كتاب

كتاب "روح الديمقراطية".. قدر الجغرافيا وسؤال النفط في العالم العربي

بيت كرينر/ النمسا

"عندما تكون الأعمال المقروءة في بلد ما، من تأليف الليبراليين الكلاسيكيين أمثال: أشعيا برلين، وكارل بوبر، وحنة أرندت، فهي تزرع البذور الفلسفية لثورة ديمقراطية ما".

  • من الكتاب

ما يميز كتاب "روح الديمقراطية" (الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ترجمة: عبد النور الخراقي، 2014) لعالم السياسة الأمريكي لاري دايموند عن بقية الأعمال في حقل دراسات الديمقراطية والتحول الديمقراطي هو الشمولية في الطرح النظري وقراءة واستعراض التجارب السياسية بتفصيل ممتع من واشنطن إلى بكين، ومحاولته الدائمة في التأكيد على أن مصير الديمقراطية هو نتيجة نضال، واستراتيجية، وإبداع، ورؤية، وبسالة، وقناعة، وتسوية، وخيارات يلتزم بها الناس والفاعلون السياسيون.. وهو المقصود بروح الديمقراطية عنده.

بالإضافة إلى تميزه في استبصار الواقع السياسي، فهو يشرح لنا أزمة الانتقال الديمقراطية في آسيا وإفريقيا، وكثير من الجهد البحثي في تحليل واقع البلدان العربية.

لم يتوقف عن نقد السياسات الأمريكية التي كثيرًا ما ساندت أنظمة دكتاتورية، مقدمًا لها النصيحة والإرشاد في أن تعدل عن مواقفها الخارجية إزاء البلدان التي ترزح تحت نير السلطوية، وإذا ما علمنا أن دايموند كان أحد كبار مستشاري سلطة الائتلاف المؤقتة في بغداد بقيادة بول بريمر تزداد أهمية نقده للسياسات الخارجية الأمريكية. والجدير بالذكر أن المؤلف رأى تدهورًا في الديمقراطيات الراسخة، وتحديداً في الولايات المتحدة الأمريكية التي أفرغ لها فصلًا كاملًا تحت عنوان معبر جدًا: "طبيب؟ اشفِ نفسك!"، يدعو فيه الحكومة الأمريكية على إصلاح نفسها من الداخل. والمتابع جيدًا لنشوء ظاهرة الشعبوية في الغرب يدرك أن لاري دايموند كان يرى بعد تسع سنوات أن الوضع السياسي والاجتماعي في الغرب سيصل إلى الحالة الراهنة من صعود الخطاب الشعبوي، وأزمة الديمقراطية في الغرب، وذلك دون استخدام المصطلح ذاته.

تعزيز الديمقراطية

بما أن عمل الباحث كله قائم على الإجابة عن أسئلة تهم القارئ العام والمختص على السواء، ينطلق المؤلف من سؤالٍ جريء؛ هل بإمكان العالم برمته أن يصير ديمقراطيًا؟ هل بالإمكان فعلًا بناء مجتمعات حرّة وديمقراطية عبر العالم؟

هل بإمكان العالم برمته أن يصير ديمقراطيًا؟ هل بالإمكان فعلًا بناء مجتمعات حرّة وديمقراطية عبر العالم؟

اقرأ/ي أيضًا: أدهم صولي: الفتنة هي مؤسّسة تاريخية

يستعرض الكاتب في البداية الطريقة التي انشغل بها المنظرين لتعريف الديمقراطية، ويصف هذه الحالة بأنها شبيهة إلى حد ما "بتأويل النص الديني، فإذا ما سألت عشرة حاخامات عن معنى نص ما، فمن المرجح أن تحصل على الأقل على عشرة إجابات". وعلى هذا ينخرط لاري دايموند في شروط وجود بلدان ديمقراطية، كمسألة التنمية الاقتصادية التي تخلق طبقة وسطى مُعززة للتحول الديمقراطي وكذلك تحافظ على البلد الديمقراطي ذاته، فتحسن الدخل الفردي للمواطنين، وارتفاع مستوى تعليمهم، يجعلهم أكثر قربًا من القيم الديمقراطية، بحسب استطلاعات الرأي العام، وكلما حصل الناس على قدر كبير من المعلومات، أصبح لديهم وعي سياسي أكبر، وأصبحوا أكثر استعدادًا للمشاركة في الحقل السياسي، والتفكير في أنفسهم، ومن ثمّ كسر أغلال العلاقة التقليدية التي تربط الراعي برعيته. هذه الشروط تجعل الناس أكثر استقلالية اجتماعيًا، ومن ثَمّ يشكّلون، بكل سهولة، منظمات وينخرطون فيها ويجتمعون من أجل المعارضة.

