"كريف" والنقاش المحظور: فلسطين وإسرائيل وحدود القول في فرنسا
18 ديسمبر 2025
منذ السابع من أكتوبر عام 2023، لم يعد المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا "كريف" (CRIF) مجرد هيئة تزعم تمثيل الجالية اليهودية أو الدفاع عنها في مواجهة خطاب الكراهية، بل تحوّل إلى فاعل سياسي مركزي يعيد ضبط المجال العام الفرنسي، ويؤطر النقاش حول فلسطين وإسرائيل، ويضع حدودًا صارمة لما يمكن قوله أو التفكير فيه باسم مكافحة "معاداة السامية". هذا التحول لا يمكن فهمه كاستجابة ظرفية لحدث أمني صادم، بل بوصفه لحظة تكثيف لبنية نفوذ قائمة، استثمرت الصدمة لتوسيع سلطتها الرمزية والسياسية داخل الدولة والمجتمع.
تأسس "كريف" عام 1943 كإطار فيدرالي جامع لمؤسسات الجالية اليهودية، وحرص منذ نشأته على تقديم نفسه كهيئة "غير سياسية" و"علمانية". غير أن هذا الادعاء بالحياد لا يعني غياب السياسة، بل على العكس، يمثّل شرطًا بنيويًا لاختراق الحقل السياسي الفرنسي. ووفق مقاربة الفيلسوف الفرنسي الراحل بيار بورديو، فإن هذا "الحياد" يشكّل شكلًا من أشكال الرأسمال الرمزي الذي يسمح للفاعل بالتحرك داخل الحقول المختلفة دون أن يُنظر إليه كطرف منحاز. فالعلمانية المعلنة لا تلغي الفعل السياسي، بل تمنحه شرعية مضاعفة داخل جمهورية تتحسس من أي تمثيل طائفي صريح.
بعد السابع من أكتوبر 2023، ومع تصاعد المخاوف المرتبطة بـ"معاداة السامية" واستدعاء "الهولوكوست" بوصفه مرجعًا أخلاقياً أعلى، نجح "كريف" في تحويل هذا الرأسمال الرمزي إلى نفوذ سياسي مباشر، فلم يعد دوره محصورًا في الدفاع الخطابي عن الجالية، بل بات يساهم في إعادة رسم أولويات السياسات الداخلية، والتأثير على توجهات فرنسا الخارجية، خصوصًا فيما يتعلق بالحرب على غزة ومسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
تأسس "كريف" عام 1943 كإطار فيدرالي جامع لمؤسسات الجالية اليهودية، وحرص منذ نشأته على تقديم نفسه كهيئة "غير سياسية" و"علمانية". غير أن هذا الادعاء بالحياد لا يعني غياب السياسة، بل على العكس، يمثّل شرطًا بنيويًا لاختراق الحقل السياسي الفرنسي
تكمن قوة المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا في بنيته الفيدرالية المعقدة التي تضم أكثر من سبعين جمعية ومؤسسة، موزعة على ثلاثة أعمدة متداخلة: عمود اجتماعي–إنساني يوفر شبكة خدمات ويعزز الحضور المجتمعي، وعمود ذاكراتي يحتكر السلطة الأخلاقية من خلال مؤسسات "الهولوكوست"، وعمود صهيوني–مالي مرتبط مباشرة بالمشروع الإسرائيلي. هذا التداخل يمنح المجلس، بلغة بورديو أيضا، قدرة على التحكم في شروط الشرعية داخل الحقل السياسي، أي تحديد من يُمنح صفة "الناطق المشروع"، ومن يُقصى باعتباره خطرًا أخلاقيًا أو تهديدًا للنظام العام.
في هذا السياق، تتحول تهمة "معاداة السامية" من مفهوم قانوني وأخلاقي لحماية جماعة تاريخيًا مضطهدة، إلى أداة ضبط وإقصاء سياسي. فكل نقد للسياسات الإسرائيلية، حتى وإن استند إلى القانون الدولي أو خطاب حقوق الإنسان، يُعاد تأطيره بوصفه انزلاقًا أخلاقيًا أو تواطؤًا مع العنف، كما أن استهداف المثقفين النقديين لا يهدف فقط إلى إسكاتهم، بل إلى فرض مناخ ردعي على الحقل الثقافي بأكمله، حيث يصبح التفكير والنقد نفسه فعلًا محفوفًا بالمخاطر.
