كتاب

كتاب "معضلات العدالة الانتقالية".. قصة التحول الديمقراطي التي لم تكتمل

الكتاب في مكتبة الشبكة العربية في الدار البيضاء

حين تهتز أركان الدولة المستبدة الجاثمة على صدور جماعاتها تحت وطأة الفعل الثوري، وتشرع النخب السياسية في عملية الانتقال الديمقراطي، يطالب ثوار الميادين ممثليهم برفع المشانق وفتح الملفات لمحاكمة رموز النظام "القديم" من قضاة وجنرالات، ولا تتوقف هذه الحماسة عند الثوار فحسب، وإنما تشمل منظرين في التحول الديمقراطي أيضًا، فبارينغتون مور يُصر على أن التغيير السياسي بشكله الثوري يستلزم تدميرًا عنيفًا للطبقات المهيمنة، وترى ثيدا سكوكبول أن على قادة الثورة استهداف المؤسسات الحكومية التابعة للنظام السابق لإحداث تغيير ثوري حقيقي في المجتمع.

يُصر بارينغتون مور على أن التغيير السياسي بشكله الثوري يستلزم تدميرًا عنيفًا للطبقات المهيمنة

تأخذنا نويل كالهون في رحلة استكشافية ماتعة في كتابها "معضلات العدالة الانتقالية: في التحول من دول شمولية إلى دول ديمقراطية"  (الشبكة العربية للأبحاث والنشر) مُجيبة عن السؤال المركزي "كيف نتصالح مع الماضي القمعي ونتجاوزه؟"، إذ تطرح الإجابة من زاويتي: التعامل مع رموز النظام السابق ومؤسساته القمعية كالقضاء والاستخبارات، ومعالجة جراح المتضررين ماديًا ومعنويًا.

وخلاصة "المعضلات": أنّنا إن تصرفنا بعنف شديد تجاه تلك القوى ستقلب عملية الانتقال الديمقراطي على رؤوسنا، وإن تركناهم فستبقى عملية الانتقال مهددة لفترات طويلة، فيما يُخَيِّمُ الخوف والقلق على المجتمع الذي يحاول النهوض.

اقرأ/ي أيضًا: العدالة الانتقالية في المغرب.. رد الاعتبار إلى السياسة والعمل السياسي

تسبر الباحثة في أغوار المعضلات التي واجهت العديد من الدول في مسعاها لإقامة العدل في سياق الانتقال إلى الديمقراطية، بلغة قصصية ممتعة، في 300 صفحة مقسمة إلى خمسة فصول، فصلان للمقاربة النظرية وثلاثة هي دراسات حالة عن ألمانيا الشرقية، وبولندا، وروسيا.

استراتيجيات العدالة الانتقالية

تتوصل الباحثة إلى ثلاثة مسارات تم اعتمادها لتسوية جرائم الأنظمة السابقة، وذلك من خلال مراجعتها الدقيقة لتجربة القرن المنصرم في عملية الانتقال الديمقراطي، وتحديدًا في الدول التي هيمنت عليها الأنظمة الشيوعية المُثقلة بانتهاكات حقوق الإنسان، ما يجعل عملية التسوية خطرة جدًا بسبب إرث الكراهية الذي يملأ النفوس، وهذه المسارات هي:

أولاً: القصاص العنيف

يعد الجزاء الحازم أحد سبل تحقيق العدالة والإنصاف من الجرائم الشنيعة، وأحد أفضل الطرق التي تروق للثائرين وعامة الناس، فهي بمثابة "تطهير عاطفي" يمنحهم شعورًا بقيام العدل، لكن نويل كالهون تستنج أنَّ عواقب هذه السياسة وخيمة، فالعنف يتحول في أغلب الأحيان إلى دوامة رهيبة تجر مزيدًا من أعمال العنف، وفي ذات الوقت يكون العقاب الصارم أداة وحشية لا تتيح للثوار التأني في تقييم أدلة "الإثم الفردي"، ففي الثورة الروسية كُتب الهلاك على بنات القيصر جنبًا إلى جنب مع المسؤولين مباشرة عن جرائم النظام السابق.

ثانياً: سلوان الماضي

تأتي مقاربة نسيان الماضي في الدرجة الثانية انتشارًا بين عمليات التسوية، خصوصًا في البلدان التي شهدت انتهاكات مُمنهجة وواسعة النطاق، في محاولة لتحاشي الخلاف حول الماضي، أملًا بأن تساعد في الحفاظ على السلام الاجتماعي وإرساء دعائم الوحدة الوطنية، واعتمدت هذه المقاربة في روسيا الاتحادية وجمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقًا.

إلّا أنَّ عواقبها على المدى البعيد ربما تكون خطيرة جدًا:

- فترسيخ الهوية الوطنية بين الشمال والجنوب في الولايات المتحدة بسلوان الماضي، حفَرَ هوةً عميقةً بين البيض والسود يصعب تجسيرها.

