"كائن رقيق" لسيرجي لوزنيتسا.. سجن كبير اسمه روسيا

لقطة من الفيلم

ولماذا! ليس هناك سبب.
لأننا جميعًا في حالة إنكار ولا نتحمّل الحقيقة.
غير ذلك، أنا لا أعرف سببًا.

  • من قصة "كائن رقيق" (1876) لفيودور دوستويفسكي

جاء فيلم "كائن رقيق" للمخرج الأوكراني سيرجي لوزنيتسا كواحد من أهم أفلام النسخة العاشرة من بانوراما الفيلم الأوروبي في القاهرة (من 8 إلى 18 تشرين الثاني/نوفمبر). أهمية الفيلم الأساسية تكمن في مزاجه السوداوي الذي يسيّر به حكايته، من خلال الذهاب في رحلة عبر روسيا اليائسة البائسة المهجورة، المحاصرة من قبل آليات بيروقراطية وطغيان مؤسسات ولامبالاة يبدو أنها لوّثت الوعي الجمعي للرازحين تحت نظام شمولي يسحق أي إمكانية في حياة كريمة لمواطنيه.

جاء فيلم "كائن رقيق" للمخرج الأوكراني سيرجي لوزنيتسا كواحد من أهم أفلام النسخة العاشرة من بانوراما الفيلم الأوروبي في القاهرة

سيرجي لوزنيتسا اسم بارز في عالم السينما القادمة من شرق أوروبا، ومعروف على نطاق واسع بسبب أعماله الوثائقية التي تستقصي الأرشيف الرسمي وغير الرسمي، كما شيّد لنفسه سيرة سينمائية موازية في صناعة الأفلام الروائية على مدى العقد الماضي.

وفي حين ركزت أفلام سيرجي لوزنيتسا الوثائقية بشكل كبير على المنعطفات الحرجة في تاريخ أوروبا وشرقها تحديدًا، فإن أفلامه الروائية (التي تشمل "فرحي" في 2010 و"في الضباب" في 2012) قد أتاحت له الفرصة لتقديم ثيمات ومخاوف مماثلة من خلال نصوص سينمائية أكثر معاصرة وارتباطًا بالواقع المعاش. فيلم "كائن لطيف" يأتي ليدشن عودة سيرجي لوزنيتسا من جديد إلى السينما الروائية، وليؤكد كذلك شمولية رؤيته للتاريخ وتكراراته التي لا تتوقف عن الحدوث في عالم اليوم.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "Poetry" للمخرج لي تشانغ دونغ.. لغة جديدة لفهم الحياة

كعادة كل الكوابيس، يبدأ الأمر بحكاية بسيطة، غالبًا ما تكون شيئًا روتينيًا إذا ما حدثت في أي بلد آخر، عدا روسيا. ذات يوم تتسلّم امرأة طردًا بريديًا كانت قد أرسلته إلى زوجها السجين. تصاب المرأة بالقلق والارتباك والغضب، فتقرر الذهاب بنفسها إلى السجن -الواقع في سيبيريا- لكي تحصل على إجابات ومعلومات بشأن الطرد العائد إليها. هكذا تبدأ قصة رحلة كاملة من الإهانة والعنف، قصة معركة سخيفة في شرّها ضد قلعة لا يمكن اختراقها.

لا تدع عنوان الفيلم أو الاقتباس أعلاه يخدعك، فلا علاقة لفيلم سيرجي لوزنيستا بقصة دوستويفسكي إلا في استعارة عنوانها ومغزاها العام. في الحقيقة، فإن فيلم "كائن رقيق" يسير في اتجاه معاكس تمامًا لقصة دوستويفسكي، بإجباره بطلته على القيام برحلة حقيقية بحثًا عن أمل سرابي، لا نهاية لها وكافكاوية للغاية. هي رحلة أبطالها لا أسماء لهم، فقط يعرّفهم الفيلم بحسب صفاتهم.

هذه هي الكائن الرقيق (أداء رائع من ممثلة المسرح الروسية فاسيلينا ماكفوستيفا في أول أدوارها السينمائية)، وهذا هو الوجه الأرزق، وهذه هي ناشطة حقوق الإنسان، وهذا هو الرجل صاحب وجه الماعز، وهكذا. الشيء الأكيد أن مسرح تلك المأساة النفسية هو أحشاء الدولة الروسية، وتناقضاتها القاتلة.