ويمتد هذا المنطق إلى المجال القضائي، عبر الضغط المستمر لتجريم الدعوة إلى مقاطعة إسرائيل وحظر حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS). هنا، يمكن استدعاء كارل شميت لفهم طبيعة ما يجري: فالدولة، باسم مواجهة تهديد يُقدَّم بوصفه وجوديًا، تدخل منطق حالة الاستثناء، حيث تُعلّق الحريات الأساسية بدعوى حماية النظام. لا يعود السؤال: هل النقد مشروع؟ بل يتحول إلى: هل صاحبه يُصنّف ضمن دائرة "الصديق" أم "العدو"؟
هذا المنطق "الشميتي" يتجلى بوضوح في ملف الاعتراف بالدولة الفلسطينية. فعندما ألمح الرئيس إيمانويل ماكرون إلى إمكانية الاعتراف في تموز/يوليو 2025، جاء رد "كريف" حادًا وقاطعًا، واصفًا الخطوة بأنها "خطأ أخلاقي وخطر سياسي". هذا الموقف لا يعكس مجرد اختلاف في الرأي، بل ممارسة فعلية لرفع كلفة القرار السيادي إلى حدّ التجميد، وكأن السياسة الخارجية الفرنسية باتت خاضعة لفيتو رمزي غير مكتوب.
إعلاميًا، يفرض "كريف" هيمنة سردية واضحة، عبر تقديم نفسه بوصفه الصوت الشرعي الوحيد للجالية اليهودية، ما يؤدي إلى تهميش الأصوات اليهودية المناهضة للصهيونية أو المتضامنة مع الفلسطينيين. هذه الهيمنة لا تُفرض بالقوة، بل من خلال ما يسميه بورديو، ومعه ألتوسير، العنف الرمزي: فرض معنى واحد بوصفه بديهيًا وأخلاقيًا، بحيث يبدو الخروج عنه انحرافًا أو تطرفًا. التسلط الرمزي هذا يمتد ليشمل الوسط الإعلامي والثقافي، حيث تُمنح الجوائز والتكريمات، مثل جائزة "كريف" لعام 2025، كأداة لمكافأة التوافق مع السردية الرسمية، وتحفيز تبني الخطاب المطلوب.
أما العشاء السنوي لـلمجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا ، فيغدو حدثًا سياسيًا بامتياز، يتسابق فيه السياسيون الفرنسيون من مختلف الأطياف لإظهار ولائهم للخطاب المهيمن، وهو ليس مجرد حدث اجتماعي، بل منصة لإعادة صياغة حدود الولاء والانتماء. هنا، تتضح مسرحية العدو والصديق: منتقدو إسرائيل، المتضامنون مع غزة، أو من يجرؤون على وصف النظام الإسرائيلي بنظام فصل عنصري أو نظام إبادي، يتحولون إلى خصوم سياسيين وأخلاقيين، يُعاد ضبطهم داخل المجال العام بطرق مُختلفة.
يفرض "كريف" هيمنة سردية واضحة، عبر تقديم نفسه بوصفه الصوت الشرعي الوحيد للجالية اليهودية، ما يؤدي إلى تهميش الأصوات اليهودية المناهضة للصهيونية أو المتضامنة مع الفلسطينيين
داخليًا، يسهم خطاب "كريف" في تحويل الوجود الإسلامي في فرنسا إلى مسألة أمنية. ربط معاداة السامية بـ"الإسلام المتطرف" لا يقتصر على تبرير إجراءات المراقبة والقمع، بل يعمّق الانقسام المجتمعي، ويحوّل شريحة واسعة من المجتمع إلى كيان مشتبه به دائمًا. هذا الربط بين معاداة السامية ومكافحة الإرهاب لا يعكس مجرد قلق أمني، بل استراتيجية سياسية لإعادة إنتاج دائرة الصديق والعدو، وتحقيق السيطرة الرمزية على المجتمع بأسره.
ورغم هذا النفوذ المتعاظم، فإن شرعية "كريف" ليست مطلقة. فوجود منظمات يهودية فرنسية مناهضة للصهيونية، وإن كانت ليست بذات القوة، مثل الاتحاد اليهودي الفرنسي من أجل السلام، يكسر وهم "الصوت الواحد"، ويؤكد أن الجالية اليهودية ليست كتلة متجانسة. ربط الهوية اليهودية بالسياسة الإسرائيلية ليس أمرًا بديهيًا، بل خيار سياسي واجتماعي يمكن معارضته، وهذه المعارضة تعكس اختلاف السرديات داخل الجالية نفسها.
نهاية، لم يكن ما بعد 7 أكتوبر مجرد لحظة تضامن أو خوف، بل لحظة إعادة توزيع للرأسمال الرمزي داخل فرنسا. تحوّل "كريف" من هيئة تمثيلية إلى فاعل يعمل كضابط للمعنى، وكأنه "وزارة خارجية غير رسمية" لإسرائيل داخل الأراضي الفرنسية. هذا التحول يضع السيادة الفرنسية أمام اختبار حاسم، ويحوّل مكافحة الكراهية إلى أداة لتعليق الحريات. فحين تُستخدم الذاكرة كسلاح، ويُعاد تعريف السياسة بمنطق الاستثناء، يصبح المجال العام أقل ديمقراطية، وأكثر خضوعًا لقواعد غير معلنة، تحكم ما يمكن قوله باسم الأخلاق، وتحدد من يُسمح له بالتحدث ومن يُسجن في هامش الشك السياسي والاجتماعي.