- وفي فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية عاد بعض الشخصيات لاستلام مناصبَ رفيعةٍ، رغم أنّها عملت بقوة مع نظام الحكم في مدينة فيشي، الذي أرسل اليهود عن طيب خاطر إلى غرف الإعدام بالغاز في ألمانيا، وبعد مرور بضعة أعوام تورط بعضهم في الحرب الشعواء التي شنتها فرنسا ضد الجزائر حين طالبت باستقلالها، فهل كان الفشل في معاقبة الجناة في حقبة زمنية معينة حافزًا لإمعانهم بالإجرام في حقبة تالية؟

هل كان الفشل في معاقبة الجناة في حقبة زمنية معينة حافزًا لإمعانهم بالإجرام في حقبة تالية؟

ثالثاً: سياسات الحق والعدل

هذه السياسة الثالثة تعد الطريقة الفُضلى التي تضمن سلامة تحول مؤسسات الدولة بهدوء وسلاسة، وفي ذات الوقت تحافظ بقدر كبير على سلامة البنى الاجتماعية دون إدخالها في دوامة العنف، وهي السياسة التي يجب الالتزام بها طالما تسعى المجتمعات إلى بناء ديمقراطية بعد عقودٍ طويلة من حكم الطغاة، لأن هذه السياسة ولدت من رحم العقيدة الديمقراطية الليبرالية.

اقرأ/ي أيضًا: عصام العامري في كتابه "المأزق العالمي للديمقراطية".. الشرعية التي تتآكل

فهي تبشر بأن تكون البديل لنقيضين لا يجتمعان: العقاب الصارم وسلوان الماضي، حيث تقدم هذه المقاربة "شيئًا" من العدالة، يقوم مقام العدالة الوحشية أو الغياب التام للعدل، وهذا الحل بنسبة للباحثة قابل للتطبيق من المنظور السياسي ومعقول أخلاقيًا.

أدوات العدالة الانتقالية

تضعنا نويل كالهون في الفصل الثاني أمام خمس أدوات رئيسة وهبتنا إياها العقيدة الديمقراطية الليبرالية لتسبر أغوار طبيعة هذه العقيدة ذاتها، فتستكشف مضامينها المتعلقة بالعدالة الانتقالية، مُصاغة بأسلوب منظم ولغة بعيدة عن التعقيد النظري. وهي: العقد الاجتماعي، سيادة القانون، مشاركة الجميع، المصارحة والشفافية، العدل والمسؤولية السياسية.

ولا يجوز في الأداة الأولى استبعاد الأفراد من العقد الاجتماعي بذريعة الإجرام فيما مضى. فالعقد يشمل حتى اللصوص والقتلة والغاصبين في الحالة الطبيعية، وبانضمامهم إليه تغفر لهم ذنوبهم: فالتعهد بالطاعة في المستقبل كفيل بالتكفير عن الجرائم السابقة.

بالإضافة إلى أن التساهل تجاه جبابرة الأيام الخوالي يعزز فرص نجاح العقد الاجتماعي بحسب الباحثة، وإن رأى البعض أنه يجعله أقل عدلًا، "فلو شعر سلاطين الحالة الطبيعة بالخوف من الجزاء بعد تشكيل العقد الاجتماعي، لبقي لديهم حافز قوي للإحجام عن دخوله، ومهاجمته ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا".

نويل كالهون وتجارب أوروبا الشرقية

يحتاج القارئ في حقلي التحوّل الديمقراطي والعدالة الانتقالية إلى فهم دراسات الحالة التي يبني عليها الباحثون نظرياتهم، ويضطر غالبًا إلى مراجعة مصادر أخرى ليفهم بشكل أفضل التفاصيل التي تعرض أمامه، ومع جفاف لغة الأرقام، وتعقيد تفاصيل التاريخ يقع القارئ فريسة الملل، لكن سرد نويل كالهون مختلف تمامًا، فأنت أمام نصٍّ يجبرك على تخيله كفيلم سينمائي، والاستمرار في قراءة الفصل حتى نهايته، متشوّقًا إلى معرفة المزيد حول تجارب العدالة في ألمانيا، بولندا، وروسيا.

في كل فصل من الثلاثة تورد الباحثة الخلفيات التاريخية لكل دولة، وكيف تمت عملية الانتقال الديمقراطي فيها، والآلية التي جرت فيها العدالة الانتقالية التي تتلخص في التالي:

1- تطهير الجهاز القضائي والتشريعي.

2- كيفية التعامل مع ملفات الأجهزة الاستخباراتية.

3- المحاكمات القضائية.

4- إعادة تأهيل الضحايا.

5- التعويض المادي.

عدالة انتقالية بقيادة دولة قوية

تروي لنا نويل كالهون قصة ألمانيا الشرقية التي حدث فيها الانتقال الديمقراطي سريعاً خاطفاً، فقد كانت المعارضة فيها بلا قيادة، مفتقرة إلى كافة أشكال التنظيم السياسي نتيجة تغلغل جهاز الأمن الداخلي "شتازي" في شرايين المجتمع "فلم تكن أجهزة المخابرات رمزاً جوهرياً للحكم الشيوعي في أي بلد آخر مثلما كانت في ألمانيا الشرقية".

