كتاب الثورات العربية.. أفكار عن عسر انتقالنا الديمقراطي ومآلاته (2 - 2)

كتاب الثورات العربية.. أفكار عن عسر انتقالنا الديمقراطي ومآلاته (2 - 2)

كتاب "الثورات العربية: عسر التحول الديمقراطي ومآلاته" (ألترا صوت)

مع مرور الأيام تزداد ظاهرة التحولات التي أعقبت الثورات العربية تعقيدًا، ولا تزال تفاجئنا بسعيد الأخبار حينًا، وبالفواجع أحيانًا أخرى، وفي سبيل تلمّس بعض جوانب هذه الظاهرة المتحوّلة المعقدّة، نتابع الجزء الثاني من مراجعتنا لكتاب "الثورات العربية: عسر التحول الديمقراطي ومآلاته" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات) فنعرض ثلاثة أبحاثٍ من حقول معرفية مختلفة: القانون إلى الدراسات الأمنية والعلوم السياسية.

وهذه الأبحاث تعتبر إضافة جديدة في قضايا التحول الديمقراطي، وإن كانت في صورتها الحالية مقاربات أوليّة واعدة تحتاج إلى تعمق أكبر لتؤتي ثمارها، وهو ما اعترف بها كاتبوها فذكروا أنَّهم لا زالوا يعملون على تطويرها لتخرج لاحقًا إلى النور على شكل كتب بعد أن تأخذ حقّها من البحث، والمحزن هو أنَّ الأبحاث الثلاثة كانت لباحثين غربيين!

المقاربة الدستورية

انطلاقًا من التغيرات التي فرضتها أحداث عام 2011 على النظم العربية، تعدّدت استجابة هذه الأنظمة، فبينما حاول الشق المغربي امتصاصها والقيام بعمليات إصلاح سياسي واقتصادي ودستوري، اختار المشرق البقاء تحت السلطوية لفترة أطول، أي الاتجاه نحو السيرورة التاريخية الطبيعية في التحول الديمقراطي.

بعد 2011، حاول المغرب العربي القيام بعمليات إصلاح سياسي واقتصادي ودستوري، بينما اختار المشرق البقاء تحت السلطوية

في بحثه "الحقوق الدستورية الجديدة في البلدان العربية"، يتناول الباحث أنطونيو بوراس – غوميز التغيرات الدستورية في مصرَ وتونس والمغرب قائلًا: إن الانتفاضات العربية نجحت بشكل ملحوظ في إطلاق عمليات صنع دساتير، و"أدخلت فيها كثيرًا من ميزات المنهج "الدستوروي" الديمقراطي الليبرالي، في تناقض مع الميل التاريخي الملموس الذي أبدته الدول العربية نحو السلطوية".

اقرأ/ي أيضًا: كتاب "الثورات العربية".. أفكار عن عسر انتقالنا الديمقراطي ومآلاته (1 - 2)

ويقوم البحث على أربعة فرضيات مركزية ومشتركة بين البلدان المذكورة أعلاه هي:

أ- كتابة دساتير طويلة وكثيفة.

ب- توسع في لوائح الحقوق، وإضافة مجموعة من أحدث الحقوق الدستورية، وإظهار حرص أكبر على الحقوق الثقافية والاقتصادية، تشير جميعها إلى دستورية قائمة على دولة الرعاية.

ج- تحديث موقع الإسلام من حيث هو مرجعية هوياتية.

د- تعزيز الاعتراف بحقوق المرأة.

يستخلص الكاتب جميع الفرضيات بناءً على زيادة أعداد الكلمات والمواد الدستورية الجديدة مقارنةً بسابقاتها، فمثلًا: يحصي الكاتب في الدساتير الثلاثة تكرارات كلمة "الإسلام" وكلمة "المرأة"، ما يعنى في الكلمة الأولى عنصرًا مهمًا في الهوية الوطنية، وهو علامة على أهمية الحركات الإسلامية، بوصفها موجهًا رئيسيًا في الثورات، أما الكلمة الثانية فتعزز فرضية الباحث في أن المرأة احتلت مكانة مهمة في العمليات الدستورية.