ويركز الباحث على أهمية الانشقاق أو التصدع داخل الأنظمة الشمولية الذي يساعد في انهيار النظام المستبد، في المقابل يكون التصدع في صفوف المعارضة مضر جدًا لعملية بناء نظام ديمقراطي. وتعود هذه النقطة في الأساس إلى كلٍ من غيليرمو أودونيل وفيليب شميتر، معتبرين إياها عاملًا محوريًا في الانتقال الديمقراطي.

لطالما سيطر على حقل التحول الديمقراطي لفترة من الزمن فكرة وجود ثقافات اجتماعية أو دينية مانعة لوجود نظام ديمقراطي، يرفض لاري دايموند هذه الفكرة ويُخرج من بطن كل ثقافة ما يسمح لها بالفعل أن تكون ديمقراطية، فمثلًا يصف التعاليم الأخلاقية العريضة للإسلام التي بقيت راسخة بأنها "تشترك مع القيم الكونية مثل حكم القانون". ذلك عوضًا عن تحذيره في أن ينساق المرء وراء الأحكام النمطية، والافتراضات التي تقوم على النظريات ذات الطابع الثقافي.

فيما بعد ينتقل الباحث إلى أهمية العامل الخارجي من دول كبرى ومنظمات إقليمية في تأثيرها على بناء نظم ديمقراطية، ويتعرض لدور جامعة الدولة العربية ودورها الإقليمي بشكل تفصيلي مهم، ذلك أنه لم يذكر في ميثاق جامعة العربية أي إشارة إلى المواطنة والديمقراطية.

لطالما سيطر على حقل التحول الديمقراطي لفترة من الزمن فكرة وجود ثقافات اجتماعية أو دينية مانعة لوجود نظام ديمقراطي

اقرأ/ي أيضًا: الانتقال الديمقراطي في روسيا.. حين تكون الثقافة والنخبة عائقًا

وما يهمنا أكثر من القسم الأول في الكتاب هو البحث في أثر النفط على التحول الديمقراطي، فالديمقراطية شهدت تراجعًا كبيرًا مع فائض عائدات النفط. وهذه العائدات تُنشئ طبقة متوسطة، "ليست طبقة مقاولاتية ذات وسائل وعقليات مستقلة، إنها بالأحرى تعمل لصالح الدولة وتابعة لها"، وتنشأ نخبة سياسية واقتصادية متحدة تستولي على عائدات النفط الوطنية وتقسمها بإجماع، ومن ناحية ثانية يستشري الفساد حتى يصبح سرطانيًا، على حد تعبيره، فعندما تتدفق الأموال الطائلة إلى خزينة الدولة مباشرة دون بذل أدنى جهد في كسبها ودون آليات الوساطة أو التدقيق، فإن الإغراءات تكون مربكة". وفي ذات الوقت يخلق لا مساواة واسعة عندما تحتكر نخبة صغيرة حصة الأسد من ثروة الدولة. ولتوسع أكثر في ملف الفساد في الدول النفطية، ينصح بالاطلاع على كتاب صدر مؤخرًا عن دار جسور للترجمة والنشر، تحت عنوان "الفساد في البلدان العربية النفطية: رؤية شاملة" للباحث المختص في هذه القضية يوسف خليفة اليوسف. وهو كتاب في غاية الأهمية لما فيه من تفاصيل وإحصاءات حديثة، وكثير من الجُرأة.

التجارب الديمقراطية

ينتقل الباحث في القسم الثاني إلى الجانب التطبيقي، أي دراسة واستعراض البلدان التي انتقلت وتنتقل إلى الديمقراطية، انطلاقًا من الموجة الثالثة التي بدأت عام 1975، من الأمريكيتين وتحديدًا اللاتينية، إلى أوروبا الشرقية عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، وصولًا إلى البلدان الآسيوية من الهند والصين، وجرت محاولة جادة من الكاتب في تقديم إجابة عن ما يسمى في أدبيات التحول الديمقراطي بـ "الاستثناء الآسيوي". ونالت بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حظًا وافرًا من المعالجة الأكاديمية الاستشرافية، فهو يرى أن سيناريو الانتقال الديمقراطي في العالم العربي "محتمل جدًا إذا ما سهّلت الولايات المتحدة وأوروبا عملية التحول الديمقراطي الداخلي للأحزاب العلمانية الرئيسة من خلال الضغط على قياداتها"، وهذه الفكرة كانت وما زالت مهمة في سياق الثورات العربية عام 2011، فقد أثبتت تجربة العقد الماضي أن التيار العلماني في العالم العربي أقل ديمقراطية من أي تيار سياسي آخر.

