تصميم لـ DAALI/ سوريا (فيسبوك)

في آخر كابوس رآه مازن قبل عبوره الحدود الهنغارية، كان – وكما رأى في الكابوس – تائهًا في غابة حدودية بعد ابتعاده دون قصد عن المهرب ورفاق رحلة اللجوء. أثناء محاولتهم الهرب من دورية لحرس الحدود كانت تطاردهم حينها. ظلّ مازن يركض في الغابة ثلاثة أيام متتالية، محاولًا اقتفاء أثر المهرب أو جنود حرس الحدود. لكنهُ مات مساء اليوم الثالث من شدة البرد والخوف والجوع. أفاق مازن صباح ذلك اليوم فزعًا ومذعورًا من الكابوس. وأمام المرآة المعلقة فوق المغسلة بدأ يفكر: ماذا لو صار ذلك الكابوس واقعًا ككل الكوابيس الأخرى التي رآها؟ كانوا حينها، مازن والمهرب والشبّان الثلاثة عشر، لا يزالون في منزل مهجور قريب من الحدود، يستخدمه المهرب لإيواء اللاجئين، منتظرًا الوقت المناسب لعبور الحدود. أخبر مازن المهرب بأمر ذلك الكابوس. امتقع لون وجه المهرب حينها، إلا أنه فكر بالأمر جيدًا وقرر تأجيل عبور الحدود يومين إضافيين. المهرب أيضًا بات مقتنعًا مثل مازن بأن تلك الكوابيس مصدر شؤم كبير جدًا، بعد كل الكوابيس التي صارت واقعًا منذ بداية رحلة اللجوء تلك.

بدأت حكاية الكوابيس قبل سنة من عبور مازن الحدود. أول الأمر ظن أنها مجرد كوابيس لا أكثر، ولكن بعد الكابوس الثاني بدت تلك الكوابيس كما لو أنها نبوءات. رأى في الكابوس الأول موت صديقه خالد. لا يذكر الآن ما حدث في ذلك الكابوس بشكل جيد، ولكنه يذكر كيف مات خالد بعد ثلاثة أيام فقط من رؤيته ذلك الكابوس.

كانوا يومها يمشيان معًا في سوق الحي لأجل التسلية وإضاعة الوقت فقط. حين لفت انتباههما محل صغير ومنزو لبيع التحف والآثار المقلدة. تلك التي يمكن للمرء الحصول عليها مقابل كمّ قليل جدًا من النقود. وقفوا يومها أمام المحل الذي كان مغلقًا. ومن خلف واجهته الزجاجية الكبيرة، كانوا يتأملون التحف والآثار على الرفوف داخل المحل. آنذاك انهالت على السوق عدة قذائف، وسقطت واحدة أمام المحل مباشرةً، على بعد أمتار قليلة منهما. وسقط أيضًا مازن فاقدًا الوعي. عندما أفاق وجد نفسه داخل مستشفى ميداني ذو إمكانيات قليلة جدًا، فاقدًا إصبعين من يده اليسرى. حين سأل يومها عن خالد، قالوا له إن شظية دخلت رأسه وأنهت حياته.

رأى الكابوس الثاني قبل أسبوعين من حصار الحي. وللحصار حكاية أيضًا كما كان يقول مازن. كان ذلك الكابوس أكثر تعقيدًا ومليئًا بالأحداث السيئة. رأى فيه: طائرة حربية تقصف الجزء الشرقي من الحي، حيث هناك منزل أخيه الكبير وعدة منازل أخرى. وفقدت ابنة أخيه يدها اليمنى في تلك الحادثة. رأى أيضًا سيارة شحن كبيرة فقد سائقها السيطرة عليها، تدهس عمه أمام باب محلّه في المدينة. وحوّلتهُ إلى كتلة أعضاء بشرية مهروسة وغير معروفة. وآخر ما رآه كان حصار الحي.

بعد أسبوعين من ذلك الكابوس بدأ الحصار. كان عدد العائلات التي لم تتمكن من الهروب من الحي كبير جدًا، مقارنةً مع الذين تمكنوا من الهروب لقاء مبالغ ضخمة تدفع لأشخاص لديهم علاقات مع جميع الأطراف المتحاربة. رفض والد مازن يومها مغادرة الحي. بكت أمهُ وحاولت إقناعه بضرورة المغادرة، إلا أنهُ ظلَّ متشبثًا برأيه إلى أن وجدوه في اليوم الثالث للحصار جثةً هامدةً على سريره. دفنوه يومها في حديقة المنزل الصغيرة، جوار شجرة زيتون صغيرة أيضًا، بمساعدة عدد من شبّان الحي. ولم يعرفوا يومها سبب الوفاة. البعض قال إنها "جلطة" لأنهُ لم يحتمل فكرة بقائه منعزلًا عن العالم خارج الحي، والموت جوعًا إن طال الحصار.

