"كارثة طبيعية".. من يتحمّلها محمد وشروق أم المشاهدون؟
1 ديسمبر 2025
حدث مفجر يستهل به المؤلف أحمد عاطف فياض والمخرج حسام حامد، صُناع مسلسل "كارثة طبيعية" (منصّة Watch it) العمل، وذلك بإعلان خبر الزوجة شروق (جهاد حسام الدين) لزوجها محمد (محمد سلام) حملها في خمسة أطفال. حدث يتسق مع اسم المسلسل ويمهد لعدم استقبال الخبر بفرح؛ اسم يتبعه ردود أفعالٍ داخل المسلسل تضرب الصورة النمطية القديمة لاستقبال وجود طفل في رحم الأم – في مقتل – لنجد أنفسنا مع ممثلة تعيد جملة "أنا.. أنا.. أنا حامل" ويستقبلها الزوج بدهشة وفرح: "أنا هبقى أب" ويليها تعليمات للزوجة بألا تحمل أشياء ثقيلة وألا تتحرك من الفراش.
ليست المشكلة في عدد الأطفال الموجود داخل رحم الأم، بل وقبل معرفة العدد، فاستقبال الزوج لخبر الحمل من بدايته هو استقبال رافض متذمر. هذا الاختلاف يطلعنا على الأزمة المستند عليها المسلسل بأكمله، والتي ينتظرها الجمهور. فالحدث المفجر الأكبر خمسة أطفال، هو حدث مُعلن عنه منذ الإعلان التشويقي المُذاع قبل العرض بفترة كبيرة، وتعتبر هذه الحِيلة التسويقية حيلة شجاعة؛ لم تراهن على فضول المتلقي في معرفة سبب الأزمة المبدئي داخل الدراما، بل اعتمدت على مُلامسة توابع الأزمة مع أغلب المشاهدين. وفي ظنّي أن هذا العنصر من أهم عناصر النجاح والاستمرارية.
دوامة الأزمات المتداخلة
الأزمة العامة داخل الإطار الدرامي تعتمد على تبعات الحمل، وفي الوقت نفسه لم يتسنَ للكاتب أن ينهي أزمة عدد الأجنة سريعًا، بل تعامل معها أيضًا بصفتها أزمة متطورة في ذاتها. ومنها حاول خلق التبعات المتأزمة لأصل الحكاية عن طريق كل ما يخص مشاكل الأطفال من توفير اللبن، الحفاضات، دون إغفال لتطوير الأزمة الرئيسية في زيادة عدد الأطفال بين كل حلقة وأخرى، من 5 إلى 7 ثم من 7 إلى 8. ثم بتداخل الأزمات الرئيسية مع الفرعية؛ تداخل يلزمنا بمسألة التصنيف لأن جميعها مترابطة مع تطور الأحداث ومرور الحلقات.
وعلى الرغم من البناء الدرامي التصاعدي الواعي بمسارات الدراما بين انفصالها واتصالها، ودخول أزمات جديدة تزيد الأمور صعوبة وتربط بين الأزمات الرئيسية والفرعية معًا، مثل زيادة إيجار المنزل، خصم مدير عمل الأب له بين كل حين وآخر من راتبه، رفد مدير عمل للأم من عملها بعد علمه بإنجابها هذا العدد، إلا أن العمل توجه بانشغاله الدرامي والذي يحاول كُليًا أن يلامس أغلب المتفرجين المنتمين إلى الطبقة المتوسطة الفقيرة. وهذا ما يثبت أن هذا التوجه واقعي للغاية. ولكنه في الوقت نفسه أهمل الشِق الطبي في بعض المواضع الهامة. وأولها أنه عند إعراب الزوجين عن شعور الغضب تجاه العدد لم يوضح أي طبيب أحقية "Selective reduction" أو "الاختزال الجنيني" وهو إجراء طبي شهير مقصود به تقليل عدد الأجنة داخل الرحم في حالة زيادة العدد بهذه الصورة. وهو ما يُنصح به لأسباب طبية. أولها الخطر المحتمل للغاية على الأم والأجنة معًا، وحدوث الولادة المُبكرة، واحتمالية وفاة عدد من الأجنة بعد الولادة بالإضافة إلى مضاعفاتٍ متعددةٍ للأم أثناء وبعد الولادة.
لم يتطرق المسلسل بالقدر الكافي إلى آلام الأم الصحية والنفسية والبدنية، بل حاول الكاتب أثناء رسمه لشخصية شروق أن تظهر آلامها على هيئة نكات
ولكن المسلسل كي يستكمل خطاه في تطوير أزماته الدرامية، لم يتطرق حتى لعرض مثل هذا المقترح ثم رفضه من قِبل الزوجين، بل عرضه في صورة أسئلة لبعض من الشيوخ الذين حرّموا الأمر قطعًا، دون أي التفات لصِحة الأم أو النظر الحقيقي في الإجراءات المُشرعة طبيًا والمُعترف بها.
