ultracheck
  1. ثقافة
  2. أفلام

كاثرين بيغلو تفكّك أسطورة الردع الأميركي في "A House of Dynamite"

27 أكتوبر 2025
بيت الديناميت
ريبيكا فيرغسون بدور مسؤولة غرفة العمليات في البيت الأبيض أوليفيا ووكر (نتفليكس/الترا صوت)
وائل قيس وائل قيس

تعود كاثرين بيغلو، الحائزة على جائزة الأوسكار، في فيلم "A House of Dynamite" (بيت الديناميت) عن سيناريو نواه أوبنهايم، إلى المنطقة التي تتقاطع فيها السياسة بالخطر الوجودي، حيث لا يفصل بين نجاح وفشل منظومة الردع الأميركية سوى ثوانٍ معدودة. في هذا العمل، الذي أطلقته عملاق البث العالمي "نتفليكس" تحت عنوان "على حافة الانفجار"، لا يظهر العالم ككيانٍ متماسك بل مثل "بيتٍ هش من الديناميت"، كل جدار فيه مرآة للخوف البشري والعجز المؤسساتي. الفيلم ليس عن صاروخ باليستي يهدد "الحلم الأميركي"، بل عن أنظمة تتداعى من الداخل، وعن وهم السيطرة في زمنٍ يتآكل فيه معنى القيادة والمسؤولية، ليشكل الانفجار هنا مسألة وعي أكثر منه حدثًا ماديًا أو إدراك مفاجئ لانتهاء فكرة العظمة التي تأسست عليها الولايات الأميركية.

في الرواية الأولى، يعرض "الميل يستوي" الطبقة الأولى من تفكّك فكرة الهيمنة الأميركية. في كتيبة الدفاع الصاروخي في ألاسكا، يقف دانييل غوانزاليس (أنتوني راموس) أمام الشاشات محاطًا بأزمة عاطفية وتهديد وجودي، يتداخل بينهما الترقّب والوعي بأن لحظة السقوط قد تأتي من داخل منظومةٍ لم تعد تؤمن بقدرتها على إنقاذ ذاتها، مدركًا هشاشة القوة التي يخدمها دون أن يملك ترف الشك. في المقابل، داخل البيت الأبيض، ترفض أوليفيا ووكر (ريبيكا فيرغسون)، التي تعيش حياةً عائلية مثالية، الاحتماء بالملجأ النووي، بينما يحاول ويليام ديفيس (مالاشي بيسلي) الحفاظ على خيط الاتصال مع القواعد. بين ألاسكا وواشنطن يتشكّل القرار الفاصل، حيث تتجسّد الدولة في حالةٍ ذهنية واحدة. وفي الداخل، هي دولة تعرف أن الضغط على الزر قد ينقذها أو يفضح هشاشتها.

تقدّم الرواية الثانية لحظة صدور القرار، حين يجتمع مسؤولو الدفاع والأمن القومي والاستخبارات في البيت الأبيض لمحاولة فهم ما حدث وتقدير حجم الرد المحتمل. تتوزّع الشاشة بين أصوات تميل إلى الرد الفوري وأخرى تدعو إلى التريث. ووسط هذا الجدل، يتقدّم نائب مستشار الأمن القومي جاك بايرينغتون (غابرييل باسو)، الرجل الأكثر واقعية في المشهد. بايرينغتون لا يرى العالم من زاوية الهيمنة بل من حدود القدرة، ويدرك أن المنظومة الأميركية، مهما بلغت تقنيتها، عاجزة عن اعتراض كل خطرٍ قادم. يمثّل هذا الصوت العقلاني لحظة مواجهة الذات داخل منظومةٍ تشبه صدى نفسها. إنه الوعي البارد وسط ضجيج الغرور العسكري. تلك البراغماتية الأميركية في مواجهة القوى العظمى ليست شكًا بقدر ما هي اعتراف بنهاية أسطورة التفوق المطلق، حين تصبح "إصابة رصاصة برصاصة" معادلة رمزية تختصر هشاشة القوة وحدودها معًا.

