كازو إيشيغورو.. وصلُ ثقافتين بصوت

كازو إيشيغورو.. وصلُ ثقافتين بصوت

كازو إيشيغورو

يعد "كازو إيشيغورو" من الكتاب القليلين الذين استطاعوا أن يجمعوا بين ثقافتين مختلفتين، ويوظفوا ذلك في الكتابة بما يشكل نسيجًا متكاملًا، فتمكن من أن يعيش على حواف عالمين مختلفين، ليكتشف بعد ذلك أن أوجه التشابه بين كلا الثقافتين ليس كبيرًا كما تصور، الأمر الذي ساعده في أن يرى الأشياء والأشخاص من حوله من منظور شخصي أكثر.

كازو إيشيغورو: عندما يخرج الكاتب عن التقليدي والواقعي في الكتابة، يكون لزامًا عليه أن يبتكر

على الرغم من نجاحه في محاولة رصد هذا التشابه إلا أنه لم يحب التمنطق في أي من تلك الثقافتين، بل ترك نفسه في الساحة حرًا بلا قيود، وعلى هذا يعلق: "لا أعتقد أني أشارك الكتاب الآسيويين في بريطانيا هموم الهوية، وأذكر أنني عندما جئت إلى هنا كنت أنا الطفل الياباني الوحيد في المنطقة، ولم يكن هناك من يسألني من أي مجتمع أنت، وأنا حتى الآن لم أشعر بأي روابط مع المجتمع الياباني الذي يعيش هنا، فهو مجتمع عابر من رجال يعملون في شركات متعددة الجنسية".

اقرأ/ي أيضًا: أدونيس.. "تنويريّ" الرجل الأبيض!

"كازو إيشيغورو" ياباني المنشأ إنجليزي الجنسية، وقد رحلت عائلته من اليابان إلى إنجلترا، وعلى الرغم من أنها كانت تنوي العودة إلا أن القرار سرعان ما تراجع أمام الرغبة في البقاء نظرًا للحرية غير المتوقعة التي وجدوها هناك. بدأ دراسة "علم الاجتماع"، الأمر الذي ظهر واضحًا بعد ذلك في كتاباته، والتي كانت تتمحور جميعها حول الرغبات التي تتصدر حياة البشر رغمًا عنهم، وما يتبعها من حالات التخبط والفوضى التي تنجم عن تلك الأماني والرغبات غير المنظمة، فضلًا عن التذبذب والتشتت الناتجين من عدم مرونة الخيارات المتاحة، ربما هذه السمة كانت صفة أصيلة في شخصية "أيشيجورو" فصبغ بها كتاباته، خصوصًا أن حلم الكتابة لم يراوده إلا بعدما تراجعت أحلامه في أن يصبح موسيقيًا.

يقول "إيشيغورو": عندما يخرج الكاتب عن التقليدي والواقعي في الكتابة، يكون لزامًا عليه أن يبتكر، أن يخلق عالمًا جديدًا وأن يلتزم به، وهنا يصبح للفوضى والمنطق الداخلي الخاص به هدف. لذا كان أسلوبه يتسم بكثير من الاقتصاد والتحفظ، فهو لا يقدم إلا التفاصيل الضرورية فقط، ينأى بنفسه عن الخوض في التفاصيل والأفكار الثانوية كي يكسب حضور القارئ، وفي نفس الوقت يمجد تلك الشخصيات الثانوية التي يجعلها في البداية على هامش الأحداث، لكن عندما تتعمق أكثر تشعر وكأنما تلك الشخصية التي حسبت للوهلة الولى أنها مجرد طيف عابر سرعان ما يتبدد في غمرة الأحداث، ما هي إلا زاوية أساسية يرتكن عليها العمل فيبرزهم عن طريق العلاقة التي تربطهم معًا.

على حد وصف "طلعت الشايب" لا تغلف أعمال إيشيغورو بالغموض والتحفظ فقط، بل إنه يحاول أن يتلمس السمة التي تحكم الحياة الأوروبية بافتقادها لعنصر الإحساس بالعمق والتواصل، لذا فإن أعماله ما هي إلا نتاج صراعاته الخاصة، فدائمًا ما يخدعنا ويجعلنا مرتبكين إما لنقصٍ في القص أو ضبابية الرؤية، فيترك القارئ وحده أمام النسيج المتشابك للحكاية، كي يشحذ الخيال والذهن ويصل إلى صفاته الخاصة من الحكاية، وقد شبهه بعض النقاد "بكافكا"، عندما يستخدم أساليب معقدة تشبه الحلم وهو يصف شخصياته، وهو تكنيك يجبر القارئ على مزيد من إعمال الخيال وشخصنة القصة والاشتراك في كتابتها وكأنه هو كاتبها الأصلي.