دلالات في المتن وآلام في الهامش
على ذلك النهج لم يتطرق المسلسل بالقدر الكافي إلى آلام الأم الصحية والنفسية والبدنية، بل حاول الكاتب أثناء رسمه لشخصية شروق أن تظهر آلامها على هيئة نكات مثل تخاريف البنج وتصريحها أنها لم تنل قُبلة من زوجها منذ ستة أشهر، أو انشغالها بتصفيف شعرها -رغم أهميته- إلا أن المشاكل الخاصة بها جاءت على نحو فكاهي، لتصبح بنية الدراما كُليًة تعتمد على الأزمات المادية. فهذا الشِق يرتبط اجتماعيًا بالأب والمسؤول مسؤولية كاملة على توفير المصاريف المنزلية للأطفال والأم. إنه الضغط المادي الذي يضطره في النهاية إلى اللجوء لمحاولة بيع جزء من جسده، حيث لم يغفل المسلسل إخراجيًا أن يختار بعناية موقع تصوير مشهد الاتفاق على بيع كليته داخل محل جزارة مع رصد طريقة تقطيع اللحم، والتي تتقاطع مع فعلة البطل وتُسلّعه. وهو أمر استمر عليه المسلسل طوال حلقاته العشر، بين دلالات لوغو الشركة التي يعمل بها البطل، كشركة إنترنت صورتها الدعائية سلحفاة. والتي تتقاطع مع مواضع عدة من حيث بطء وبيروقراطية سير الأشياء، وصولًا لدلالة اسم السيناريو الأخير الذي كتبه البطل -حلمه الأساسي ككاتب سيناريو- وهو "بداية جديدة". إنها الدلالات التي أحيانًا تحمل مباشرتها بين طياتها وأحيانًا تتدفق دراميًا لتخلق حالة القلق والتورط في الأزمة. إنه اجتهاد واضح في كتابة السيناريو والإخراج، لكنّه يفتقد النظر إلى آلام الأم الحقيقية.
وبحسب دراسة بعنوان "الأمراض والوفيات الأمومية المرتبطة بالحمل المتعدد" منشورة بـ "National Library of Medicine" بالولايات المتحدة الأميركية، والتي تم خلالها اختبار فرضية لعدد من نساء ذوات الحمل المتعدد، فقد أظهرت النتائج بأنهنّ الأكثر عُرضة لخطر حدوث نتائج سلبية. تصل لأربعة عشر عاملًا مُربكًا محتملًا؛ من أهمها زيادة احتمالية حدوث وفاة للأم، تسمم الحمل، النزيف الغزير بعد الولادة، مضاعفات للقلب والشرايين، فقر دم والتهابات.
كما ورد في دراسة أُخرى أجرتها كلية طلب بجامعة سوهاج عام 2018 عبر تحليل البيانات الإحصائية عن الحمل متعدد الأجنة بأن عددًا من الحالات أثمرت عن: 21% تعرضن للإجهاض الحتمي و2% تعرضن للتخثر الوريدي العميق (DVT) و2% تعرضن للإجهاض المهدد، كما أن 2% تعرضن للإجهاض الفائت و3% تعرضن لفرط إفراز السائل الأمينوسي و3% تعرضن لموت الجنين داخل الرحم و27% تعرضن لتمزق الأغشية المبكر و12% تعرضن لتسمم الحمل و10% تعرضن لفرط القيء الحملي و2% تعرضن لمرض السكري الحملي و4% تعرضن لارتفاع ضغط الدم الحملي و2% تعرضن لتشوهات خلقية و1% تعرضن لنزيف ما قبل الولادة و56% تعرضن للولادة القيصرية.
واقعي = تحيز جندري
دون الإسهاب في عرض مصادر دراسية تثبت أهمية دور السيناريو في البحث المتعمق لرصد أزمة لا تقل أهمية عن الماديات. وهو شيء لم يتحقق في ظل الانشغال بالعوائق التي تخصّ مسؤولية الأب؛ ذلك التحيّز المتسق مع طبيعة المجتمع الذي يخاطبه العمل، من إعطاء الأعباء الاقتصادية التي يتحمّلها الرجل الأولوية في المناقشة والتعاطف، في مقابل إغفال التحديات الجسدية والنفسية للمرأة في ظلّ ظروف تلك الكارثة الطبيعية والتي – حتى لحظاتها الأخيرة – حافظ الإخراج على إيقاعها من اختلاط للأزمات وتصاعد يعطي الأمل للأبطال والجمهور المتورط في الأزمة معهما، عن طريق رسم شخصية "وزير التضامن" والذي قدّمه محمد ممدوح كضيف شرف، برسم دقيق للتفاصيل، حيث يحمل جانبًا طيبًا ويريد بالفعل مساعدة الزوجين. وذلك في مقابل فخره وتباهيه الدائم بمنصبه وسعادته بالمدح الموّجه إليه، والذي يمهد أنه في حالة سماعه خبر إقالته من منصبه، لا يُمكن له أن يتذكر إلا غياب الوجاهة الاجتماعية وغياب المدح، والذي يدفعه إلى عدم توقيع ورقة المساعدة للزوجين، أو حتى الاعتذار لهما. وهو الحال نفسه في دقة رسم العديد من التفاصيل التي ربما جاءت على حساب رصد التحديات الصحية والنفسية الحقيقية للأم. وهو ما يفتح مساحة حقيقية لتأمل ومناقشة كيفية تمثيل الدراما للأدوار الجندرية داخل مجتمعها، دون إغفال الجهد الفني المبذول.







