كتاب

كتاب "كيف تستجيب الجيوش للثورات؟".. في الأدوار الممكنة للمؤسسة العسكرية

كتاب "كيف تستجيب الجيوش للثورات؟ ولماذا؟" (الترا صوت)

تقرّر ردّة فعل المؤسّسة العسكرية تجاه الثورات، وإلى حدٍّ كبير، نتائجها النهائية، أو ما سوف تؤول إليه أحوالها باعتبار أنّها نادرًا ما تنجح دون دعم أجهزة الدولة القمعية لها، وعلى رأسها القوّات المسلّحة. من هنا تحديدًا، ينطلق زولتان باراني في كتابه "كيف تستجيب الجيوش للثورات؟ ولماذا؟" (الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2016) ترجمة عبد الرحمن عياش؛ لرسم خريطة يُمكن الاستعانة بها للاستدلال على طبيعة الدور الذي تلعبهُ الجيوش أثناء الاحتجاجات الشعبية المُطالبة بتغيير الأنظمة الحاكمة، والوصول إلى إجابة تقريبية للسؤال الذي عنون به باراني كتابه هذا.

ينبّه الباحث الأمريكيّ القارئ إلى أنّ القصد من كلامه أعلاه ليس التعامل مع ردّ فعل الجيش تجاه ثورة ما على أنّه المؤشّر الوحيد على نجاحها، وإنّما الدعوة إلى التعامل مع الأمر بصفته المؤشّر الأهم الذي يُساعد في توقّع مآلاتها. قبل ذلك، ومن أجل التوصّل إلى توقّعات عقلانية وواعية بشأن استجابة الجيش للثورة، لا بدّ من أن يكون المرء على معرفة كافية بذلك الجيش، وكذلك الدولة التي يخدمها والمجتمع الذي يأتي منه، والبيئة الدولية المتواجد فيها أيضًا. وبامتلاك هذه المعرفة فقط، يُمكن تقديم توقّعات عن كيفية تصرّف الجيش.

إن جيشًا من المتطوعين هو قوّة من الأفراد الذين اختاروا تبنّي روح الجيش والانخراط فيه بيئته الهرمية، والانضباط والحياة المنظمة

تعتمد عملية بناء هذه التوقّعات، وكما يقول باراني، على الإجابة على سؤال: كيف سيتعامل قادة الجيش مع الثورة؟ هل سيدعمون النظام أم الثوار؟ هل سينقسمون بين الطرفين؟ تتطلّب الإجابة على هذه الأسئلة تحليل عدد كبير من المتغيّرات التي تتفاعل بطرائق متعدّدة، حيث يستطيع بعضها تفسير ردود أفعال القوّات المسلّحة تجاه الثورات أكثر من غيرها. ويشير المؤلّف في هذا السياق إلى مسألة اختيار المعايير بشكلٍ عشوائي، كما هو الحال بالنسبة للعديد من الأعمال الكلاسيكية التي اهتمّت بالسمات الشخصية للعسكريين، أو تلك التي درست بعض المتغيّرات المحتملة، مثل التكوين الطبقي للجيش والنسبة العددية بين الضباط والأفراد، ومعايير التوظيف وفرص الترقية داخل الجيش.

اقرأ/ي أيضًا: "الموت الأسود" في أعمال كتاب ومؤرخي الشرق

هناك أيضًا مدى احترافية القوّات المسلّحة أو مأسسة الجيش التي تعني وجود قواعد ثابتة تحكمهُ وتكون الترقية بموجبها خاضعة لمعيار الكفاءة فقط، بينما يكون ولاء أفراده للدستور والمصلحة الوطنية دون غيرها، ممّا يؤهّله ليكون أكثر استعدادًا لدعم الإصلاح والدفاع عن نظام فاسد. ولكنّ هذا التفسير بحسب باراني يحمل مشكلة تكمن في كون العديد من الجيوش المؤسّسية التي تعمل في أطر الدول الديمقراطية، أي في المكان الذي نادرًا ما يندلع فيه ثورات تُطالب بإسقاط الأنظمة القائمة، بالإضافة إلى وجود العديد من الجيوش الاحترافية كان لها دورًا كبيرًا في دعم الأنظمة الفاسدة.

