كان للنساء شأن على هذه الأرض

كان للنساء شأن على هذه الأرض

نساء في البحرين (Getty)

إذا كان ثمة نغمة شائعة الآن في تصوير المرأة العربية والمسلمة على أنها رمز التخلف الذي يعيش فيه العالم العربي والإسلامي، فإن التاريخ يخبرنا بوجود نماذج تفقأ العين لسيدات من مجتمعنا سبقن زميلاتهن في الغرب في أكثر من مجال. ليس هذا بكاء على الأطلال ولا استقواء بالماضي التليد على الحاضر التعيس ولكنه تذكير بالضروري واللازم.

 يخبرنا التاريخ بوجود نماذج تفقأ العين لسيدات من مجتمعنا سبقن زميلاتهن في الغرب في أكثر من مجال

على سبيل المثال، كانت شجرة الدر من أمهر الحكام الذين عرفهم تاريخ مصر في عهد المماليك وقد قادت المعارك باسم زوجها الذي أخفت على الجنود مقتله إلى أن انتهت الحرب، كما سبقت بناظير بوتو في باكستان الكثير من بنات جنسها في الغرب كرئيسة للوزراء. وإذا كانت هيلاري كلينتون قد دخلت التاريخ باعتبارها أول سيدة تخوض الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، فقد سبقتها إلى ذلك نائلة معوض في لبنان قبل عقدين من الزمن. والملاحظة الأبرز في النماذج الثلاثة السابقة أن كلهن نشأن في بيئات مأزومة ولها شروطها الخاصة جدًا، ورغم ذلك أظهرن أنفسهن واستطعن تخليد اسمهن في التاريخ.

اقرأ/ي أيضًا: هل مصر مكان يصلح لتعيش فيه امرأة؟

وقبل أعوام قليلة أصدرت موسوعة "بريتانيكا" على الإنترنت قائمة لأهم 300 امرأة في تاريخ البشرية، كان نصيب العرب والمسلمين 13 اسمًا منها في الوقت الذي لم تحظ بعض الشعوب الأخرى ببضعة أسماء تعد على أصابع اليد الواحدة. وقد كان من الطبيعي أن تتصدر قائمة "بريتانيكا" ثلاثة أسماء لا يكتمل تاريخ مصر بدونها، وهي الملكة حتشبسوت التي كانت من أوائل النساء في التاريخ الإنساني اللاتي تمتعن بالقوة التي كانت للرجال في الحكم، لذا كان يتم تصويرها في زي الفرعون وبالذقن المستعارة رغم أن شعبها كان يعلم جيدًا أنها امرأة. على أن أهميتها كانت أيضًا في العهد الذي ارتبط باسمها والذي ساده الرخاء والاستقرار والتشييد والبناء. أما جميلة الجميلات الملكة نفرتيتي فأهميتها لا تعود فقط إلى كونها صاحبة واحدة من أجمل الأعمال الفنية في التاريخ، وهو تمثالها النصفي الموجود بمتحف برلين، وإنما للنفوذ الذي كان لها على الديانة الجديدة التي ارتبطت باسم زوجها أول الموحدين في التاريخ وهو أخناتون. ولا أحسبني بحاجة إلى الخوض في أهمية كليوباترا السابعة التي بسطت تأثيرها السياسي على العالم القديم بأكمله حيث امتد نفوذها إلى قلب واحدة من أعظم الإمبراطوريات في التاريخ وهي الإمبراطورية الرومانية، رغم النهاية المأساوية بعد ذلك والتي أدت لسقوط الحكم البطلمي في مصر، الذي بدأ مع غزو الإسكندر الأكبر قبل أكثر من 300 عام من ميلاد المسيح.

ولا تغيب عنا الدلالة التي يتضمنها اختيار الموسوعة لثلاث من نساء أهل بيت الرسول باعتبارهن من أكثر النساء نفوذًا في التاريخ، في وقت يروّج البعض أن الإسلام يغبن المرأة ولا يعترف بحقوقها. فعلى العكس من ذلك تؤكد الموسوعة الدور الحيوي الذي كان للسيدة خديجة في الوقوف إلى جانب النبي محمد حين نزلت عليه الرسالة وفي دعمه أمام أهل مكة.

