ultracheck
  1. عشوائيات
  2. مجتمع

كبار السن في السودان: الحرب التي لا يراها أحد

27 يناير 2026
كبار السن في السودان
يبقى كبار السن في السودان الضحايا الأكثر صمتًا (BBC)
أمير بابكر عبد الله أمير بابكر عبد الله

في الحروب، لا يكون الضحايا جميعهم على مرأى الكاميرات. فبينما تتجه الأضواء إلى مشاهد القصف والمعارك والنزوح الجماعي، هناك فئة تعيش المأساة بصمت كامل، وهي فئة كبار السن في السودان؛ أولئك الذين لم تعد لديهم القدرة على الهرب السريع، ولا تملك أجسادهم رفاهية الاحتمال الطويل، ولا تحظى معاناتهم بالأولوية في حسابات الحرب، ولا حتى في خرائط الاستجابة الإنسانية.

الضحايا الأكثر هشاشة

مع دخول الحرب السودانية عامها الثالث، تحوّل النزوح من حالة طارئة إلى نمط حياة قاسٍ. ملايين المدنيين أُجبروا على مغادرة بيوتهم، لكن كبار السن كانوا الأكثر هشاشة في هذه الرحلة القسرية. فالنزوح بالنسبة لهم ليس مجرد انتقال جغرافي، بل اقتلاع صحي ونفسي واجتماعي، غالبًا ما ينتهي بفقدان ما تبقى من الاستقرار أو الحياة نفسها.

تشير تقارير منظمات دولية، من بينها " HelpAge International"، إلى أن كبار السن باتوا من أكثر الفئات تضررًا في الأزمة السودانية، رغم أنهم لا يشكلون سوى نسبة محدودة في الإحصاءات العامة. غير أن هذه "النسبة المحدودة" تعني عمليًا مئات الآلاف من الرجال والنساء الذين يعيشون اليوم في مخيمات نزوح أو في مناطق معزولة، بلا غذاء كافٍ، ولا رعاية صحية، ولا حماية.

حتى الآن، لا توجد إحصائيات رسمية أو موثوقة منشورة عن عدد ضحايا حرب السودان تم تصنيفها أو تحليلها حسب الفئات العمرية (مثل كبار السن فقط)، سواء عن عدد القتلى أو الإصابات أو التشريد الخاص بهذه الفئة العمرية بالتحديد. الأسباب الرئيسية لذلك هي نقص البيانات المفصلة، وانهيار أنظمة التسجيل الصحي، وصعوبة الوصول إلى مناطق النزاع.

مع دخول الحرب السودانية عامها الثالث، تحوّل النزوح من حالة طارئة إلى نمط حياة قاسٍ. ملايين المدنيين أُجبروا على مغادرة بيوتهم، لكن كبار السن كانوا الأكثر هشاشة في هذه الرحلة القسرية

تشير تقديرات مختلفة إلى أن إجمالي عدد القتلى منذ اندلاع الحرب في نيسان/أبريل 2023 وحتى نهاية 2025 يقارب 150 ألف شخصًا (منهم قتلى في القتال والعنف المدني، والموت بسبب المجاعة والمرض)، لكن الرقم غير دقيق ويتراوح حسب المصدر. كما أنه لا توجد إحصائيات رسمية منشورة تبين كم من كبار السن قُتلوا في الحرب مقارنة بالمجموع الكلي للضحايا. حتى الجهات الدولية التي تجمع بيانات النزاع (الأمم المتحدة، المنظمات الإنسانية) لا تفصل أعداد الضحايا حسب الفئات العمرية، مثل كبار السن، في الإحصاءات المتاحة للعامة.

كبار السن خارج الأولويات

في المخيمات، تتكثف المأساة. انعدام الأمن، شح الغذاء، انهيار خدمات الصحة والمياه، كلها أزمات عامة، لكنها تتحول إلى تهديد مباشر للحياة حين تتقاطع مع الشيخوخة والأمراض المزمنة وضعف الحركة. كثير من كبار السن يعتمدون على الآخرين للحصول على الطعام أو الدواء، ومع تفكك الأسر وتشظي المجتمعات بفعل الحرب، يصبح هذا الاعتماد هشًا ومهددًا في أي لحظة.

الأكثر خطورة هو أن كبار السن يقعون في منطقة رمادية داخل العمل الإنساني. فغالبية برامج الإغاثة تُصمَّم بمنطق الفئات ذات الأولوية، وغالبًا ما يُختزل هذا المفهوم في النساء والأطفال فقط. ورغم عدالة هذا الاهتمام، إلا أنه أدى عمليًا إلى تغييب كبار السن، لا بوصفهم فئة غير محتاجة، بل بوصفهم فئة "غير مرئية".

