كتاب

كتاب "استعادة الخلافة".. هل هذا ممكن؟

كتاب استعادة الخلافة

ما الذي يجعل من الحديث عن استعادة الخلافة الإسلامية حديثًا غير مشوب بالارتياب والنفور، لا سيما في هذا العالم المحكوم بمركزية غربية قارّة وبشعور بالتفوق "الأبيض"، ومحكوم -بالتالي- بأفكار الغرب وأفكار "الرجل الأبيض" بوصفها الأفكار النهائية لعالم وصل إلى "نهاية التاريخ"، وقد قام هذا العالم -بصفته تلك- بما أمكنه ليجعل من فكرة الخلافة متشابهة مع فكرة آكلي لحوم البشر، خاصة بعد ظهور تنظيمي القاعدة وداعش اللذين تبنيا فكرة الخلافة، الأول عبر تأسيسه إمارات إسلامية (أفغانستان) كطريق نحو الخلافة، والثاني بعد أن أنشأها فعلًا دون مقدمات من أي نوع (العراق وسوريا)؟

قام العالم المعاصر بما أمكنه ليجعل من فكرة الخلافة متشابهة مع فكرة آكلي لحوم البشر، خاصة بعد ظهور تنظيمي القاعدة وداعش

أستاذ النظرية الاجتماعية وفكر ما بعد الاستعمار في جامعة ليدز في بريطانيا: سلمان سيد، واحد من الذين جعلوا الحديث عن الخلافة أمرًا ممكنًا دون ارتياب ونفور، سوى من جماعة الإسلاموفوبيا ومعجبي المركزية الغربية، والمنخرطين في تصديق فكرة "التفوق الأبيض" والترويج لها كما يصفهم، وذلك في كتابه "استعادة الخلافة - تفكيك الاستعمار والنظام العالمي" (ترجمة: محمد السيد بشرى/ الشبكة العربية للأبحاث والنشر -بيروت 2018).

اقرأ/ي أيضًا: كتاب "أسئلة الحداثة في الفكر العربي".. حتمية المخاطرة

فكرة الخلافة بالنسبة للكاتب ليست بحثًا عن/ أو دعوة لـ مجال جيوسياسي تتحقق فيه خلافة المسلمين، بل هي طريقة من طرق تفكيك الاستعمار تظهر عبرها هوية سياسية مسلمة تؤثر في النظام العالمي الموجود. استعادة الخلافة تعني ظهور كينونة مسلمة عالمية تخلّ بهذا النظام العالمي وبمركزية الغرب. يتم التعبير عن تحدي المركزية الأوروبية من خلال وعي بتكشّف هوية مسلمة جماعية عابرة للأوطان، عبرها يواجه المسلمون باعتبارهم مسلمين التحدي والرفض بأن يكونوا مهمّشين وغير ممثّلين في النظام العالمي الحالي. الخلافة- وفق الكتاب- هي مجاز عن الكينونة والهوية المسلمة هذه.

بطبيعة الحال ليس التحرك باسم الإسلام فقط هو الذي يمثل المقاومة ضد تفوق البيض، لكن دالّ الإسلام هو راية رئيسة تتم تلك المقاومة في ظلها، وهذا السبب الكامن وراء قيام الغرب بالتركيز أكثر فأكثر على الإسلام ومحاربته. (يضيف الكاتب تحركات دعاة التنوع الثقافي والماركسية الثقافية كمقاومين لذلك التفوق).

تتخذ محاربة الإسلام أشكالًا عدة من ضمنها ترسيخ الإسلاموفوبيا وربط الإسلام بالإرهاب على نحو مؤسسي محليًا ودوليًا. فالإسلاموفوبيا ليست فقط تمثيلًا سلبيًا للإسلام أو للمسلمين أو لكليهما، بل هي أيضًا محاولة لضبط الكينونة المسلمة ومراقبتها عبر تقديم الأفكار والتقاليد الغربية على أنها المرجع النهائي للبشرية. فكلما كان الإنسان قريبًا من أفكار الغرب وممارساته الثقافية والسياسية كلما كان واقفًا على أرض الصواب، وكلما ابتعد عن تلك الأرض كلما تم وصفه بالتخلف وعدم التحضر، ولو كان يحمل أفكارًا مسلمة لتم التعامل معه بحذر...  لذلك ففكرة الخلافة، وفق المعنى المذكور،  هي نزعة تحررية من "الغربانية" (تعبير مشتق من كلمة الغرب).

