كأس العالم 2026: استثمار طويل الأمد أم عبء على دافعي الضرائب؟
14 يونيو 2026
مع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، يزداد الجدل حول المكاسب الاقتصادية التي ستجنيها المدن المستضيفة. فبينما يروّج الفيفا للبطولة باعتبارها فرصة استثنائية لجذب السياح وتعزيز الاقتصاد المحلي، تشير التجارب السابقة وآراء العديد من الخبراء إلى أن المدن المستضيفة لا تحقق أرباحًا مباشرة من استضافة المونديال، بل تتحمل تكاليف ضخمة قد تستمر آثارها لسنوات.
استثمار أم عبء مالي؟
على مدار النسخ السابقة من كأس العالم، تعاملت دول سابقة مع البطولة باعتبارها مشروعًا استراتيجيًا يتجاوز الحسابات المالية المباشرة. فقد أنفقت مليارات الدولارات على بناء الملاعب وتطوير البنية التحتية، معتبرة أن العوائد السياسية والاقتصادية طويلة الأجل، إضافة إلى المكانة الدولية التي تمنحها البطولة، تبرر هذه النفقات.
لن يُقاس النجاح الحقيقي للبطولة فقط بعدد الجماهير أو جودة المباريات، بل أيضًا بقدرة المدن المستضيفة على إثبات أن استضافة أكبر حدث كروي في العالم كانت استثمارًا مجديًا
لكن الوضع يبدو مختلفًا في أميركا الشمالية، حيث يتعامل الفيفا هذه المرة مع مسؤولين محليين ورجال أعمال ينظرون إلى الأرقام بعين أكثر حذرًا. فالكثير منهم لا يرغب في تقديم تمويل مفتوح أو تحميل دافعي الضرائب تكاليف غير محدودة من أجل البطولة.
أكثر من 100 مليون دولار لكل مدينة
وفقًا لمصادر مطلعة لصحيفة "ذا أثلتيك" على الميزانيات المحلية، من المتوقع أن تنفق كل مدينة مستضيفة في الولايات المتحدة أكثر من 100 مليون دولار لتلبية متطلبات كأس العالم، بما يشمل الخدمات اللوجستية والأمنية والبنية التحتية والأنشطة المرافقة.
وقد وقّعت المدن المضيفة عقودًا مع الفيفا تلتزم بموجبها بتوفير مجموعة واسعة من الخدمات والتسهيلات، الأمر الذي فرض عليها أعباء مالية كبيرة، ودفع العديد منها إلى البحث عن مصادر تمويل إضافية لتجنب تسجيل خسائر مباشرة.
عقبات أمام الرعاة المحليين
في محاولة لمساعدة المدن على تغطية جزء من النفقات، أطلق الفيفا برنامجًا خاصًا يتيح للمدن جذب رعاة محليين لدعم الاستضافة. غير أن هذا البرنامج واجه انتقادات واسعة، إذ تقول بعض المدن إن الفيفا لم توفر لها أصولًا تسويقية كافية يمكن بيعها للشركات المحلية. كما أن القيود المفروضة على القطاعات المسموح لها بالرعاية حدّت من فرص تحقيق إيرادات إضافية.
فالشركات العاملة في مجالات ترتبط برعاة الفيفا العالميين، مثل المطاعم والمشروبات والملابس الرياضية والسيارات وشركات الطيران، لا تستطيع المشاركة في برامج الرعاية المحلية، ما يقلّص بشكل كبير قاعدة المستثمرين المحتملين.
الدعم الحكومي لا يكفي
خصصت الحكومة الفيدرالية الأميركية 625 مليون دولار لتغطية التكاليف الأمنية في المدن الأميركية الـ11 المستضيفة للمباريات، إلا أن هذه المخصصات لم تكن كافية لإزالة الضغوط المالية بالكامل.
وبسبب ارتفاع النفقات، اضطرت بعض المدن إلى تقليص خططها الخاصة بمناطق المشجعين والفعاليات الجماهيرية المصاحبة للبطولة، نظرًا لما تتطلبه من استثمارات إضافية كبيرة.
المكاسب غير المباشرة هي الأهم
من جهته يؤكد الفيفا أن تقييم البطولة لا يجب أن يقتصر على الإيرادات المباشرة، بل ينبغي النظر إلى الفوائد الاقتصادية والسياحية طويلة المدى. وترى المنظمة أن تدفق مئات الآلاف من المشجعين من مختلف أنحاء العالم سيؤدي إلى إنعاش الفنادق والمطاعم وقطاع النقل والتجزئة، فضلًا عن منح المدن المستضيفة فرصة للظهور أمام جمهور عالمي ضخم.
وفي هذا السياق، قالت بام كرامر، الرئيسة التنفيذية للجنة استضافة مدينة كانساس سيتي، إن هناك قناعة جماعية بأن البطولة قد تكون "تحولًا جذريًا" في الطريقة التي ينظر بها العالم إلى المدينة، كما ستعزز ثقة سكانها بأنفسهم وبقدرات مدينتهم.
تشكيك اقتصادي متواصل
رغم هذه الوعود، لا يشارك جميع الخبراء هذا التفاؤل. فعدد من الاقتصاديين يشككون في التقديرات الضخمة التي تتحدث عن مليارات الدولارات من "الأثر الاقتصادي" الناتج عن البطولة.
ويرى هؤلاء أن الكثير من الدراسات المتعلقة بالأحداث الرياضية الكبرى تميل إلى المبالغة في تقدير المكاسب، بينما تتجاهل التكاليف الحقيقية التي تتحملها المدن، سواء خلال البطولة أو بعدها.
كما أن المدن الكبرى مثل نيويورك ولوس أنجلوس وشيكاغو لا تحتاج بالضرورة إلى التعريف العالمي الذي توفره البطولة، ما يجعل تبرير النفقات الضخمة أكثر صعوبة مقارنة بالمدن الأصغر التي تسعى إلى تعزيز حضورها على الساحة الدولية.
لن يُقاس النجاح الحقيقي للبطولة فقط بعدد الجماهير أو جودة المباريات، بل أيضًا بقدرة المدن المستضيفة على إثبات أن استضافة أكبر حدث كروي في العالم كانت استثمارًا مجديًا، لا مجرد فاتورة باهظة الثمن تحملتها من أجل أسبوع أو شهر من الأضواء العالمية.