"كابتن فانتاستيك".. يوتوبيا خطرة

من الفيلم

تزامنًا مع انطلاقه في دور السينما الأمريكية، بدأت سينما "زاوية" في العاصمة المصرية القاهرة عرض الفيلم الأمريكي "كابتن فانتاستيك" في 10 آب/أغسطس الجاري. الفيلم الحائز على جائزة الإخراج في قسم "نظرة ما" بمهرجان كان السينمائي في دورته الأخيرة، يقدّم وجبة دسمة مطعمة بحس فكاهي سوداوي وثقيل، عن عائلة تكافح مع أحزانها وهمومها الخاصة كي يبقى أفرادها معًا في عالم متقلب وصعب.

"كابتن فانتاستيك" فيلم يتناول علاقة ستة أبناء وأب صارم يكرّس حياته للابتعاد بهم عن "الحياة الاستهلاكية"

الفيلم من تأليف وإخراج مات روس، ويتابع الوقائع اليومية لحياة عائلة أمريكية مكونة من ستة أبناء استثنائيين وأب صارم وحالم (الممثل الدنماركي فيجو مورتنسن)، يكرّس حياته، وحياة أبنائه، بعد انتحار زوجته المفاجئ نتيجة اكتئاب حاد، للتحصيل الذهني والبدني والمعرفي في سبيل الابتعاد عن "الحياة الاستهلاكية المتوحشة" التي يغرق فيها زملاؤه من المواطنين الأمريكيين. 

اقرأ/ أيضًا: تورناتوري.. ساعتان من الضجر للاحتفاء بالحب

تدور غالبية أحداث الفيلم في الغابات الواقعة شمال غرب المحيط الهادئ، حيث نرى التدريبات والمشقات التي يكابدها أفراد العائلة في سبيل صقل مهارتهم للتكيّف مع الحياة الجديدة التي يتمثّلونها بتفانٍ واقتناع، غير مبالين بالرغد والدعة التي يمكن أن يوفّرها أسلوب العيش على الطريقة الأمريكية، ساعين للالتحام والعيش في العالم "الحقيقي" قريبًا من الطبيعة وقوانينها، يتعلمون المهارات الضرورية للبقاء: يشمل ذلك صيد الحيوانات وسلخها، تسلّق الجبال والمنحدرات، دراسة مكثفة للعلوم السياسية والفلسفة والتاريخ والموسيقى والآداب، وتفاعلات نادرة مع بقية البشر، وبالطبع الإيمان بأن "السلطة للشعب، ويسقط النظام".

هل يبدو ذلك مثاليًا للغاية؟ حالم بشكل كبير؟ خطير ربما؟ ربما هو كل ذلك جميعًا. الهروب من قيد الحياة الحديثة والبحث عن بداية جديدة في أرض بعيدة لطالما كان رغبة تهبط على تفكير الكثيرين من وقت لآخر، إذًا ما الجديد الذي يقدمه هذا الفيلم عن غيره من أفلام سابقة لعبت على الفكرة ذاتها وراكمت حصيلة وافرة من الجمال والابتذال الفني على السواء؟ الفكرة الحالمة والمستحيلة التي يقوم عليها "كابتن فانتاستيك" تتبع عدة خطوات جريئة تبدأ من العيش في الغابة والاعتماد على الصيد والعمل البدني وصولًا إلى تخصيص يوم إجازة للاحتفال بالمفكر اليساري نعوم تشومسكي. هذه الحياة المثالية الخطرة لن تجد سوى قليلًا من الدعم والفهم من "أبناء العالم الخارجي"، فالأبناء الستة صارمون في كل تعاملاتهم ولديهم الكثير من الذكاء -المتدرج حسب أعمارهم- المخيف بعض الشيء، ولا يخلو الأمر من بعض البهجة والتشوّش في أيامهم، واحتقار كل من هم خارج عالمهم الصغير المتماسك.