لا تحيل فكرة الخلافة إلى إسلام سياسي، لكن ولكونها إسلامية تواجه تحديًا مهمًا وهو علاقتها بالإسلام. يعتبر سلمان سيد أن الإسلام تصنيف أنطولوجي (وجودي) غير قابل للاختزل في أي تجلّ واقعي محدد. بمعنى أن هناك وجود مسلم في هذا العالم يتعرف على نفسه بوصفه مسلمًا بمرجعية القرآن. لذلك فإن حلم الإسلاموفوبيين بهزيمة الفلسطينيين أو الكشميريين أو الإيغور... عبر حرق أجسادهم وإبادتهم هو حلم سخيف، إذ أن ذلك لن يؤثر على وجود المسلمين والإسلام، أو بعبارة أخرى لن يؤثر على الكينونة المسلمة في العالم. فالإسلام لا يمكن اختزاله في شعائره أو ممارساته الشائعة أو ماضيه فهو قادر على تجاوز كل تجلّ من تجلياته. لذلك لا يمكن إيقاف الصراع حول معنى الإسلام من غير إبطاله، أي إبطال هذا المعنى الأنطولوجي (الوجودي) له وتحويله إلى مجرد شيفرة، وهذا كذلك غير ممكن.

يظهر الإسلام الحالي بوصفه أضعف من أن يتم  استيعابه، وأقوى من أن يتم تجاهله. استعادة الخلافة تمنح أملًا لحل ذلك التناقض: الضعف والقوة معًا، وتمنح أملًا بتحول سياسي وثقافي قادر على مساعدة المسلمين في التحرر من المأزق العالمي الحالي. فهي ليست مجرد كيان سياسي جغرافي بل أفق مفكّك للاستعمارية.

تنطلق فكرة استعادة الخلافة إذًا من وجود هرمية عنيفة بين الغرب وبين اللاغرب تبتلع الأمة المسلمة (كجزء من اللاغرب المقهور) فالخلافة هي مجاز الصراعات بين الطموحات المسلمة لإعادة ترتيب العالم ما بعد الكولونيالي من جانب، وبين محاولة الغرب إدامة تلك الهرمية العنفية من جانب آخر.

الإسلاموفوبيا ليست فقط تمثيلًا سلبيًا للإسلام أو للمسلمين، بل هي أيضًا محاولة لضبط الكينونة المسلمة ومراقبتها

يقول الكاتب إن كتابه يقع ضمن إطار الدراسات النقدية المسلمة، لكن يمكن وضعه أيضًا ضمن الدراسات ما بعد الكولونيالية، إلا أنه قبل كل شيء هو دراسة في الهوية. ثمة انتقادات متبصرة لمفاهيم اعتبرها الغرب المتمركز على ذاته أنها تخصه من جهة وأنها نقيض الإسلام من جهة أخرى كالعلمانية والديمقراطية وشكل الدولة الغربية المستمدة من النموذج الويستفالي (ربطًا بمعاهدة وستفاليا الشهيرة) وذلك في محاولة من الكاتب لبناء هوية مسلمة عبر تحرير الإسلامية الثقافية من هيمنة الأيديولوجيا الغربية عليها وإخراجها من أسرها نحو مفاهيم مسلمة يعرفها جيدًا المسلم ويعيشها، فيما تبدو لغير المسلم أنها غير ذات قيمة، أو أنها ببساطة لا تعنيه.

اقرأ/ي أيضًا: كتاب "مختارات سياسية من مجلّة المنار لرشيد رضا".. أفكار مبكرة في الإصلاح

يمكن وصف الكتاب بأنه ينتمي لأفكار اليوتوبيا. وشأنه شأن الأفكار اليوتوبية ينطوي على تماسك ورصانة فكرية ومعرفية ليس من السهولة دحضها، بل يمكن ملاحظة أنه في المدى المنظور وفي ظل تحكم الغرب واستشراسه في الدفاع عن نفسه ومكتسباته الاستعمارية وغيرها، وفي ظل الوضع المأسوي لـ"الكينونة المسلمة" ستكون تلك الفكرة مجرد يوتوبيا. كما يمكن ملاحظة أن ثمة استشهادات بسياسيين إسلاميين حاليين لجأ إليها الكاتب كنوع من البرهنة على أفكاره بدت وكأنها خارج سياق الكتاب وأنها أدلة أضعفت فكرته بدلًا من أنها قوّتها. إلا أن ذلك لم يؤثر على الفكرة العامة للكتاب القابل للنقاش بين مؤيد لفكرته ورافض لها وحذر إزاءها دون أن يكون منحازًا، بالضرورة، لمركزية الأوروبي وشعوره بالتفوق.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كتاب "في النظرية: طبقات، أمم، آداب".. الاستشراق وما بعده

مُرافعة دفاعية في كتاب "سقوط الدولة الإسلامية ونهوضها"