في الرواية الثالثة، يتصدّر المشهد الرئيس الأميركي (إدريس إلبا)، الذي يظهر أولًا في تجمع لكرة السلة، رمزًا لصورة الهيمنة الشعبية الأميركية قبل أن يهرب عبر حوامةٍ رئاسية، في انتقالٍ رمزي من فضاء فخر الترفيه الأميركي إلى فضاء العجز. هذا التحوّل من اللعب إلى الخوف يجسد المسافة التي تفصل صورة القوة عن السلطة كواقع في "منزلٍ مليءٍ بالمتفجرات". يجسّد إلبا الشخصية بنسخةٍ ثقافية، إذ يحمل الجسد الأسود إرث الرئيس السابق باراك أوباما. هو رئيس حذر، متردد، خائف من الخطأ أكثر من الهزيمة. في لحظة اتخاذ القرار النووي، تتقاطع الأسئلة العرقية مع أسئلة القيادة، ليغدو الرئيس مرآة أمة تمتلك القوة المطلقة لكنها تخشى اختبارها، لأن استخدامها يكشف حجم العظمة الأميركية. لا يهاجم الفيلم السياسات الأميركية بقدر ما يعري هشاشتها البنيوية، حيث يصبح الخوف هو الشكل الأكثر صدقًا للحكم.

تعود كاثرين بيغلو في فيلم "A House of Dynamite" إلى المنطقة التي تتقاطع فيها السياسة بالخطر الوجودي، حيث لا يفصل بين نجاح وفشل منظومة الردع الأميركية سوى ثوانٍ معدودة

ينتمي "بيت الديناميت" إلى خط السرديات الأميركية التي تبني قوتها على وجود عدو دائم. من روسيا إلى الصين وكوريا الشمالية وحتى إيران، يستعرض الفيلم جميع الوجوه المألوفة في قائمة "محور الشر"، لكنه لا يقدّم واحدًا منها بشكل واضح. هذا الغموض مقصود، لأنه يعكس عقلية السياسة الأميركية التي اعتادت أن ترى في الخارج تهديدًا دائمًا لتبرير غزاوتها الخارجية. العدو هنا ليس دولة بعينها، بل فكرة ضرورية لبقاء النظام نفسه في حالة استعداد. بهذه البساطة، يكشف الفيلم أن الخطر الخارجي لم يعد سوى صورة تُخفي خوفًا داخليًا أكبر، بقدر ما يظهر خوف أميركا من فقدان دورها كقوةٍ لا غنى عنها.

في المشهد الأخير، يصوّر "بيت الديناميت" لحظة انكشاف النظام من الداخل. صفوة المجتمع الأميركي، مسؤولون وسياسيون ومستشارون، يصعدون إلى حافلات النقل المتجهة نحو الملجأ النووي، فيما يُسمع صوت شرطي في الخلفية يقول: "لست موجودًا على القائمة". لا شيء درامي في الصورة، لكنها تختصر مبدأ يحكم الإمبراطوريات في لحظات السقوط، تصبح فيه الامتيازات الوظيفية مفتاحًا للنجاة. وفي مواجهة الفناء، تُعاد كتابة العقد الاجتماعي بلغة البقاء للأقوى، ويصير الحق في الحياة نفسه جزءًا من التسلسل الهرمي للسلطة. تلك اللحظة لا تكشف خللًا في النظام بل جوهره، ملخصة دور السلطة في إدارة الحياة والموت بالأسماء نفسها التي تدير بها الوظائف والقرارات.

تتسع الفكرة هنا إلى سؤالٍ أبعد من السياسة. لا يسأل الفيلم من أطلق الصاروخ، بل من يملك تعريف النجاة. الحروب والكوارث، كما تصوّرها بيغلو وأوبنهايم، ليست نهايات بل أدوات تُعيد ترتيب البشر على سلم جديد للقيمة. في هذا العالم، لا تحتاج الأنظمة إلى أعداء خارجيين لتبرير بقائها؛ يكفي أن تخلق أزمات تُبقي مواطنيها في انتظار الأوامر. هكذا تتحوّل الملاجئ إلى رموز، والكارثة إلى اختبار أخلاقي لعصر فقد توازنه بين حماية وخوف الإنسان.