يشدّد الباحث على أهميّة التطور الهائل في التعديلات الدستورية رغمَ عدم تطبيقها على أرض الواقع، إذ إنَّ تطوير الدساتير "يُنشئ لغة الحقوق التي سوف تؤدي مع مرور الوقت إلى تآكل مراكز السلطة الاستبدادية. وعلى هذا لا يُعَدّ تخويل المواطنين، مهما بلغ، بمنزلة "سخاء ملكي" بل يضحي من الحقوق المدرجة. وبالنتيجة، حتى لو لم يرقَ ذلك إلى الديمقراطية في حد ذاتها، فإنه ربما يمهد الطريق نحو مزيد من الديمقراطية".

المقاربة الأمنية

يحلّل الباحث أرنود كورز في مادته المعنونة "هدم الجسور أم بناؤها؟ المقاربة الأمنية للديمقراطية في مصر وتونس" العلاقاتِ بين المجتمع والدولة في فترة ما بعد الربيع العربي، ففي مصرَ يواجه المجتمع المدني تشريعات قمعية ترسخها السلطات الحكومية، وفي تونس اعتمدت الدولة قمع المجتمع المحلي بخطاب الأمن القومي لمواجهة خطر ما ينفذه الإسلاميون المتشددون من هجمات إرهابية عابرة للحدود. وتعرف هذه الظاهرة بحسب الكاتب بالمقاربة الأمنية، وهي تصف عملية تحويل مسؤولي الدولة الموضوعات السياسية إلى إشكالات أمنية!

واعتمد الباحث على التحليل النصي الكَمّي، من خلال فحص وسائل الإعلام على الإنترنت في الدرجة الأولى، عبر قياس تردد مصطلحات مثل: "الأمن" و"الحكومة" و"الديمقراطية" و"الحدود" و"داعش" و"القوى الأمنية".. إلى أخره. ولم يكن بمقدور الكاتب إتمام البحث دون إعداد برنامج خاصٍ صُمِّمَ وفق معايير محددة يسمى "سْفِن" من أجل تحليل كُتل البيانات.

التركيز المفرط على الأمن خلال فترة الانتقال يتسبب في مخاطر عدة من شأنها أن تعوق ترسيخ الديمقراطية

ويستند الباحث على مفهوم "الصمود" الذي يشكل حجر الزاوية للإطار النظري للدمقرطة والمقاربة الأمنية، وقد ظهرت فكرة الصمود في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، وتعددت استخداماته وتعريفاته، لكن الباحث يعتمد تعريف مجموعة باحثين اشتغلوا عليه من زاوية الضحايا، ما مكنهم ذلك من تقويم مدى قدرة الشباب تحديداً على تحمل الإجراءات الأمنية الصارمة، بسبب تصاعد التهديدات الإرهابية في المنطقة بأسرها، وتركز هذه المنهجية وغيرها على الممارسات الخطابية، حتى يتسنى فهم كيفية مواجهة المجتمعَين التونسي والمصري، بممارسات حكومية حدّت من حرية التعبير وحرية الحركة، وفهم أسباب ذلك.

اقرأ/ي أيضًا: كتاب "التوظيف السياسي للدين".. الدولة البسماركية في الشرق الأوسط

يبدأ الباحث أرنود كورز بمراجعةِ الأدبيات الخاصة بهذا الحقل -والتي درست علاقات المجتمع والدولة- مثل دراسات جويل س. مجدال المتعلقة بالدول الضعيفة في البلدان النامية وهي التي شكلت أساس منهجيته، وألفرد ستيبان الذي وصف مسار الانتقال التونسي بـ" التسامح المتبادل" وهي ظاهرة تدل على انتقال ديمقراطي ناجح، لكنها لا تعنى ترسيخ الديمقراطية (يمكن مراجعة مقال الدكتور خليل العناني في صحيفة العربي الجديد "ألفرد ستيبان الذي رحل" يوم وفاته في 26 سبتمبر عام 2017، يستعرض فيها العناني أهم استنتاجات ستيبان في دراسات العلمنة).