الأم غائبة عن الأحداث من دون أن يغيب تأثيرها، والأبناء الستة تتفاوت مهاراتهم من دون أن يتفاوت إيمانهم بأسلوب حياتهم الراديكالي، والأب يبدو جامحًا للغاية في مسعاه التطهّري من أدران الحياة الحديثة: راديكالي جدًا في رفضه الكامل لأسلوب الحياة الأمريكية، صريح لأبعد الحدود حتى في المسائل المربكة، يتخذ الحوار المستند إلى الحجج المقنعة أساسًا للتعامل. ولأن شيئًا يجب أن يحدث ليغيّر مسار القصة ولو قليلًا، فإن حياة هؤلاء السبعة تواجه اختبارها الأصعب حين يضطرون إلى الخروج من جنتهم الخضراء للذهاب إلى جنازة الأم المنتحرة. هناك سنرى كيف ستفيدهم العزلة في مواجهة الوقوع في الحب الأول، ومواجهة السلطة الدينية وألعاب الفيديو وخيرة شباب أمريكا الذي لا يعرف شيئًا عن إعلان الحقوق.

في فيلم "كابتن فانتاستيك"، تصنع العائلة اليوتوبيا الخاصة بها وتصرّ عليها كشكل من أشكال المقاومة

تنقل الشخصيات شجاعة وفضولًا فطريين لمعرفة العالم، وكلاهما يصيبان الآخرين بفقدان الثقة والرهبة. رجل الأعمال جاك، حمو الأب، يحظر حضور الأخير لجنازة زوجته لأنه -بحسب كلامه- مهرج أفسد ابنته وتسبب بقتلها.

اقرأ/ أيضًا: "حب وسرقة ومشاكل أخرى".. ملهاة فلسطينية

العائلة التي انطلقت في رحلة طويلة من أجل وداع الأم وتنفيذ وصيتها الأخيرة لن تدع الأمور تمضي كيفما اتفق، بل ستأتي باليوتوبيا الخاصة بها إلى هذا العالم الجديد وتصرّ عليها كشكل من أشكال المقاومة. على الجانب الآخر، هناك العديد من المشاهد غير الجوهرية والتي يعوزها الترابط تبدو موجهة خصيصًا لدحض تصورات مسبقة عن الأطفال يفترض صنّاع الفيلم وجودها لدى المشاهدين. في العرض الذي حضرته صاحبت معظم تلك المشاهد قهقهات عالية من مشاهدي الفيلم، ولكن الأسوأ هو ما سيحدث في الفصل الأخير من الحكاية حيث يبدأ الفيلم برمي نفسه تمامًا في متتالية بصرية من العاطفية المبتذلة، ربما كانت مناسبة لترافق الحلول التوافقية التي يلجأ إليها الشخصيات في النهاية.

نجم هذا الفيلم هو بالتأكيد فيجو مورتنسن، الممثل متعدد المواهب، الذي يتقمص شخصية الأب الصارم ويضيف إليها المحبة والفكاهة. براعته التمثيلية في التأرجح بين رؤية أطفاله الناضجين ينفلتون جميعًا في وقت واحد من بين يديه يتم تقديمها هنا بصدق بالغ الرقة. الممثلون الأطفال والمراهقون في الفيلم هم عصابة من الموهوبين الصغار بأحلام كبيرة ومشرقة؛ يغنون ويرقصون ويكافحون ويواجهون المصاعب ويقرؤون من دون أن يبدوا شخصيات كارتونية طنّانة. يبدو بعض تدريباتهم شاذًا وغريبًا ويصعب توفيق قبولها مع باقي عناصر حياتهم، ولكن المثابرة والصلابة الأخلاقية -بالمعني الإيجابي- للشخصيات والموهبة الواضحة لهؤلاء الممثلين -خصوصًا سامانثا إيسلر وشري كروكس- تلقي ببهائها على الفيلم لتعطيه جاذبية نَدية ومشاكسة في آن.

إجمالاً، "كابتن فانتاستيك" فيلم مسلٍ وممتع، ربما تكون نهايته مبتذلة قليلًا، ولكن أسئلته ليست كذلك على الإطلاق.

اقرأ/ أيضًا:

لوحات فان جوخ تحكي قصة موته الغامضة

أليخاندرو إيناريتو: عليك أن تنهي هذا السباق