كارل لكن ليس ماركس.. شبح الشيوعية لم يعد

كارل لكن ليس ماركس.. شبح الشيوعية لم يعد

تبدو العودة إلى ماركس، كإخراج لماركس من حياته (Getty)

أول ما قد يخطر في البال عند الحديث عن "عودة كارل ماركس" هو الحتمية التاريخية. سرعان ما يتضح أن البروليتاريا لم تتغلب على الرأسمالية. لم تدفنها. ليس هذا وحسب، بل إن شروط استمرار الرأسمالية، مرتبطة بالاشتراكية. للأسف، لا يمكننا أيضًا استخدام مصطلح "الطبقة العاملة" اليوم. هذه الطبقة فقدت محددها التاريخي (Historica agent). في الوقت نفسه، يعمل العمال الصينيون، أو جزء كبير منهم تحديدًا، في الصين الاشتراكية، وهم غالبًا على وعيٍ بأنفسهم وبطبقتهم، لكن ليس من أجل بناء المجتمع الاشتراكي، إنما من أجل الحفاظ على التوازن الاقتصادي الذي يستفيد منه الغرب الرأسمالي. نحن في معضلة فعلًا. يمكنك القول إن هذه مجرد نظرية مجنونة وردت في إحدى مقابلات جاك رانسيير. يقدّم الأخير معظم شروحاته بشيء من الهزل عادةً، المفارقة أن هذا "التقليد" ليس بعيدًا عن ماركس نفسه.

هناك قلق جدي، من أن عودة "شبح ماركس"، مخيفة فعلًا، لأنها عودة "شبح"، وليس عودة ماركس فعلًا

الرأسمالية التي تسيطر على العالم اليوم، تتكل على نحوٍ كبير على الحزب الشيوعي. هذه مفارقة لدرجة أنها لم تعد مفارقة. وطبعًا لا يقصد رانسيير الحزب الشيوعي اللبناني، أو الفرنسي، أو التشيلياني. يتحدث تحديدًا عن الحزب الشيوعي الصيني، أكبر الأحزاب الشيوعية في العالم، بمعزل عن أي تفسيرات مادية أخرى لظروف الاقتصاد الصيني وآليات عمله. عبر هذه الآلية، توظف الشركات المتعولمة والرأسمالية بطبيعة الحال، العمال الصينيين، بأقل كلفة ممكنة. ولا يمكن أن ينتظم البروليتاريا في طبقة، بل لا يمكنهم حتى أن يطالبوا بأبسط حقوقهم. يعتقد رانسيير أن أهمية الفلسفة تكمن في فتحها نافذة، تسمح لنا بالأمل، بعالم أقل سخافة وأكثر عدالة. للمناسبة، يبدو التعبير هو الآخر ماركسيًا إلى درجة يصعب إنكارها.

إحدى مشاكل الماركسية في الواقع مثل بقية المشكلات: تقديس ماركس بدلًا من محاولة فهمه. تقديس الماركسية بدلًا من التعامل معها كأداة للتحليل. وقبل الإحصاء، يمكنك أن تعرف جيدًا أن جزءًا من الماركسيين اليوم، هم ماركسيون يستخدمون وسائط رأسمالية لنشر أفكارهم عن الماركسية، كما يتحدثون غالبهم الإنكليزية كلغة عالمية للأسواق الحرة. لا ينقص هذا من الماركسية، أو يجعل الماركسيين المعاصرين منافقين أو ضحايا، وليس الهدف منه التقريع، أو حتى الهزل. هذا مجرد عرض، فنحن على علاقة مع هذا الحاضر التائه. كما أنا الجانب الأهم من الفكر الماركسي بقي حيًا: الصراع الطبقي. أما أين تصنع تلك الأدوات الرأسمالية، فذلك هو السؤال الذي يبحث عن إجابات، وهي موجودة طبعًا. ما زال هناك نخبة حاكمة تدير مجموعة مصالح طبقية، والفجوة بين الطبقات تزداد عمقًا.

في الواقع، هناك تأثير واضح للماركسية في كثير من المقاربات المعاصرة، من دون الاعتراف بالضرورة بالأصول الماركسية من أصحاب هذه النزعات. خطابات المنادين بالعدالة الاجتماعية المعاصرة، عمومًا، لمحاربة "الخلل في المساواة"، ترتكز غالبًا على ركيزتين أساسيتين ولكن مع إضافات الضرورة. الأولى ركيزتها الأدبيات الماركسية نفسها، عن التفاوت الطبقي والصراع من أجل إلغاء الطبقات. يبدو هذا، في لحظة تاريخية حميمية، شكلًا من أشكال التأثر بالماركسية. لكن الركيزة الثانية، غالبًا ستكون استعارة عملانية، من التحليل "الكينزي"، تحديدًا عند الحديث عن ضريبة على الثروة، أو عن هذا النوع من العدالة، على طريقة توماس بيكيتي وغيره.