تؤكد الموسوعة الدور الحيوي الذي كان للسيدة خديجة في الوقوف إلى جانب النبي محمد حين نزلت عليه الرسالة وفي دعمه أمام أهل مكة، وقد كان الرسول يقدِّر خديجة التي كانت تكبره بحوالي 15 عامًا حتى أنه لم يتزوج بأخرى طوال حياتها. أما السيدة عائشة التي كانت أقرب زوجات الرسول إلى قلبه فقد لعبت دورًا أساسيًا مهمًا بعد رحيله، خاصة في عهد ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان، حيث ساهمت في تكوين جبهة المعارضة التي تمكنت في النهاية من قتل عثمان، وكانت هي التي قادت الجيش ضد خليفته علي ابن أبي طالب إلى أن هُزمت في موقعة الجمل. ولا يفوت موسوعة بريتانيكا أن تذكر أيضًا فاطمة الزهراء ابنة الرسول التي هاجرت معه إلى المدينة وظلت ترعاه إلى أن توفي، فمن نسلها كان الحسين الذي نشأت به واحدة من أهم طوائف الإسلام وهي الشيعة.

اقرأ/ي أيضًا: الدول العشر الأكثر خطرًا على النساء في العالم

وخارج أهل البيت ترى الموسوعة أن الخنساء (تماضر بنت عمر بن الحارث) كانت أكبر شعراء عصرها وأن أحدًا من الرجال لم يتمكن من أن يطاولها في شعر الرثاء. أما إذا جئنا إلى العصر الحديث، فنجد بالطبع أم كلثوم التي تخطى تأثيرها القوي والممتد عبر السنين مجال الموسيقى والغناء إلى الحياة العامة، حيث تشير الموسوعة صراحة إلى دورها الوطني في المجهود الحربي بعد هزيمة 1967. كذلك نجد الكاتبة آسيا جبار من الجزائر والتي رشحت أكثر من مرة لجائزة نوبل، وفي مفاجأة غير متوقعة يظهر اسم حنان عشراوي كأحد أهم الوجوه التي ساهمت في تأكيد عدالة القضية الفلسطينية وأجادت التعامل مع الغرب بلغة الخطاب الدولي، بحسب تعبير الموسوعة البريطانية. ومن بقية العالم الإسلامي تأتي بناظير بوتو التي وصلت إلى منصب رئيس الوزراء في بلد إسلامي تقوى فيه شوكة من يطالبون ببقاء المرأة في البيت، ومن إيران تأتي شيرين عبادي التي حصلت على جائزة نوبل عن مواقفها المدافعة عن حقوق الإنسان في بلد تتراجع فيه الحريات بصورة خطيرة.

وبعد، ما الذي يمكن قوله لهؤلاء الذين يصرون على تصويرنا في أسوأ صورة أمام العالم باعتبارنا ندين بتعاليم تحض على العنف والتخلف والتعصب ضد المرأة منذ مئات السنين، بينما تأتي موسوعة أجنبية لتنصف حضارتنا التي قدّرت للمرأة دورها في مختلف مناحي الحياة وعلى مر العصور. وإذا كانت تلك الموسوعة منجزة مع مراعاة شروط وانحيازات معينة فإنها لا تخلو من قدر كبير من الوجاهة والمصداقية، تجعلنا نستمسك بها كوثيقة دالة على لحظات مشرقة في تاريخٍ لطالما مُهر بإرادة الذكور من الحكام. وربما نحاول الآن التعلم من هذا التاريخ في عصر صرنا فيه أقل بصيرة وحكمة في التعامل مع ذوات متضخمة ترى العالم مكانًا خُلق ليحكمه الرجال حصرًا.

اقرأ/ي أيضًا:
قصة أم.. في سن المراهقة!
جدل وثيقة "إثبات العذرية" من جديد في الجزائر