كرة القدم مقاومة أيضًا

كرة القدم مقاومة أيضًا

الرياضة مقاومة (توماس كويكس/أ.ف.ب/Getty)

هل يمكن لعب كرة القدم بشكلها "شبه الاحترافي"، وعلى بُعد بضعة كيلو مترات تجري مواجهات دامية مع المُحتل، تخلّف شهداء وجرحى ومعتقلين؟ نعم، يحدث ذلك في فلسطين هذه الأيام؛ ففي وقت تتواصل "الانتفاضة" ضد الاحتلال في الشوارع وأمام الحواجز والمستوطنات، يركض لاعبون فوق المستطيلات الخضراء ويتصارعون على الكرة، في الضفة الغربية، وكذلك في غزة.

المسألة تبدو محيرة تمامًا. فاتحاد الكرة المحلي يجد نفسه في موضع خلق المبررات لقراره باستمرار مباريات الدوري في الضفة والقطاع، رغم أن الانتقادات له علنية، فيما تشكو الملاعب من قلة الحضور الجماهيري. والمزاج العام لا يستسيغ "هضم" القرار في هذه الأجواء المشحونة.

"المسألة ليست كروية فقط. بل إن ثمة رسائل عديدة يمكن إيصالها عبر إقامة المباريات في هذه الظروف"، هذا ما يقوله الناطق باسم اتحاد الكرة الفلسطيني تيسير نصر الله لـ"ألترا صوت"، ويؤكد أن لعب كرة القدم في فلسطين نوع من أنواع المقاومة للاحتلال.

نصر الله يعترف بأن نسبة الحضور الجماهيري للمباريات انخفضت بشكل كبير جدًا، لكنه يعود ليؤكد بأن لا شيء على الإطلاق – في الوقت الحالي - يمكن أن يدفع الاتحاد لاتخاذ قرار بوقف المسابقات الرسمية، على اعتبار أن الأوضاع داخل مدن الضفة وغزة شبه طبيعية، بخلاف ما يجري في مناطق التماس، وفي مدينة القدس.

لكن ماذا لو تصاعدت وتيرة المواجهة، خصوصًا في مدن وقرى الضفة الغربية التي يتحكم جيش الاحتلال في أوصالها؟ يجيب نصر الله: "هنا سيضطر الاتحاد لإعادة تقييم الموقف، وربما يقرر تعليق النشاط الكروي بشكل مؤقت لحين استتباب الأمور".

اتحاد كرة القدم يعترف بأن نسبة الحضور الجماهيري  الفلسطيني للمباريات انخفضت بشكل كبير جدًا

تبريرات الاتحاد تجد من يتبناها، فكثيرون يؤمنون فعلًا بأن استمرار الحياة على نفس النسق في الأراضي الفلسطينية، رغم الأوضاع غير العادية على صعيد المواجهة مع إسرائيل، هو تأكيد على خصوصية الوضع الفلسطيني، الذي يحتاج دائمًا لقدرة عالية على التكيّف والتعايش مع الظروف مهما كانت.

اقرأ/ي أيضًا:  لاعبو غزة.. عمال نهارًا ونجوم ليلًا

حول ذلك يقول عمر قشطة، رئيس نادي شباب رفح، البطل السابق للدوري في غزة، لـ"ألترا صوت": "لم تكن الأوضاع العامة في فلسطين يومًا طبيعية بفعل الاحتلال وممارساته، ولو استسلمنا لهذا الواقع في كل مرة فلن تُلعب كرة القدم هنا أبدًا".

يعتقد قشطة أن مباريات كرة القدم في فلسطين تمثّل فسحة صغيرة للشباب للترويح قليلاً عن أنفسهم، كما أن اللاعبين والجماهير على حد سواء يشاركون في الفعاليات المناوئة للاحتلال بطريقتهم الخاصة، عبر رفع الشعارات والأعلام وصور الشهداء، ولا شيئ يمنعهم بعد المباريات أو قبلها من الذهاب لمناطق المواجهات مع الاحتلال.

في المقابل، هناك من لا يضع ممارسة كرة القدم ضمن لائحة الأساليب "النضالية"، ففي الوقت الذي تُغلَق المحال التجارية والأسواق مثلًا في مدن بعينها بفعل "الإضراب الشامل"، مع ما يستتبع ذلك من خسائر اقتصادية وتأثير على أصحاب تلك المحال؛ يقول الرافضون أنه من باب أولى إغلاق الملاعب والتوقف عن مداعبة الكرة.

اللاعبون الفلسطينيون يجدون أنفسهم مجبرين على خوض المباريات مع فرقهم رغم صعوبة الأحوال

من هؤلاء لاعبون يجدون أنفسهم مجبرين على خوض المباريات مع فرقهم، رغم أن حالتهم لا تسمح لهم بذلك. أحدهم لاعب معروف في غزة تحدث لـ"ألترا صوت" مشترطًا عدم نشر اسمه، خشية تأثر فرصه مستقبلًا في الانضمام للمنتخب الوطني، كما يقول.

اللاعب الشاب أكد أنه واجه عتابًا من أقرب المقربين إليه داخل عائلته، بعدما حمل حقيبته بعد الظهر استعدادًا لخوض مباراة فريقه الأسبوع الماضي في دوري غزة، بينما كانت شاشة التلفاز داخل المنزل تبث صورًا لشهداء يسقطون في مواجهات مع الاحتلال بالقرب من معبر "بيت حانون" شمال القطاع، والذي يبعد بضعة كيلو مترات عن ملعب المباراة.

يقول اللاعب لـ"ألترا صوت"، إن الأمر ليس سهلًا عليه وعلى زملائه. ويعترف بأنه في الوقت الذي يتعين عليه أن يكون في ساحة المواجهة أو الاعتصام، أو المكوث داخل المنزل في أضعف الايمان؛ يجد نفسه داخل الملعب مُطالَبًا باللعب والفوز وإهداء القبلات للجماهير القليلة التي تأتي إلى المدرجات، لأجل بعض الفرح، ضدّ هذا الحزن العظيم.

اقرأ/ي أيضًا: المستحيل ليس فلسطينيًا