ينتهي الفيلم تاركًا للجمهور مساحةً للتخيّل. لا نعرف إن اتخذ الرئيس الأميركي قرار الرد، ولا إن أصاب الصاروخ المجهول هدفه في شيكاغو. لكن هذا الغموض ليس نقصًا في السرد، بل هو جوهر الفكرة التي يشتغل عليها الفيلم. العالم الحديث يعيش على حافة الاحتمال، وأن القرارات المصيرية تُتخذ أو تُؤجل في مساحة ضيقة لا يعرف فيها أحد من العدو ومن الصديق. هنا، يصبح اللايقين شكلًا من أشكال الحكم، وتتحوّل الديمقراطية النووية إلى لعبة الخوف والتردد.

لكن الأهم أن هذا الغموض لا يترك المشاهد في فراغ، بل في مساحة تأمل حول معنى القوة ذاتها. فالقصة لا تتعلق بصاروخ مجهول أو قرارٍ مؤجل، بل بنظام تأسس على العيش داخل دائرة خوف صنعه بنفسه. الولايات المتحدة، كما يصوّرها الفيلم، لم تعد تخشى أعداءها بقدر ما تخشى عجزها عن اتخاذ القرار. النهاية المفتوحة ليست عن مصير شيكاغو، بل عن مصير فكرة "القوة العظمى" حين تفقد يقينها، ويكشف الانتظار هشاشة هذه العظمة على الخارطة السياسية.

كلمات مفتاحية
صورة تعبيرية

من هرمز إلى بوليوود.. كيف أثرت الحرب على صناعة السينما الهندية؟

اعتمدت بوليوود بشكل كبير على الإيرادات من الأسواق الخارجية، خاصة دول الخليج والجاليات الهندية الكبيرة هناك، فتأثرت بشكل مباشر من الحرب الجارية

جوائز الأوسكار

فلسطين تفرض نفسها رغم الحضور السياسي الحذر في أوسكار 2026

رغم التوترات العالمية المتصاعدة، شهد حفل جوائز الأوسكار 2026 حضورًا سياسيًا محدودًا مقارنة بسنوات سابقة

 فيلم "Blue Moon"

فيلم "Blue Moon": أغنية لعصر ومرثية لروح معذبة

إن أردنا أن نبحث عن سر افتتاننا بالسينما، لربما كان من بين مئات الأسباب قدرتها على إعادة إنتاج ذاتها من جديد مهما تقولبت

قاليباف وفانس
سياق متصل

لماذا رفعت أميركا وإيران مستوى تمثيل الوفد التفاوضي المحتمل في إسلام أباد؟

رفع مستوى التمثيل يعكس جدية تفاوضية أكبر، وتسريع القرار، وتوسّع الملفات المطروحة بين واشنطن وطهران

بيروت
سياق متصل

تفاوض تحت النار مع إسرائيل.. هل تلتحق بيروت باتفاق واشنطن طهران؟

تحوّلت بيروت إلى قبلة المشهد الإقليمي والدولي، بعد اليوم الدموي الذي أعاد إلى الأذهان هجوم "البيجر" في 17 أيلول/سبتمبر 2024، مخلّفًا في إحصاء أولي غير نهائي أكثر من مئتي شهيد وألف جريح

لبنان
راصد

"الأربعاء الأسود".. حين تُرك اللبنانيون وحدهم أمام آلة الموت

أعاد "الأربعاء الأسود" إلى أذهان اللبنانيين أيامًا سوداء عاشوها، من انفجار مرفأ بيروت إلى واقعة تفجير أجهزة البيجر

طهران
سياق متصل

تقدير موقف|اتفاق وقف إطلاق النار في الحرب على إيران: دوافعه واحتمالات نجاحه

أعلن الجانبان الأميركي والإيراني، في 8 نيسان/ أبريل 2026، التوصل إلى اتفاق هدنة، توسطت فيه باكستان، وتضمّن تعليق الأعمال القتالية مدة أسبوعين، والبدء في مفاوضات، في إسلام أباد