وينتهي الباحث إلى أن "التركيز المفرط على الأمن خلال فترة الانتقال يتسبب في مخاطر عدة من شأنها أن تعوق ترسيخ الديمقراطية؛ إذ إنها تعادي حركات المعارضة بدلًا من أن تشجع قيام مجتمع تعددي. كما أنها تبرر عددًا من الممارسات الإشكالية للدولة لتوطيد السلطة في يد النخبة الحاكمة. وتقوّض هذه السياسات كذلك حظوظ تأسيس "ميكانيزمات" عدالة انتقالية فاعلة لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان في الماضي"، وفي نظر أرنود كورز ليست هذه الدراسة إلا رأس جبل جليد، وما قدمه إنما هي نتائج أولية حول قضية مهمة ذات صلة بالديمقراطية الانتقالية في العالم العربي.

الاستثناء الملكي

أثناء جنازة حافظ الأسد في دمشق عام 2000، صُك مصطلح "جُملَكية" على يد عالم الاجتماع المصري سعد الدين إبراهيم، يصف فيه الدولة العربية ذات البناء نصف الجمهوري ونصف الملكي، وهو الوقت الذي بدأ فيه المستبدون الآسنون بتهيئة أطفالهم لوراثة السلطة في نظم جمهورية عسكرية. بعد عام 2011 سقط الأطفال وأبناؤهم [إلا الطفل الذي تأسست الظاهرة به] وتوقفت أحجار الدومينو عن التساقط عند الأنظمة الملكيّة الثمانية، ليصفها الباحث دانيل براون بالأحجية التي تبحث عن الإجابة، وهو ما حاول فعله في مادته "البحث الأولي والفرضيات المتصلة بالميزة الملكية (فوق النزاعات) في الانتفاضات العربية".

أثناء جنازة حافظ الأسد في دمشق عام 2000، صُك مصطلح "جُملَكية" على يد عالم الاجتماع المصري سعد الدين إبراهيم

يتساءل براون هل يرجع نجاح الملكيات في الحفاظ على نفسها إلى أن التعبئة الجماهيرية ضد الملوك كانت أقل انتشارًا أو قوة؟ أم هل كانت الملكيات أكثر قدرة على البقاء في وجه هذه الانتفاضات كما حدث في الواقع؟

يستعرض الباحث الأدبيات التي تتعلق بالاستثناء الملكي في العالم العربي التي قدمت تفسيرات في أغلبها تشدد على الريع النفطي، والدعم الجيوستراتيجي لقوى دولية، وعلى عوامل مؤسسية مثل السياسات الائتلافية والتدابير الزبائنية، إضافة إلى التذرع بالشرعية الدينية أو التاريخية، ويناقش بالتحديد فكرة أن "الملك فوق النزاعات" التي تظهر في العديد من الأطروحات بتوصيفات مختلفة، تدور حول قدرة الملوك على تصوير أنفسهم كحكم عدلٍ بين فئات المجتمع، والاعتماد على دورهم كوسطاء بين مكوّنات الشعب، بدلًا من السعي لتوحيد الهوية الوطنية لهم، للحفاظ على "الدور التاريخي" الذي يلعبه الملوك في الحفاظ على "الدولة".

اقرأ/ي أيضًا: حزب الله ومسألة الدولة المدنية وولاية الفقيه والطائفية السياسية

يرى الكاتب أنَّ الارتكاز إلى "طبيعة النظام الملكي" وتجاهل تحليل آليات التعبئة الجماهيرية ووسائل "منعها" التي تعتمدها هذه الأنظمة الملكية، أنتج ما يسمّى "الميزة الملكية" وهو ما يعترض عليه براون، مذكّرًا بأنَّ الأنظمة الملكية التي سقطت [كالشاه في إيران] إنما سقطت لأنها لم تعتمد سياسات فعّالة لاحتواء التعبئة الجماهيرية ضدها، وهذا البحث هو "الأسئلة الأولية" في دراسته الموسعة للميزة الملكيّة فقط.

يقارن براون في دراسته بين طبيعة التعبئة الجماهيرية التي حصلت في تونس والأردن [جمهورية ومملكة] بناءً على آليتين مفترضتين لتحقيق الميزة الملكية: إحداهما ثقافية والأخرى مؤسسية. تشمل الآليات الثقافية التأطير المضاد، وحظر شبكات التعبئة وتكتيكاتها، بينما تشمل الآليات المؤسسة ائتلافات متنوعة (رجال الأعمال ورجال الدين والعسكر، والنخب القبلية) مرتبطة بالنظام، عبر الإلحاق، وغير ذلك من الاستراتيجيات الزبائنية.