رغم انعدام الآمال لدى الجماهير الألمانية الشرقية، أفلت عقال الحكم من بين أصابع الحزب الشيوعي تدريجيًا مع انهيار جدار برلين عام

ورغم انعدام الآمال لدى الجماهير الألمانية الشرقية، أفلت عقال الحكم من بين أصابع الحزب الشيوعي تدريجيًا مع انهيار جدار برلين عام 1989 لتلتقطه الدولة الألمانية الغربية القوية، وتختار بعد الوحدة خيار التصالح مع تركة الشيوعية في شطرها الشرقي عبر تطبيق الحلول القانونية التي كانت قد ابتكرتها ضمن الإطار الديمقراطي الليبرالي للدولة الألمانية الغربية ما بعد الحرب العالمية الثانية.

الصراع على "مسار العدالة"

أما في بولندا فقد كانت الدكتاتورية أكثر مرونة بقيادة الجنرال ياروزلسكي، فلم يحشد جيشًا من رجال الأمن للتغلغل في شرايين المجتمع، وكذلك وفرت الكنيسة الكاثوليكية ملاذًا للنشاط المعارض، وأتاحت الأوضاع الاقتصادية الأفضل من ألمانيا الشرقية لعدد كبير من الناس "التلذذ برحيق" الحرية الاقتصادية في الأرياف.

اقرأ/ي أيضًا: "الجندي والدولة والثورات العربية": من النظرية إلى آلية الوقاية من الانقلاب

لكن بولندا تأخرت عقدًا من الزمن للشروع في تطبيق سياسات الحق والعدل، بعدما استمرت حالة الحيرة حول "مسار العدالة الانتقالية" لأن الساسةَ البولنديين استغلوا العقيدة الديمقراطية الليبرالية للمجادلة ضد سياسات الحق والعدل، فبحسب الكاتبة وجد هؤلاء الساسة في تلك العقيدة منهلًا ضخمًا لتعزيز سياسة "النسيان القائم على المبادئ" لاسيما نظرية العقد الاجتماعي وضمانات الأصول القانونية. لكن بولندا استطاعت في النهاية تنفيذ عدالة انتقالية حقيقة، شملت إجراء محاكمات على نطاق ضيق، ومصارحة مع فتح ملفات جهاز الاستخبارات.

المدافع في عجلات التحوّل

أما في روسيا التي حاولت الشروع بعدالة انتقالية من خلال سياسة "الغلاسنوست" أي المصارحة والشفافية بقيادة الرئيس غورباتشوف، فقد وقعت في مجموعة من الأزمات شلت تفكير القيادة الروسية منها انقلاب أغسطس عام 1991، والمحنة الاقتصادية 1992، وحرب الشيشان عام 1994.

وتسرد لنا الباحثة قصة وصول الرئيس بوريس يلتسن -الابن العاق للحزب الشيوعي- إلى السلطة، الذي ما لبث أن استخدم العنف الخطابي والعسكري، ففي تشرين الأول/أكتوبر 1993 تصاعد الصراع بين يلتسن ومجلس السوفييت الأعلى لينفجر بعد مناقشة "تطهير مؤسسات الدولة" إذ تحول الشجار من سياسي إلى استخدام المدافع والدبابات، حتى تحول البيت الأبيض الروسي إلى "أنقاض مشتعلة لا تستحضر سوى حطام الآمال بإقامة الدولة الديمقراطية الروسية" ورغم إقرار قانون إعادة تأهيل الضحايا والتعويض المادي، إلّا أنَّ التعويض كان مبلغًا زهيدًا في ظل التضخم الاقتصادي الذي شهدته روسيا آنذاك.

مثالب الديمقراطية وفضلها الأساسي

هكذا عنونت نويل كالهون خاتمة كتابها العظيم هذا، الذي يستحق القراءة عدة مرات، متحدثةً عن أهمية "العقيدة الديمقراطية" في قيادة دفة السفينة لمواجهة أمواج الأزمات والصعوبات أثناء رحلة التحول الديمقراطي، وتشدد على ضرورة الابتعاد عن استخدام العنف أثناء الانتقال، فقضية معاقبة مرتكبي الجرائم السابقة لا تستحق تعريض الديمقراطية للخطر.

العيش تحت سقف دولة ديمقراطية ليبرالية آمنة أثمن مكافأة يمكن تصورها لشعب رزح طويلًا تحت نير الاستبداد. والعدالة الانتقالية باهظة الثمن، ومن المهم أنْ لا تشتت الانتباه عن المهمة الأسمى وهي بناء الدولة الديمقراطية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كتاب "فجر العرب".. الشباب هم أبطال الاحتجاج وعدم الاستقرار والإصلاح والثورة

كتاب "الديمقراطية والتحول الديمقراطي".. هل تستحق الديمقراطية كل هذا العناء؟