 وقد يكون ممكنًا القول إن النخبة المهيمنة التي يتحدث عنها الجميع اليوم، هي نفسها الطبقة الحاكمة التي تحدث عنها ماركس. ولكن هل يعني هذا أن ماركس عاد فعلًا؟ سيعني هذا فعلًا أنه غاب لفترة أيضًا. وسيتوجب علينا تحديد هذه الفترة إن كان ذلك صحيحًا. ما نعرفه، هو أن الطبقة العاملة التي تزداد فقرًا لمصلحة طبقة حاكمة، لم تعد تملك متحدًا تاريخيًا واضحًا. وحتى يعود ماركس، كما نعرفه، يجب العثور على هذا المتحد. لكن الباحثين الشعبويين عن "اشتراكية" لا ينتظرونه. لا يبحثون عن طبقة عاملة.

حسب كثير من المفكرين الأوروبيين، وبالنسبة لمناطق كثيرة من العالم، تطرح فيها الحركات الشعبوية شعارات ضدّ العولمة، وضدّ الإفقار والأسواٍق المفتوحة، على نحو يتقاطع مع طروحات ماركسية كلاسيكية وتجديدية أيضًا، تبدو العلاقة غير ممكنة. ليس ماركس الذي عاد، ولا الاشتراكية، حتى أن الخطاب الشعبوي (وهو ليس خطابًا واحدًا)، يتوجه على جمهور اعتاد الاستهلاك ويصعب زحزحة صخرة الملكية الخاصة من وعيه.

في موازاة ذلك، لا يوجد يسار واحد، أو ماركسية واحدة، ولكن يمكن أحيانًا الإشارة بالتسميات إلى أنواع مختلفة من اليسار، أو من الماركسية. هناك قلق جدي، من أن عودة "شبح ماركس"، مخيفة فعلًا، لأنها عودة "شبح"، وليس عودة ماركس فعلًا. هناك أسئلة جدية عن ماركسية شعبوية، تتشكّل منها المشاريع اليسارية المقبلة، بحيث يجتمع التحليل الماركسي والمنحى الاشتراكي مع أشكال لم تتبلور صيغتها النهائية بعد من الشعبوية. ولكن أفكار مثل هذه تبدو إطلاقية وغير قابلة للحدوث.

اقرأ/ي أيضًا: المانيفستو في ضيافة القرن 21

لا يأتي هذا الاستبعاد من أرثوذكسية ماركسية، بل لأن الماركسية في الأساس لا تقبل التعدد عندما يتعلق الموضوع بالتحليل الاقتصادي، كما أن المجتمع الشيوعي ليس مجتمعًا سياسيًا مرنًا من الناحية السياسية. وهذا ما يجعل التلاقي بين الماركسية والشعبوية، بتمثيلاتها الحالية، أو الأكثر سطوعًا منها على الأقل، أمرًا مبالغًا فيه، بما أن الشكل الاشتراكي الذي تطمح إليه "شعبويات" اليوم، هو شكل تصادمي، يستدعي وجود أعداء.

على نحو ما، تبدو العودة إلى ماركس، كإخراج لماركس من حياته، في القرن التاسع عشر. الرجل ليس طوطمًا، ويجب التحرر من سيطرته على التحليل، لاستخدام أفكاره نفسها في تحليل أفضل. هناك أساطير مؤسسة للماركسية، أو أفكار مؤسسة لأسطورة كارل ماركس نفسه. العودة إلى "ماركسية ماركس" نفسه قد تساهم في هذا التحرر، وفي عدم تجاوز التاريخ للتاريخ. لكن تلك العودة محفوفة بالمخاطر أيضًا، فماركس هو شخص في غرفة مغلقة وفي مكتبته وفي الحديقة وفي صداقته مع أنجلز، وهو أيضًا الهيغلي في بداياته، وسليل التاريخ والحقبة الزمنية التي عاش فيها، وهو أيضًا واحد من "خريجي" ذلك المجتمع الأوروبي الكبير الذي عاش ثلاث ثورات أساسية: الصناعية في إنكلترا، السياسية في فرنسا، والفلسفية في ألمانيا. إن ماركس هو علاقة شائكة بين الفرد والمجتمع، وهو بهذا المعنى، ينتمي إلى التاريخ. وعندما يُخرج من هناك، يجب أن يُخرج بعناية، لكي لا ينكسر أو يتشظى.