المرجعيات الدوستويفسكية لفيلم "كائن رقيق" قليلة جدًا، في حين تحضر بقوة أصداء كل من نيكولاي غوغول وفارلام شالاموف وروديون شيدرين، وبالطبع فرانز كافكا

المرجعيات الدوستويفسكية للفيلم قليلة جدًا، في حين تحضر بقوة أصداء كل من نيكولاي غوغول وفارلام شالاموف وروديون شيدرين، وبالطبع فرانز كافكا. النظرة الواقعية لسيرجي لوزنيتسا، بجانب التعامل مع التاريخ الماضي والحاضر كبلورة زمنية متعددة الأوجه؛ يبدو قاسمًا مشتركًا للفيلم، علي الأقل في بدايته، مع إظهاره الحياة الريفية في قرية روسية نائية، والانطباع المصدَّر بقبول الأمور كما هي، والخليط الإنساني الصاخب والفوضوي المحيط بالبطلة.

الفوضى البيروقراطية نفسها، مضاف إليها لاإنسانية متناقضة ومتنامية، ستستهل الرحلة القاسية التي سيتعين على البطلة اختبارها في سبيل الحصول على إجابات بسيطة حول مصير زوجها. مشهد بعد آخر، يغرق الفيلم في عالم مرعب ذي أبعاد حلمية، لا تحضر كمتنفس للترويح وإنما كعامل تأكيد على الوضع القائم.

ينحدر سيرجي لوزنيتسا بمسار بطلته، ساحبًا إياها، والمشاهدين، إلى قلب كابوس أسود مثل الزفت. بالفعل هذا السواد يبتلع حتى تلك النسبة الضئيلة من الضوء التي يمكن لها أن تفلت من الفانتابلاك نفسها أو من أجواء ديفيد لينش المروعة.

فيلم "كائن لطيف" هو خطوة درامية أخرى تتجاوز العار الإنساني المختبر في فيلم "في الضباب"، فلم يعد هناك حاجة لتقديم شخصية ليأخذ منها الآخرون العبرة، بل تصبح المسألة ذنبًا جماعيًا يجبر الجميع على النوم تواطؤًا. في أعماله الوثائقية، يظهر الحذر الشديد الذي يتعامل به سيرجي لوزنيتسا مع المسافة التي يأخذها من موضوعه، لكنه في أفلامه الروائية يأخذ مسارًا مختلفًا ومحكماً من التعاطف والمشاركة وحتى الإجابات التي تحلّ محل الأسئلة.

اقرأ/ي أيضًا: آرنوفكسي لا يصنع فيلمًا عاديًا

إسقاطات رمزية عديدة ونقد شديد للحالة الروسية تظهر في مشاهد محطة القطار التي يغط روّادها في نوم عميق، في الوقت الذي تستمر السلطة في ممارسة أعمال الرعب اليومي بلا هوادة. إنها إدانة للصمت العام واللامبالاة القاسية، تذكير بشعارات الثورة الروسية والدعوة إلى العمل، بديلاً عن الجمود والتواطؤ والتغافل عما يحدث في البلاد ليحوّلها في النهاية إلى جحيم أرضي. أيضًا يحضر السجن في الفيلم كصورة مصغرة لروسيا عبر العصور. أما نصف الساعة الأخيرة من فيلم "كائن رقيق" فتدخر مزاجًا سورياليًا يقدّم عبره متتالية هزلية وكاريكاتورية تسخر من كل خطابات الوطنية والمجد السوفييتي.

روسيا التي يقدمها سيرجي لوزنيتسا، هي بلد سرمدي، معلق بين ارتجاعات المرحلة السوفياتية وبين الآثار المضطربة للعقود الماضية

بطل "في الضباب"، سوشينيا، كان محاطًا ومبتلعًا من قبل الضباب الكثيف، كنتيجة لهمجية الإنسان الحرب العالمية الثانية. أمثولة أخلاقية لا تزال تبحث عن آثار الإنسانية في ما تبقى. أما سوداوية فيلم "كائن لطيف" فتنتمي إلى بُعد آخر، مجرّد من الأخلاقية. بعد الملامح الأولى التي تظهر لحكاية الفيلم الكابوسية، يصبح الوضع بشعًا وشاقًا.

روسيا التي يقدمها سيرجي لوزنيتسا، هي بلد سرمدي، معلق بين ارتجاعات المرحلة السوفياتية (التقطيع المنتظم للطرود في السجن هو صدى قادم من غولاغ "حكايات كوليما" لفارلام شاليموف) وبين الآثار المضطربة للعقود الماضية. في هذه البيئة الفاسدة والمُنكرة، تبحث الزوجة الرقيقة عن حدّها الأدنى من العدالة، في صدامها مع قلعة كافكا، ومع مولوخ وحش الحرب ذو الألف رأس؛ ولا يمكن إلا أن تنهار في لحظة ما.

 

اقرأ/ي أيضًا:

8 أسئلة تجيبك عن كل ما تحتاج معرفته عن تحفة دي سي الجديدة "Justice League"

دنزل واشنطن: "لا أعتقد أن هناك أي نظام"