هناك ثغرة أخرى كامنة في التفسير أعلاه، وهي امتلاكه قوّة تفسيرية تعدّ ضئيلة للتعامل مع الحالات التي يؤدّي فيها ضعف المؤسّسة العسكرية إلى انقسام القوّات المسلّحة. هنا، يذكر باراني عاملًا آخر قد يكون مهمًّا لتفسير ولاءات الضباط خلال الثورات، وهو التفرقة بين الجيوش من حيث كونها جيوشًا إلزامية أو تطوعية، فالمجندون الالزاميون قريبون جدًا من مواطنيهم من الثوار، على عكس الجنود المحترفين. رغم ذلك، ورغم الأهمّية التي لا ينكرها باراني، إلّا أنّ هذا العامل أيضًا قد لا يتيح وسيلة معصومة من الخطأ لتوقّع ردّ فعل الجيش تجاه الثورات.

وفي سياق الحديث عن التفرقة بين جيوش إلزامية وأخرى تطوعية يرى الكاتب أنّ تماسك الجنود والترابط بين كبار الضبّاط يمكن أن يكون متغيّرًا مهمًّا لفهم ردود أفعال الجنرالات تجاه الثورات. ويعتمد هذا التماسك على عاملين؛ الأوّل: درجة سيطرة النظام على المواطنين. والثاني: مستوى الاستقلالية التنظيمية التي يمتلكها الجيش، والتي تسمح له بالتركيز على التدريب على القتال. وذكر باراني أنّ معظم الخبراء يفرقون بين التماسك الاجتماعي الذي يدلّ على الترابط الشخصي بين أعضاء المجموعة، والتماسك المؤسّسي الذي يفرض عددًا من المعايير السلوكية التي تحفظ الفرد في مواجهة المواقف الصعبة. لذلك، يكون التماسك الداخلي للقوّات المسلّحة وثيق الصلة بردّ فعل الجيوش على الثورات.

التماسك الداخلي للقوّات المسلّحة مرتبط بمدى إمكانية رغبة وقدرة الجنود على الانشقاق عنها. ووفقًا لمؤلّف "الجندي والدولة المتغيّرة"، هناك استراتيجيتان أساسيتان للحفاظ على ولاء الجنود: استراتيجيات دفاع فردية تتعلّق بتحفيز الأفراد الأكثر عرضة للانشقاق عن الجيش عند اندلاع الثورة، سواء بالترغيب أو الترهيب. واستراتيجيات جماعية تفضّل عرقًا معيّنًا، الأمر الذي لا يمنع انشقاق الأفراد بشكلٍ كامل، ولكنّه سيجعل انشقاق مجموعات بأكملها أكثر صعوبة وأقلّ عرضة للحدوث، وذلك وفقًا لثيودور ماكلاوشلين الذي رأى أنّ مقاربته هذه أحادية البعد، ولا يمكنها تفسير تنوّع العديد من الحالات وتعقيدها، لا سيما وأنّ الاختلافات العرقية والدينية بين الجنود، في العديد من الثورات، قد لا تمثّل أي أهمّية على الاطلاق.

تماسك الجنود والترابط بين كبار الضبّاط يمكن أن يكون متغيّرًا مهمًّا لفهم ردود أفعال الجنرالات تجاه الثورات

بالنسبة لزولتان باراني، ينطوي تماسك الجيش بما هو أحد المتغيّرات التفسيرية الرئيسية لردّ فعل الجيش تجاه الثورات؛ على درجة كبيرة من القصور، الأمر الذي يجعله تفسيرًا غير مهيمن، لا سيما وأنّ العوامل التي من الممكن أن تؤثّر على تماسك الضبّاط كبيرة وعديدة، ليس أولها الخلفيات التعليمية المختلفة وليس آخرها انتهاء الفوارق بين الضباط الكبار والضباط الصغار.

اقرأ/ي أيضًا: كتاب "مدن متمردة".. حقُنا في المدينة

التفكير في تماسك سلك الضبّاط يقود الكاتب الأمريكيّ إلى قضية يعتبرها غاية في الأهمّية، وهي أنّ التحليلات التي تناقش سلوك الجيش ضمن البيئات الثورية تقتصر على الضبّاط فقط، وهو ما يراه زولتان باراني خطأ كبيرًا لأنّ فشل الضبّاط في إقناع ضبّاط الصفّ بتنفيذ أوامرهم، سيؤدّي إلى فشل الجيش في تحقيق أهدافه. لذا، من الضروري تقييم التماسك بين جميع أفراد القوّات المسلّحة لأنّه من غير الممكن التنبؤ بدقّة بشكل استجابة الجيش للثورة، إن لم يكن هناك بهؤلاء المعنيين بتنفيذ أوامر الضبّاط.