نقاط توزيع الغذاء بعيدة، آليات التسجيل معقدة، المراكز الصحية غير مهيأة، والمساعدات لا تراعي محدودية الحركة أو فقدان الوثائق. والنتيجة أن كثيرًا من كبار السن لا يصلون إلى المساعدة، لا لأنهم لا يحتاجونها، بل لأن النظام نفسه غير مصمم لهم.

وراء هذا الفشل الإنساني، تتراكم خسارة أخرى أقل وضوحًا: الخسارة النفسية والاجتماعية. العزلة، فقدان الدور، الشعور بأنهم عبء في زمن العجز العام، كلها عوامل ترفع معدلات الاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة بين كبار السن. وفي ظل تدمير المرافق الصحية ونقص الأدوية، تتحول أمراض يمكن التحكم فيها، كالسكري أو ضغط الدم، إلى أسباب موت صامت. وفي بعض مناطق دارفور، لم يمت كبار السن بالقصف، بل ماتوا جوعًا.

ذاكرة السودان الحية

ما يحدث هنا ليس مجرد ثغرة إنسانية، بل سؤال أخلاقي: كيف يُقاس نجاح الاستجابة الإنسانية إذا كانت تترك كبار المجتمع يواجهون الحرب وحدهم؟ كبار السن ليسوا عبئًا، بل هم ذاكرة السودان الحية، وحملة تجاربه، ومن دفعوا كلفة الدولة والمجتمع قبل أن يخذلهم الحاضر.

إن إنصاف كبار السن في السودان لا يحتاج إلى شعارات جديدة، بل إلى تغيير حقيقي في طريقة التفكير. إدماجهم في صميم التخطيط الإنساني، جمع بيانات مصنفة حسب العمر، تصميم برامج وصول مرنة، إشراكهم في القرار، وتدريب العاملين الإنسانيين على فهم مخاطر الشيخوخة في النزاع، كلها ليست مطالب مثالية، بل حدود دنيا للكرامة الإنسانية.

في حربٍ اعتادت على إسكات الأصوات، يبقى كبار السن الضحايا الأكثر صمتًا. والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم، في السودان وخارجه، ليس كم عدد من بقوا على قيد الحياة، بل: أي حياة نتركها لمن تبقى؟

كلمات مفتاحية
لبنان

الحرب ترفع الأسعار في لبنان وتخوّف من انقطاع المواد الأساسية

يتخوّف اللبنانيون من الانعكاس المفترض لارتفاع أسعار المحروقات على أسعار المواد الغذائية وخدمات النقل والخدمات العامة وقدرتهم الشرائية

صورة تعبيرية

كيف شعر الأميركيون بالآثار الاقتصادية للحرب على إيران؟

بدأت تداعيات الحرب على إيران تظهر بشكل ملموس داخل الاقتصاد الأميركي، رغم بُعد ساحة الصراع آلاف الكيلومترات عن الأراضي الأميركية

خبز

وسط الحرب والضغوط الاقتصادية.. ارتفاع أسعار الخبز والوقود في لبنان

رفع أسعار سلع أساسية في هذا التوقيت قد يضيف عبئًا جديدًا على الأسر اللبنانية، خصوصًا الفئات الفقيرة والنازحة

الجزائر
رياضة

عن الليلة التي أرعب فيها صائمو الجزائر منتخب ألمانيا

كيف تحولت موقعة الجزائر وألمانيا في مونديال 2014 من هزيمة إلى انتصار معنوي خالد؟

بعثت
رياضة

كيف قلبت الحرب الرياضة الإيرانية رأسًا على عقب؟

تسبب العدوان بتدمير عدد من الملاعب والمنشآت، ما أدى إلى توقف النشاط الرياضي وتعطل مشاركات دولية لفرق ومنتخبات إيرانية

الصين والولايات المتحدة
سياق متصل

كيف استفادت الصين من الحرب على إيران؟

بينما تنشغل واشنطن بالحرب في الشرق الأوسط، تبدو بكين مستعدة لاستثمار اللحظة لتعزيز حضورها السياسي والعسكري في شرق آسيا

رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية، بريندان كار
سياق متصل

هيئة الاتصالات الأميركية تهدد الصحافة .. ماذا ردت الأخيرة؟

هيئة الاتصالات الأميركية تهدد بسحب تراخيص البث.. صحفيون ومؤسسات إعلامية يردون بأن الخطوة غير دستورية وتمثل ضغطًا على حرية الصحافة