سبيروس فاسيليو/ اليونان

سيقعُ هذا العالم على رأسي، وتتشقق جمجمتي وأُدمى.

لن أفقد الوعي، وسأحاولُ الوصولَ إلى أقربِ حائط، فقد شاهدتُ وثائقيًّا عن الكوارث التي تشبه ما أنا فيه، نَصَحوا الجميع أن يحاولوا ما استطاعوا الوقوفَ قُربَ شيء كهذا.

حائطٌ، باب، راسية تخت، واجهةُ الخزانة الذي لم تستخدمه أمي في غرفة الضيوف، لوحُ صاجٍ جاء به أبي من الخَرابة كي يبيعه لمن يشتري الأشياء العتيقة، كلها، وأيُّها، سيفيدُ في هذا المطر القاتل الذي يهطل عليَّ، وعليهم.

إنّي أحسدُ المؤمنين على تسليمهم لكل هذا، ونبقى نحنُ، الذين أثرنا التساؤلات بجدوى كل شيء، من الذي حَسَّ بنهاية الأمر، بالراحة؟

ستدورُ الأرض كما تفعل يوميًّا، وسنلعنُ كل صباحٍ لا شمسَ فيه، وإذا ما مسّنا مطرٌ ثقيل، سننفضُ قميصنا المفضل الذي بللهُ بكاء السماء وسنقرعُ نخب الحروب والأوبئة، ونستذكرُ "أرخميدس" في يوريكا، وجدها، ووجدناها، ووجدتها – أنا العبدُ الفقيرُ للعلم – فالطبيعةُ لن ترحمنا، وسترجُمنا بحجارةٍ لا نتوقعها، لَن تُرسل طيورًا، بل ستكتبُ على كُلِّ حجرٍ – هذا ما جنتهُ أنفسكم عليكم.

رأسي شُجَّ من قُبلٍ، وعقلي يستقرُ في موضعٍ جغرافي آخر.

لو كُنتُ وحدي لنجوتْ.

*

 

ترانيمُ وتهاليلُ وتجاويدُ. يستقرُ في آخر مَسمعي هذا الكلام، لا أهضمه، كما لا أهضُمُ البرغل. يباسٌ في فمي، رملٌ صحراوي يجففُ حلقي، أحاولُ محاكاة الجمل كي أصبر، يفرُّ الصبر منّي كأني طفل، فأعودُ لبداياتي؛ سقط العالمُ على رأسي هُنا، وأهلي هُناك...عينٌ زرقاء وكفٌ ذهبي، أو فضي لا فرق.

تعاويذنا التي آمنّا بها، لَم تَقينا من كل ما حدث، تسلقنا بها على جدارِ إيماننا لعلنا نصلُ إلى شيء ملموس، غبنا في تفاصيل الحبر على ما وجد القدماء من ورق، فصدقّناه، وسلّمنا له، وبه... لم ينزل من السماء ملائكة، بل موتْ... ومن الأرض نبتت ألغام، لا لوزْ.

*

 

إنّي مدينٌ لكل قطرةِ ماء شربتها، أحيتني لوقتٍ أعلمه، لكنها ربّت في داخلي رُعبًا من موتي عطشانَ، لا أخاف الموت قدر ما أخافُ العطش، فلا نملكُ مع الموتِ حلًّا، لكن العطش له إجابةٌ تَروي، وتروي بعدها- إن عشت- قِصصًا أخرى، فضفاضةٌ هي الحياة، وكلّما حسرتها على خصرك، أفلتتْ، وتسرّبتُ ريحُ الشك إليك، فعقدتَ العُقدةَ الأولى لمشنقتك، ثم تفكها لأنك أجبن من مواجهته.

رسالتي لم أكتبها بعدْ.

هوَ عُمرٌ سأقضيه وأمشي، لكني سأستعيرُ خُفَ الجمل، لأحفر على هذه الصحراء ما سأقول.

"أكتب إللي عندك وامشِ" هكذا نصحني صديقْ.

وها أنا أكتب.

ليبقى ظلّي وسط كل هذه الفوضى، وإن سقطَ على رأسي كل هذا العالم، فلي منه قَرطة...

الخرزة الزرقاء، والكف، وكل أذكارِ الصباحِ والمساء، وصلواتِ التهجد والشفعِ والوتر، والضحى والليل، تمتماتٌ هامسة لن تتجاوزَ جدران البيت. فلم يعد للحيطان آذان بعدَ الإسمنت المصمت، والحجارة المباركة ملّت وظيفتها، فناموا ليلكم الطويل. ..

لربما، لم يكن الله، يُريدُ كل هذا.

لربما.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مارغريت أتوود: أن تطيري داخلَ جسدكِ

الحدُّ الأقصى لسرعةِ المجازِ