كازو إيشيغورو: الأفكار أهم من القوالب التي تكتب من خلالها

كازو إيشيغورو: الأفكار أهم من القوالب التي تكتب من خلالها

كازو إيشيغورو (Getty)

قبل الاستفاضة في الحديث الذي ربما أصبح مستهلكًا حول الفائز بنوبل كل عام، رغبنا أولًا في طرح تساؤل عام على بعض الكتّاب والروائيين؛ إذا ما كان في استطاعتهم الكتابة وطرح أفكارهم وتساؤلاتهم من خلال وسائط مختلفة في الوقت نفسه مثلما يفعل كازو إيشيغورو، الذي فاز بجائزة نوبل في الأدب؟

إيشيغورو يمكنه طرح أفكاره بسهولة خلال الروايات أو الأغاني، أو حتى القصص القصيرة

إيشيغورو يمكنه طرح أفكاره بسهولة خلال الروايات أو الأغاني، أو حتى القصص القصيرة. كانت إجابات بعضهم تقول بأن الأمر ليس سهلًا؛ فأن تتعود على قالب معيّن تكتب من خلاله يجعل الأمور "محددة" أكثر، بينما في أحد الحوارات الصحفية لكازو إيشيغورو قال إنه على مدار يومه لا يفعل سوى كتابة الكلمات، يقصد كلمات الأغنيات. هو يكتب وعازف الساكسفون جيم توملنسن يؤلف الموسيقى ويوزعها، حيث إنه يكتبها منذ أن كان عمره 15 عامًا، ذلك "فالأسلوب الروائي الذي أتبعه يأتي بالدرجة الأساسية مما تعلمته من كتابة الأغاني".

اقرأ/ي أيضًا: نوبل للآداب 2017 لـ كازو إيشيغورو

حميمية المغني المباشرة حينما يؤدي أمام الجمهور تماثل في نظره حالة كتابة الرواية، وكذلك الحاجة إلى تناول المعنى برهافة تصل في بعض الأحيان إلى ضرورة بثه في ما بين السطور، أشياء لا بد أن يفعلها وهو يكتب كلمات ليغنيها شخص ما. وفي الوقت الذي يرى العديد من الكتّاب إنه من الصعوبة الكتابة في أكثر من قالب، يعتقد كازو إيشيغورو أن القوالب تندمج فيما بينها إذا كنّا على معرفة قوية بما نريد كتابته.

استطاع الكاتب والروائي كازو إيشيغورو الذي ولد في اليابان، ثم نشأ في بريطانيا منذ أن كان في الخامسة من العمر أن يتربع على قائمة أشهر الأدباء، ويفوز بمبلغ 832 ألف جنيه إسترليني، ربما فقط لأنه كان أكثر وضوحًا مع ذاته وصبرًا على ما يكتب من غيره من الكتّاب.

يقضي كازو إيشيغورو سنتين في البحث من أجل كتابة رواية، ثم يكتبها في سنة، لذلك تفرّغ للكتابة منذ سنين، بدأ حياته بنشر مجموعة من القصص القصيرة، ثم نشر روايته "التلال الشاحبة" (1982)، ثم جاءت الثانية "فنان من العالم الطليق" بعدها بأربع سنوات كاملة، أتبعها بمجموعة أعمال أخرى  من الروايات والأغاني التي يرى في كتابتها "شاعرية" تشبه كتابته للرواية، خلال مسيرته أصدر عمله المفضّل للعرب الذي تحوّل لفيلم يحمل نفس الاسم "بقايا اليوم" (1989) وفازت بجائزة البوكر البريطانية، كانت بعض التعليقات من أدباء أبدوا دهشتهم بأن الرجل الذي فاز بنوبل 2017 كتب أقوى رواياته منذ أكثر من 25 عامًا!

تدور أحداث تلك الرواية بين الذاكرة الفردية التي يقدّمها رئيس الخدم (قدم شخصيته في الفيلم أنطوني هوبكينز)، يعمل فى قصر إنجليزي عريق هو "دارلنغتون هول"، ولا يحرص إلّا على خدمة اللورد الذي يمثّل التاريخ الوطني، ويرى أنه يجب أن يسخّر كل كفاءته وخبرته المهنية لخدمة رجل عظيم مثل لورد دارلنجتون من دون أن يتساءل عن التاريخ أو الأسباب، فقط عزلة تجعله يهرب من مساءلة ذاته وتاريخه، حيث يضع نفسه في رحلة عمل متواصلة لا تنتهي وكأن رمزية الرواية ذاتها باعتبارها "بقايا اليوم"، أي المساء الذي يأتي بعد أن ينهي الجميع عمله ليفعلوا ما يحبون، هو الشيء الذي يحاول البطل تجنبه باعتبار أن ذلك يعطّله.

