ كاملة هجرناه، فقدنا الأمل، وأكملنا حياتنا العادية.
عاديّةٌ تمامًا حياتنا كانت تسير إلى أن واجه منتخبنا الفريقَ العراقي في كأس آسيا 2023، صحوتُ أنا وأترابي الذين يعيشون على أطلال الميدالية الذهبية تلك، على فوزٍ "هتشكوكي"، الصحوةُ تلك كانت بمثابة من أنارَ بقية الطريق التي غادرناها منذ عشر سنوات وأكثر، تشجعنا فعدنا، شجّعنا ووصلوا إلى المباراة النهائية، ورفعوا الرأس مجددًا بتحقيق المركز الثاني.
**
"لا شعورَ أفضل، أمتع، أجمل، ألذ، أحلى من شعور الفوز، وتحقيق المركز الأول في أيّ شيء".
لا تحتملُ نقاشًا ولا فلسفة، التفوق هو ما يستحقُ الفرح، لا الأداء الذي يؤدي إلى المركز الثاني، وهو بالمناسبة، الخاسرُ الأول، فمن يتذكرُ آداء منتخب السودان أو جزر القمر في البطولة الأخيرة؟
***
مللنا تمجيدَ المركزَ الثاني، وتغليفه بورقِ الإنجاز والبطولة، كأننا أقصرُ من ارتفاع عتبة المركز الأول.
نطيرُ وراء الحُلم من عاصمةٍ إلى أخرى لنكون أوائل المحتفلين، والعائدين بالكأس، كما وعدنا سائق التكسي، وعاملُ الوطن، وموظفُ أمن المطار، وعمّال شركةُ الطيران، ومن نحُب، ولم نفي بالوعد حتى اليوم.
مللنا الاحتفالات التي نشاهدها لغيرنا ونحنُ الفريقُ الخاسر، مللنا العيشَ على أملٍ بمستقبل هذا الفريق لتحقيق البطولات القادمة، مللنا تذوقَ لذّة البطولة دون بلعها وهضمها واستقرارها في حقيقتنا، وحياتنا، والعاديُّ منّا وفينا.
خَبِرنا دورَ الخاسر الأنيق، راكمنا معرفةً وحياةً بانتظارِ دورِ البطل الذي يحقُ له كلَّ شيء، فنمارسُ تواضعنا المستقر فينا، وننتشي بلذة المنتصر.
نحنُ الجيل الذي لا يتذكرُ من البطولات سوى ذهبية يتيمة تحققت بعد أن جفّت الدماء في عروق المشجعين، نحنُ الذين انتظرنا اللاعبين ليصلوا الملعب متأخرين بسبب أعمالهم الأساسية التي يتقاضونَ رواتبهم منها، انتظرنا ما انتظرناه من وقتٍ لنرى منتخبنا على مشارفِ بطولة دولية نستحقها، فتنتهي المباراة معلنة أننا أصحاب المركز الثاني فيها.
****
ستنتهي عقدة المركز الثاني حين نتوقفُ عن التهليل له، واعتباره انجازًا يستحق الاحتفال، وحين يشعر الجميع أن المركز الثاني هو الخسارةُ الكُبرى إن كُنّا نريدُ المنافسة، وأن لا ثناء عليه، بل شكرُ على واجب، حينها فقط ستنحلُ العقدة، وستأتي الألقابُ تباعًا.
في المباريات العادية، تختلفُ نسبُ الفوز والخسارة بمقدار قوة الفريقين، أمّا النهائيات، فاحتمالاتها متساوية، فلم يصل أي طرفٍ لنهائي بطولة، إلاّ عن استحقاق كثير وحظٍ قليل رافقهُ في طريقه، والأهم، جمهورٌ يشجعه ويقف معه.
أكادُ أجزم أن المنتخب الأردني بمشجعيه المخلصين المجانين من كل الفئات العُمرية في المجتمع، والقدماء منهم ما زالوا يستعيدون تلك اللحظات في العام 1999 ليعبّروّا لأجيال بعدهم، كيف كان وقعُ اسم "سُفيان" عليهم.. في ركلة الترجيح الأخير.
*
مشهد خاص
في ذلك اليوم، كنتُ أتابع المباراة في مقهى يقع في منطقة الرابية مع زملاء المدرسة، أتذكر تمامًا حَمَّ الاسفلت حين أحرز سفيان تلك الركلة الشهيرة، فما وجدتُ نفسي إلاّ ساجدًا شكرًا لله، أنا ومعي أكثر من ثلاثينَ مشجعًا مؤمنًا منتظرًا متمنيًا الفوز.
**
في لوسيل، الدوحة، كنّا أكثر من خمسين ألفًا، موعودين وواعدين أن نعودَ بالكأس لما آمنا به من قدرة واستحقاق ومهارة ونتائج، لكنّنا ربما أغفلنا جزء الحظ فتفوقَ الطرفُ الآخر، وخسرنا النهائي الثاني خلال سنتين.
***
"Second place is the first loser”
هذا تمامًا، ما يجب الإيمان به، لنقتنع بأن المركز الثاني لا شيء يُذكر.