كان يكفي أن تأخذ بيدي

كان يكفي أن تأخذ بيدي

لوحة لـ إبراهيم جوابرة/ فلسطين

لم أكن رجلًا ناقصًا

يا عادل

حتى لو لم أمتلك ملامح كثيفة

وجسدًا مفتوحًا أمام رغبات شبّان الحيّ

 

لم أمتلك أجنحة كافية كي أقتلع نفسي

ولم تزرني فراشات المساء

لتعزيني في خلوتي

فكبرتُ في الثلج

وحيدًا

كزهرة بريّة

ما تزال تحلم بالغد

 

لم أكتب في دفتري اليومي

أن لي أبًا لا أعرف عنه سوى القليل

وأن لي أمًّا

تحاول البحث عن رجالٍ قساة فيّ

لتعاقب لطفه

ونعومة ضحكاته

وأن لي إخوة كبروا سريعًا

وأني إلى اليوم أبكي كثيرًا كي أموت على دفعات

 

لم اقرأ قصص الأطفال السعداء في صغري

كلّ الرجال كانوا قتلةً

وقطّاع طرق

والغابات لم تكن بريئة وخضراء

 

لا أعلم، متى وجد اليأس طريقه إلى قلبي

متى انحسر العالم على نفسه

وتكوّر تحت أسرّة الغرباء في البعيد

كي لا ألعب الغميضة معه

كي لا أخدعه بمرح خفيف

قليل عن الحاجة

 

لم يكن عندي رجال كثر

لأتعرف على أجسادهم

أو لأسند رأسي على خاصرتهم

حين يعودون من العمل مساءً

متعبين من زحمة الطريق

أو من شعر كثيف لرجال أحبوهم أيضًا

وتركوهم على مهل

كي لا يدعونهم يكتشفون

كيف تقتات الحياة على الكذب والأصابع.

 

لم نكن بحاجة لأن نكون رجلين

لنزحف قليلًا

نحو العالم

ولا حتى عاشقين لنهمس بكلمات لطيفة

في آذان بعضنا البعض

كان يكفي أن نعود أطفالًا

يا عادل

أطفالًا لنركض في ساحة الحديقة

ونعفرّ وجهينا بالتراب

ونغتسل معًا بدون شبهات

وننتظر الحلوى في المساءات الطويلة

ونضحك على بعض

وندخلَ جسدينا تحت الغطاء

ونراه ببطء

كيف يغيب داخل تضاريسه الكثيرة

ومائه الواطئ

 

كان يكفي أن تأخذ بيدي

لتخبرني أن الحياة تخبئ أشياءَ جميلة

لمن هم في مثل سني

لمن هم عاجزون وضعيفون وخائفون من البتر

وكان يكفي أن أسمع وعودك حتى النهاية

أن أزرعها في حقولي الممتدة على طول جسدينا

لتنبت بغير جهد.

 

كان على العالم أيضًا

أن يخبرنا

أي أحلام يستطيع المرء أن يصنع

كي لا تأخذه النزهات بعيدًا

 

كان علينا أن نقف معًا

لا لنخفف عن أوجاع رسمتها السماء لنا

بل لنحتمي بمظلة واحدة

من مطر عنيف

سيأتي من جهتها

كلما عكس عامود الإنارة لونَ شفتيك

في حدقتي الصغيرة

 

كان علينا

أن نبكي في كل مرة

تلتقي فيها عيوننا

بالسرّ

كي لا نخدع الحياة بضحكاتنا

 

كان عليّ أن أقتل جميع الرجال في رأسي

لأمنحك شفتيّ

وكان عليك أن تحيي جميع الرجال الجائعين في مخيلتك

كي تفهم قليلًا

كيف تكون القبلة بسيطة

كيف لا يقدر الثلج الأنصع بياضًا

على قتل وردة

كلما سلّم عواصفه لأوراقها

كي ينتقم من هشاشتها

كلما نمت في تربته أكثر

بريئة

وظليلة

 

لأن الدفء الذي فيه

أنعم من كل فراشات الحديقة

وأحنّ من رجال عابرين، سيدوسونها بأقدامهم

ليسمعوا كيف تتضرّع الوردة في الحب

كيف تحني رأسها

وتختبئ على مهل

كي تعترف للتربة أن جسد الموت دافئ

وأن الثلج لا يؤذي إلاّ حين يذوب

وتذوي

معه أوراقها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

قاسٍ كتفاحةٍ نحاسيّة

اللّعنةُ حيوانٌ أليفٌ