أما العائق الرئيس أمام تحقيق ديمقراطي في العالم العربي في نظر لاري دايموند، هو الأنظمة السياسية نفسها وجيوسياسية المنطقة العربية المميزة، وليس الإسلام أو الثقافة أو المجتمع. وهذا العائق تحديدًا يعتبر أحد أهم المساهمات العربية، ومساهمة الكاتب أيضًا السابقة لأحداث عام 2011 في نظريات التحول الديمقراطي، فلم يكن واردًا في السابق في أدبيات هذا الحقل أي نقطة تشير إلى أهمية المكانة الجيوسياسية وعلاقتها في تحول الدولة إلى نظام ديمقراطي.

ثمة تحليل شكّل سابقة للباحث في مقالة نشرها في صحيفة (FOREIGN AFFAIRS) 22 أيار/مايو 2011، تحت عنوان "موجة رابعة أم بداية مزيفة؟ الديمقراطية بعد الربيع العربي" يقول فيها إن الوضع المصري بعد سقوط مبارك بثلاثة أشهر فقط، "يثير قلقًا عميقًا، فـ"فيلق" الضباط الكبار، الذي يسيطر على الحكومة الآن، لا يريد تسهيل الانتقال الديمقراطي بشكل حقيقي في مصر، وسيحاول منعها من خلال خلق ظروف على الأرض تشوه الديمقراطية وتجعل المصريين وصناع القرار في الولايات المتحدة يستجدونهم من أجل إعادة القوة والاستقرار للبلاد". وأنهى مقالته بالقول: "لن تكون فترة التغيير في العالم العربي قصيرة، وستشهد السنوات القادمة دورات من الصعود والهبوط في صراع طويل الأمد لتحديد الشكل السياسي المستقبلي للعالم العربي. إن المخاطر بالنسبة للولايات المتحدة هائلة، لذا فإن امتلاك مبادئ ثابتة، وفهم واضح، وتفكير استراتيجي بعيد المدى بات حاجة ملحة جدًا".

أزمة الديمقراطية وتصديرها

يشرح لاري دايموند النظام الديمقراطي الأمريكي معتبرًا إياه في حالة مرض، وعليه أن يُشفي نفسه ليكون قادرًا على تصدير الديمقراطية والتأثير في البلدان التي ما زالت تعاني من الحكم السلطوي، فيقول: "لا يمكن أن تحظى الديمقراطية بالثقة فيما يخص تعزيزها في الخارج، إذا كانت هذه الديمقراطية ذاتها تنهار من داخل حدودها {...} ولكي تحافظ الديمقراطية على جاذبيتها وتستعيد زخمها باعتبارها قيمة شاملة، على الديمقراطيات الراسخة في الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، ألا تفقد عقلها، وتجهز على الحريات، وهي تكافح ضد التهديدات الإرهابية المتفشية".

أثبتت تجربة العقد الماضي أن التيار العلماني في العالم العربي أقل ديمقراطية من أي تيار سياسي آخر

وفي نهاية العمل، يضع لنا الباحث عدة ابتكارات للسير بمجتمع ما من دولة قاسية ومنغلقة إلى دولة منفتحة وديمقراطية. ومنها لا على سبيل الحصر: أ- بناء مؤسسات فعّالة للحوكمة لتقييد تصرفات الحكام اللامحدودة تقريبًا، وإخضاع قراراتهم وصفقاتهم للتفتيش، ومساءلتهم أمام القانون، والدستور، والشعب. ب- يجب أن تمتد الإصلاحات إلى الفضاء الاقتصادي، وبشكلٍ رئيس؛ إصلاحات تولد اقتصاد سوق أكثر انفتاحًا يمكّن من تراكم الثروة عبر مبادرة وجهد شريف في القطاع الخاص، بحيث تؤدّي فيه الدولة دوراً محدودًا.

اقرأ/ي أيضًا: كتاب "معالم الوعي القومي".. رئيف خوري ناقدًا لقسطنطين زريق

وأختم بخاتمة الكاتب التي لا بد منها. يقول لاري دايموند: "لن يصير العالم برمته ديمقراطيًا في غضون عقد من الزمن، أو حتى في غضون عقدين. إن الصراع من أجل تقدم الحرية وتعزيزها في العالم مهمة أجيال، ويتطلب حسًّا من الواقعية، وحسًا من التفاؤل، وتحليلًا دقيقًا لآفاق الديمقراطية.. لا بد من مبادئ موحدة وأهداف محورية، لكي يبقى كل بلد مميزًا، ولا بد أن تكون الاستراتيجيات الداعمة للتنمية الديمقراطية محددة بحسب المكان والزمان".

 

اقرأ/ي أيضًا:

كتاب "التغييرات في المنطقة العربية وأثر التطورات الدولية".. خرائط من الغليان

كتاب "استعادة الخلافة".. هل هذا ممكن؟