"منظر شاحب للتلال"، "فنان من العالم الطليق"، "بقايا اليوم"، الناظر لتلك الأسماء يشعر بالحيرة والتردد، التي تتسم بها أعمال "إيشيغورو"، بالإضافة إلى واقعيته الخشنة التي تصدم القارئ لأنه لا يدرك المغزى من هذا العنوان إلا متأخرًّا.

كثيرًا ما كان يبني "إيشيغورو" أعماله على أطلال الماضي تلك الجراح التي لا تلتئم سريعًا

كثيرًا ما كان يبني "إيشيغورو" أعماله على أطلال الماضي تلك الجراح التي لا تلتئم سريعًا، ومنها تنشأ تلك التوترات التي تحس بها بين صفحات الكتاب، فكثيرًا ما تشعر بأن هناك من بين تلك الكلمات التي قيلت قصة لا بد وأن تروى مجددًا، وأحداث حالية ما هي إلا انعكاس لأحداث وقعت في الماضي، وما يتولد عن كل ذلك من أفكار مثل خداع النفس وخيبة في مناط الأمل، وتوترات ناتجة عن عدم التوافق والمثل الهابطة والكلمات التي كان ينبغي أن تقال، يستخدم ذلك كله لكي يجعل الناس يرون أنفسهم من خلال الماضي، في الوقت الذي يحاولون فيه نسيان ذلك كله لمواصلة الحياة.

اقرأ/ي أيضًا: حقي صوتشين: هناك من يربط العربية بالدين فقط

كل هذا نابع من كونه فنانًا شديد الحساسية، يجيد تصوير الفرص الضائعة والأخطار الناجمة عن الفشل في التواصل وغربة الشخصيات عن الحياة، كي يثبت أن تلك الحياة ليست جديرة بأن تعاش بدون تلك العلاقات المهتزة، والقارئ لروايته "بقايا اليوم" سيدرك ذلك جيدًا، إذ يعتمد فيها على الذاكرة الفردية التي تقوم بعملية الفلاش باك على أحداث وقعت، التي يشعر القارئ نحوها بأن الأمر شخصي جدًا من اعترافات رئيس الخدم "ستيفنس"، الذي كان يحب "رئيسة الخدم" ورغم ذلك تركها تتزوج رجلًا آخر، فيحاول أن يستعيد بعضًا من ماضيه المسلوب، فيقوم برحلة إليها يحاول أن يبحث عن البقية الباقية من الشيء الذي تركه بداخلها فلا يجد، فيصل إلى حالة من ترويض النفس، ودرجة من الخمود في الفكر، ويرتكن إلى نفسه التي جعلها رهنًا لإنسان آخر.

أكثر ما كان يضايق "إيشيغورو" هو النظر إليه لكونه كاتبًا يابانيًا فقط، فيقول: "إن استخدامي الدقيق للغة ليست خاصية يابانية، فقد كانت "جين أوستن" و"هنري جيمس" يستخدمان الأسلوب نفسه بنجاح كبير، وأنا بطبيعتي أكره التطويل والتضخيم كما في مسرح الكاوبوي وأفلام كيروساوا، وليس لزامًا عليّ أن أعبر عن قضايا المجتمع الياباني في لندن أو أعكس اهتماماتهم".

حصدت بعض أعماله جوائز منها روايته الأولى "منظر شاحب للتلال"، حصل من خلالها على جائزة "وينفرد هولتباي" نظرًا لرشاقة اللغة التي كتبت بها الرواية حيث عكست ذكاءه وحدة ذهنه، وقالت عنها جريدة "التايمز": "إنها إنجاز كبير"، وحصلت روايته الأشهر "بقايا اليوم" على جائزة "البوكر" كواحدة من أكثر الروايات تأثيرًا.

المصادر: 

دراسة عن أعمال إيشيغورو لـ طلعت الشايب

بقايا اليوم، كازو إيشيجورو، ترجمة طلعت الشايب

اقرأ/ي أيضًا:

القراءة.. مرايا من ورق

محاكم التفتيش الإسبانية.. إما المسيحية أو الموت