وعبر مراجعة جزء كبير من الأدبيات في ديناميات الأنظمة الاستبدادية بدءًا من دانييل برومبرغ وليزا أندرسون ومايكل هيرب وراسل لوكاس، وليس انتهاء بآصف بيات وبشكل أساسي لاست أوكار الذي اعتبر أنَّ الأنظمة تقع خياراتها بين ثلاثة تدابير مؤسسية أو استراتيجيات متتالية يسميها "بُنى النزاع" وهي:

أ- البنى الحصرية الموحدة: لا يُسمح لأي خصم سياسي بالمشاركة في المؤسسات السياسية الرسمية. والسلطة محصورة في يد النخب الحاكمة وحدها.

ب- البنى المقسومة: تسمح النخب لبعض الخصوم، دون آخرين، بالمشاركة في النظام والاستمرار.

ج- البنى الجامعة الموحدة: يجري إدخال جميع الخصوم في النظام، ولكن النخب الحاكمة تحد من دورهم المشارك.

ويرى أنَّ الأسلوبين الأخيرين تم اعتمادهما من قبل الملكيات والجمهوريات بتنويعات مختلفة لتفتيت القوى المعارضة، وإفشال التعبئة الجماهيرية.

يفتح كتاب "الثورات العربية: عسر التحول الديمقراطي ومآلاته" أمام القارئ العربي آفاقًا أوسع لفهم وتحليل الواقع الذي يعيشه

وبعد دراسة الباحث للحالة الأردنية والتونسية بشكل معمق جدًا عبر العودة التاريخية للاحتجاجات في كلا البلدين، يتبين لدانيل براون في بحثه الاستقصائي الأوّلي أنه لا وجود لميزة مليكة ترتبط بطبيعة النظام، وإن كان يشير إلى احتمال وجود تفوّق ملكي في استخدام الآليات المؤسسية والثقافية للحفاظ على النظام، وتخطي الاحتجاجات الحاصلة.

اقرأ/ي أيضًا: الدولة عند بيير بورديو.. قراءة في أسسها الرمزية والاعتبارية

إن قراءة الأبحاث التي ضمّها كتاب "الثورات العربية: عسر التحول الديمقراطي ومآلاته" تفتح للقارئ العربي آفاقًا أوسع لفهم وتحليل الواقع الذي يعيشه، واقع أهملت الأكاديميا العربية تحليله لسنوات منذ استقر حكم العسكر في بلادنا، و"مدّ رجليه على أكتاف شعبه"، واستكانت "لإعادة التدوير الدائم" لأطروحة "الاستثناء الثقافي"، تلك الأطروحة التي أسقطها شباب الميادين عام 2011 ويعيدون إسقاطها الآن في العراق ولبنان والسودان والجزائر.

وربما يكون وصف السوسيولوجي والمؤرخ الفلسطيني هشام شرابي في مذكراته "الجمر والرماد" بليغًا للحالة الأكاديمية في العالم العربي -وهو الذي تخرّج من الجامعة الأمريكية في بيروت- إذ يقول: "تخرجت من الجامعة وأنا أكاد لا أعرف معنى المنهجية أو البحث بمعناه الصحيح [...] كان كسل أساتذتنا (في مراجعة أبحاث الطلاب) يقوي فينا الطابع الإنشائي الأدبي، وكراهية الأرقام والإحصاءات فنشأ عندنا الشعور بأن العامل الكمي في البحث هو عامل ثانوي، وأن الفكر الصحيح إنما هو الفكر المدعوم بقوة الحس وحسن اللغة لا بقوة النقد والتحليل... واكتشفت جهلي بعد أسابيع قليلة في جامعة شيكاغو".

ونأمل أن يساهم الاطلاع على هذه الأبحاث في تحفيز كتابات عربية من الميدان تبحث في أسباب عسر التحول الديمقراطي الذي نعاني منه، علّنا نسمع صريخ مولودٍ طال انتظاره.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كتاب "الثورة والقابلية للثورة": نظرية علمية لثورات الربيع العربي

مُرافعة دفاعية في كتاب "سقوط الدولة الإسلامية ونهوضها"