إنّ عملية تبنّي مقاربة أكثر شمولية لعملية بناء توقّعات لسلوك الجيوش حيال الثورات، لا بدّ أن تأخذ بعين الاعتبار مصادر المعلومات التي يعتمد عليها الجيش، لأنّ ذلك لن يقود إلى صياغة توقّع أكثر دقّة لردّ فعل الجيش على الثورة فقط، بل سيعني تعميم تلك المقاربة لتطبيقها على طيف واسع من المجتمعات المختلفة. ويرى زولتان باراني أنّ قادة الجيوش يعتمدون على أربع نطاقات منفصلة من المداخلات أثناء عملية اتخاذهم مع الثورة، وهي المؤسّسة العسكرية، الدولة، المجتمع، والبيئة الخارجية.

بالنسبة إلى المؤسّسة العسكرية، تعدّ الاعتبارات المتعلّقة بها هي المحدّدات الأكثر أهمّية بالنسبة إلى ردود أفعال الجيش تجاه الثورة، ومنها: التماسك الداخلي للقوّات المسلّحة باعتبار أنّ وجوده يمكّن الجيش من التصرّف بشكل موحّد. ولكن كيف من الممكن أن يُقاس مدى هذا التماسك؟ لا سيما أنّ الأخير يتركّب من عدّة عوامل تقود زولتان باراني إلى طرح سؤال آخر: ما هي الانقسامات التي يحتمل أن تؤثّر في وحدة الجيش؟

هناك أوّلًا التباينات العرقية والدينية والقبلية والمناطقية، لا سيما وأنّ الانتماء الدينيّ أو العرقيّ يمكن أن يهيمن على أي هويّة أخرى للفرد. وثانيًا، الانقسامات الجيلية بين كبّار الضبّاط وصغارهم. بالإضافة إلى الانقسامات بين الضبّاط وصفّ الضبّاط والمجندين. وهنا يشير المؤلّف إلى أنّ حدوث انقسامات بين بين صفّ الضبّاط والجنود يظلّ أمرًا نادرًا بسبب سيطرة قادة الجيش على تدفق المعلومات للجنود وعزلهم عن الأخبار، ونشر روايتهم الخاصّة.

هناك استراتيجيتان أساسيتان للحفاظ على ولاء الجنود: استراتيجيات دفاع فردية تتعلّق بتحفيز الأكثر عرضة للانشقاق بالترغيب أو الترهيب، واستراتيجيات جماعية تفضّل عرقًا معيّنًا

يُضيف زولتان باراني أيضًا الانقسامات بين وحدات النخبة وبقية وحدات الجيش، والانقسامات بين القوّات البرّية وفروع الجيش الأخرى والمؤسّسات الأمنية، عدا عن الانقسامات الاجتماعية والسياسية داخل النخبة العسكرية. وإلى جانب التماسك الداخلي للقوات المسلّحة، والذي انطوى على الانقسامات السابقة، ينبّه المؤلّف إلى مسألة الجنود المحترفين مقابل الجنود المجندين إلزاميًا، لأنّ جيشًا من المتطوعين هو قوّة من الأفراد الذين اختاروا تبنّي روح الجيش والانخراط فيه بيئته الهرمية، والانضباط والحياة المنظمة، على عكس الجيش المشكّل من المجندين إجباريًا، والذي يمثّل شريحة واسعة من المجتمع، الأمر الذي يجعلهم أكثر ميلًا للتعاطف مع حركة ثورية واسعة النطاق.

اقرأ/ي أيضًا: قصص الأطفال بين التربية الدينية وعلم النفس.. قصة "الثائر الحسيني" نموذجًا

"كيف تستجيب الجيوش للثورات؟ ولماذا؟" كتاب لا يفسّر أو يقدّم إجابات على حالات معيّنة، وإنّما يسعى إلى رسم خريطة يمكن الاستعانة بها للاستدلال على طبيعة الدور الذي تلعبه الجيوش أثناء الثورات الشعبية المطالبة بتغيير الأنظمة القائمة. بالإضافة إلى سعيه للوصول إلى بناء إطار معرفي يساعد إلى حدٍّ ما في التنبؤ بهذه الظاهرة، وكيفية دراستها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كتاب "ساطع الحُصْري من العثمنة إلى العروبة".. أم جذور البيداغوجيا القومية؟

كورونا.. غرابة الاستجابة ودلالتها