يكتب إيشيغورو بأسلوب شديد الاقتصاد، ولا يقدّم التفاصيل الضرورية، بل إنه كثيرًا ما يقول شيئًا وهو يعنى شيئًا آخر

في الوقت ذاته يعلّق طلعت الشايب، مترجم الرواية الأهم في حياة  كازو إيشيغورو: "الرجل يكتب بأسلوب شديد الاقتصاد، ولا يقدّم التفاصيل الضرورية، بل إنه كثيرًا ما يقول شيئًا وهو يعنى شيئًا آخر، كتاباته خليط من الاستعارات المنفصلة والتلميحات والتشبيهات والتداخلات الغامضة بين الشخصيات وهو كاتب مدهش في تقديم شخصيات ثانوية تحيط بأبطاله فتبرزهم عن طريق العلاقة التى تربطهم معا، وأن روايته (بقايا اليوم) مثل كل الأعمال الإبداعية الكبرى، عمل عضوي متماسك، متكامل الأجزاء، كل مشهد وشخصية تجمّل الصورة الكلية وتوضّحها بصياغة محكمة تناسب الموضوع". بينما يقول كازو نفسه إنه يحاول أن ينتهي من قدر لا بأس به من "البحث"، فخلال عمله على "بقايا اليوم" مثلًا "قرأت كتبًا عن الخدم البريطانيين، وعن السياسة المحلية والدولية في فترة ما بين الحربين، وكثيرًا من المنشورات والمقالات من تلك الفترة، ومن بينها ما كتبه هارولد لاسكي بعنوان (مخاطر أن تكون جنتلمانًا)، وكنت قد أغَرْت على أرفف متاجر الكتب المستعملة المحلية للحصول على أدلة للريف الإنجليزي في ما بين ثلاثينات القرن العشرين وخمسيناته".

اقرأ/ي أيضًا: فريدريك لونوار.. خلطة تقليدية للسعادة

يظهر ذلك الوضوح في أحد حواراته حين قال إنه يعرف جيدًا أن الناس الذين سيعاملهم أثناء الكتابة من خلفيات ثقافية متباينة، "فأنا لا أشبه كثيرًا الإنجليز، لقد نشأت بين أبوين يابانيين، في منزل يتحدث اليابانية، أبواي لم يعرفا أنهما سيظلان في هذا البلد لوقت طويل، شعرا أنهما مسؤولان عن استمرار تواصلي مع القيم اليابانية بالرغم من عدم تواجدي هناك، كما أني لا أعتقد أني أشارك الكتاب الآسيويين في بريطانيا هموم الهوية، وأذكر أنني عندما جئت إلى هنا كنت أنا الطفل الياباني الوحيد في المنطقة، ولم يكن هناك من يسألني من أي مجتمع أنت، وأنا حتى الآن لم أشعر بأي روابط مع المجتمع الياباني الذي يعيش هنا، فهو مجتمع عابر من رجال يعملون في شركات متعددة الجنسية، ورغم ذلك رفضت العودة مرة أخرى لليابان".

لم يصل إلى كازو إيشيغورو من اليابانية كل التحولات الثقافية الكبيرة التي كانت تحدث في نفس الوقت الذي رباه والداه فيه على الثقافة اليابانية القديمة، فصوّر لنفسه يابانية متخّيلة، مما سبّب توترًا مع زيارته اليابان للمرة الأولى بعد  كتابته للروايتين، منذ ذلك الوقت إلى الآن ورغم كل الوضوح الذي يتميز به كازو إيشيغورو إلا أنه لم يمكن لأحد تصنيف كتاباته إلى منطقة بعينها، ففي الوقت الذي لا تزال محركات البحث في اليابان هذه الأيام تتساءل عن ذلك الشخص ذي الأصول اليابانية الذي حصد نوبل، فعلى الجانب الآخر لا يشارك بريطانيا هويتها، يكره التطويل والتضخيم والإضافات غير المفيدة طوال الوقت، ولا يحكمه سوى حبه الشديد للفكرة ووضوحها في ذهنه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

روايتان قصيرتان لستيفان زفايغ

حوار عن الجنس والموت والكتابة مع تشاك بولانيك مؤلف "Fight Club"