كالشوك الأبيض على الصبار

كالشوك الأبيض على الصبار

آي ويوي/ الصين

إلى عبد الستار مجني

أحسدُ البحارة الذين يشعرون بالملل من تقلبات البحر، الغرباء المستلقين على ظُهورهم على العشب الطري في بلادٍ مجهولة يتأملون النُجوم وينتظرون الشُهب بنفادِ صبر.

 

كيف لي أن أراك عجوزًا يتكئُ على عصاه المعوجة ويمشي في فضاء هذا الجبل في الليل -أنتٙ يا من تكبر في قلبي بعد كل دقة- كيف لي أن أتخيل شعرك الرمادي والتجاعيد على صفيحة خدك وقد مُتٙ صغيرًا؟

لم تركب البحر يومًا ولم ترحل إلى بلادٍ بعيدة حلمتٙ بها منذ صغرك.

 

خيالك المسافر، خيالك النضاح بالأحلام يسكن ثنايا هذا المساء وأنا أحمله.

 

أحسد البحارة

من يعدون النجوم في بلادٍ بعيدة

وأنتظر اللقاء

لقاءكٙ في فضاءٍ ما.

 

أريد أن أنسحب

في هذه الليةِ المُقمِرة المتوردة أشجارُها الكثيفةُ بحُمرةٍ مُلفتة أثر الضوءِ الطفيف؛ أتذكرُ عمي أسامة. ربما هو الآن في الستين من عُمره أو جاوزها قليلًا، وبعد أن كان ذا شعرٍ أسود فاحم وذوائب بيضاء عريضة ومحددة كحدّ السيف؛ اكتسى شعُره ببياض قُطني متلألئ؛ يحملُ عكازًا غليظة وضخمة؛ لا عجزًا منه أو هرمًا، إنما لزوم إضفاء لمسة ساحرة على هيبته؛ لا أدرك في عقلي تمامًا إن كان كتفاهُ العريضان قد انحنيا قليلًا؛ وهو في الباب الآن غير واضح المعالم؛ أعتقد بأن وجههُ القمحي القاسي قد ازدادت تجاعيدهُ المُسمرةُ وبدت لحيتهُ كالشوك الناعم الأبيض على الصبار الضخم، هو ابنُ هذا البحر المُمتد إلى نهاية الكون، كان يغني عندما يسرح في ملكوته، يدمدمُ بصوته الخشن وهو يدير مقود السيارة يمينًا ويسارًا بقبضته الكبيرة، لا أتذكر تلك الأغاني فعلًا؛ كانت أغاني جميلة كثيفة، خفيفة كنسمات نبع التينة في تموز، لا أذكر أنها مرت علي قبله ولا سمعتها بعده، ربما هو من كان يألفها ويدندن لحنها في خياله عندما يسرح، كانت عيناه الحانيتان تنحنيان برقة وتميلان يسارًا ويمينًا مع رأسه الذي يميلُ طربًا، يضعُ قبعة صوف رمادية موشحة بالسماوي الخفيف، غالبًا كان لتلك القبعة طابة صوف ومخططة بزخارف ناعمة تمشي بتعرج بسيط على طول القبعة، كان يثنيها ثنية واحدة ربما.

كُنت أريد أن أقول هنا قولًا يحمل صيغة الماضي أو يتكلم عن مواقف قديمة ملفتة، فجأة ظهر أمام عيني، طويل القامة ممتلئًا، يبتسم.. يبتسم أيضًا.. يبتسم دائمًا طالما هو ذرة صغيرة في هذا الفضاء الواسع؛ يُحلق بحرية.. بحرية.. بحرية.. بحرية كما كان يحلم دائمًا ويحلم الآن ودائمًا، لذا أريد أن أنسحب.. أريد أن أنسحب ببطء وأدب وظهري إلى الخلف.. قبل أن يدخل من الباب.

 

اقرأ/ي أيضًا:

 

ديريك والكوت: الغريب الذي أحبّكَ

من هو العدو؟