منذ وفاة والد مازن بدأ الخوف يظهر واضحًا على وجوههم، هو وأمه وأخته. كان هو خائفًا من الأخبار التي يراها في الفيسبوك عن اغتصاب النساء في الأحياء الني اقتُحمت بعد حصارها لأشهر عدة. وكانت أمه وأخته خائفتين من الأمر ذاته، بعد أن سمعتا الأخبار من جارتهم أم عماد، تلك التي تصلها الأخبار عبر الفيسبوك أيضًا. يقول مازن إنهم في محاولة مضحكة للتخلص من الخوف من تلك الأخبار، كانوا يتبادلون الأغاني والنكات كل مساء في صالة المنزل. كانت أمه ماهرة جدًا في تأليف نكات جديدة، وحفظ النكات الأخرى التي تسمعها. بينما كانت أخته تملك صوتًا جميلًا، يقول إنه لا يزال يسمعه في رأسه حتى هذه اللحظة. أمّا هو فكان فاشلًا في تأليف النكات وحفظها. كما كان صوته بشعًا جدًا. كان يحاول ابتكار نكات جديدة لإضحاكهن، لكنهُ كان يفشل. يقول إن هناك نكتة واحدة كانت تدور في ذهنه طوال الوقت. نكتة صغيرة وسخيفة أيضًا: استيقظ أحدهم في الصباح ليكتشف أن موته كان مجرد حلم فقط. لكن صوت مازن كان مضحكًا جدًا، وعندما كان يبدأ بالغناء، كانت أمه وأخته تنفجران في ضحك هستيري كما لو أنه قام بحكاية نكتة لهنّ.

بعد أسبوعين من بدأ الحصار بدأ الطعام يختفي من منازل الحي. كما أنه نفذ من المحلات أيضًا. كان مازن، وتحسبًا لهذا الأمر، قد ادخر بعض الطعام المعلّب في قبو المنزل عندما كانت تصلهُ أخبار عن نية البعض حصار الحي. طعام يكفي لأسبوعين أو ثلاثة، وكان مازن يحاول قدر الإمكان الحفاظ عليه لوقت أطول. كان ينزل كل ليلة قبل أن ينام إلى قبو المنزل، لكي لا يراه أحد سكان الحي. يأخذ بعض علب الطعام ويقوم بعدِّ ما تبقى لديهم من طعام بعد ذلك.

يعمل مازن الآن في بار قريب من مكان سكنه، يقصده اللاجئون العرب. في محاولة لنسيان جريمته أو تبريرها لنفسه على الأقل. يقول مازن: ربما أنا قاتل نزيه حقًا كما قال لي أحمد، صديقي. هو أيضًا تحوّل إلى مجرم كما عرفت، وراح يركض نحو مدخل الحي بعد ارتكابه تلك الجريمة. حيث قُتل هناك برصاصة قنّاص وظل ممددًا مكانه، إلى أن تحوّل إلى طعام لبعض كلاب الحي الجائعة. كان بإمكان الذي قام بقنصه قتل تلك الكلاب أو إبعادها عنه على الأقل. ولكن ربما أراد أن يبدو المشهد أكثر قسوةً من الموت برصاصة. تخيّل الأمر...

بدأت القصة حين رأى مازن الكابوس الثالث بعد ثلاثة أسابيع من حصار الحي. رأى في ذلك الكابوس القتلة، كما أسماهم، يدخلون الحي بأعداد كبيرة جدًا، ويطلقون النار نحو كل من يظهر في طريقهم. آنذاك كان مازن مع أمه وأخته مختبئين في قبو المنزل، بين علب الطعام الفارغة والكراكيب القديمة، حين دخل القتلة القبو بعد أن قاموا بكسر قفل الباب. حاول مازن في تلك الأثناء التصدي لهم. كانت أمه تصرخ وتتوسل للجنود أن يتركوها وأبنائها. لكنهم دفعوها بقوة نحو جدار القبو أيضًا. آخر ما رآه مازن كان مشهد اغتصاب أمه وأخته. أفاق في ذلك اليوم فزعًا وخائفًا من ذلك الكابوس. نهض من سريره مسرعًا نحو نافذة الغرفة ليتأكد أن الحي لا يزال محاصرًا، ثم عاد للجلوس على سريره. كان مازن يعرف جيدًا بأن ذلك الكابوس قد يصير واقعًا مثل الكوابيس الأخرى. وبعد كل ما رآه من أخبار في الفيسبوك، بات مقتنعًا بأن الأمر سوف يحدث أن اقتُحم الحي.

مساء ذلك اليوم أخبر مازن أحمد بأمر ذلك الكابوس. قال لهُ أحمد أن الأمر سيحدث حين يقتحمون الحي. فكر الاثنان يومها بطريقة لمنع حدوث الأمر، وبعد عدة دقائق قفزت إلى ذهن مازن تلك الفكرة. شرحها لأحمد وقال له إنه غير مقتنع تمامًا بتلك الفكرة. إلا أن أحمد كان واقعيًا جدًا كما قال مازن، وقال له في ذلك اليوم: أنت تعرف أننا لا نملك طريقة أخرى، كما أن الأمر سيحدث لاحقًا. والأمر لا يحتاج كل هذا التفكير، كل ما عليك القيام به جلب مسدس كاتم للصوت ووضعه على الرأس، ثم بثبات وحزم تضغط على الزناد.

قال مازن قبل عودته لإكمال عمله: أترك لك تخيّل ما حدث بعد ذلك.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ثلاث شاعرات من الأردن: جريمة الشعر

بخاطرك يا جدي