كأس العالم 2026.. أين اختفت "الطفرة" السياحية التي وعد بها الفيفا؟
4 مايو 2026
قبل سنوات، قدّم الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" بطولة كأس العالم 2026 بوصفها حدثًا استثنائيًا سيحوّل أميركا الشمالية إلى مركز جذب عالمي، مع توقعات بملايين الزوار وعائدات بمليارات الدولارات. لكن قبل أسابيع فقط من انطلاق البطولة التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، بدأت ملامح واقع مختلف بالظهور.
وحسب تقرير لموقع "ذا أثلتيك"، بدلًا من "الطفرة" السياحية التي رُوّج لها، تتحدث الفنادق وشركات السفر عن حجوزات أضعف من المتوقع، فيما اضطرت فنادق عديدة إلى خفض أسعارها بعد موجة ارتفاعات قياسية شهدتها الأشهر الماضية.
أسعار مرتفعة ثم تراجع حاد
عقب إعلان جدول البطولة ونتائج القرعة في كانون الأول/ديسمبر الماضي، سارعت الفنادق في المدن المضيفة إلى رفع أسعارها بشكل غير مسبوق، استنادًا إلى توقعات بتدفق جماهيري هائل.
وبحسب بيانات حللتها صحيفة "ذا أثلتيك"، بلغ متوسط سعر الليلة الواحدة في عدد من الفنادق الأميركية أكثر من ألف دولار خلال الأسبوع الافتتاحي للبطولة، مقارنة بنحو 300 دولار فقط قبل أسابيع قليلة من الحدث، أي بزيادة تجاوزت 300%.
بالنسبة لكثير من الجماهير حول العالم، لم تعد المشكلة مقتصرة على سعر التذكرة فقط، بل على التكلفة الكاملة للرحلة، والتي جعلت حضور البطولة حلمًا صعب المنال
لكن مع اقتراب البطولة، بدأت الصورة تتغير سريعًا. فقد انخفضت الأسعار في كثير من المدن بأكثر من 40% مقارنة بذروتها السابقة، بعدما تبين أن الطلب الفعلي أقل بكثير من التقديرات الأولية.
وفي مدن مثل أتلانتا وفيلادلفيا وسياتل، وصلت التخفيضات إلى نحو النصف، بينما بقيت الأسعار مرتفعة نسبيًا في دالاس وميامي بسبب استضافتهما مباريات جماهيرية كبرى.
القطاع السياحي: "لسنا أمام الوفرة الموعودة"
عدد من مسؤولي قطاع الفنادق والسياحة بدأوا يعبرون علنًا عن خيبة أملهم من مستوى الطلب الحالي. وقال فيجاي دانداباني، رئيس جمعية فنادق مدينة نيويورك، إن البطولة "ليست بالوفرة التي تحدث عنها الفيفا"، في إشارة إلى الفجوة بين الوعود السابقة والواقع الحالي. كما أقر كريس ناسيتا، الرئيس التنفيذي لسلسلة "هيلتون"، بأن مؤشرات كأس العالم "لا تبدو بالقوة التي كان القطاع يأملها".
حجز الفيفا آلاف الغرف مسبقًا، ما خلق انطباعًا بوجود طلب هائل ورفع الأسعار بشكل مبكر، لكن الفيفا عاد وألغى جزءًا من تلك الحجوزات، ما أعاد كميات كبيرة من الغرف إلى السوق دفعة واحدة
ورغم ذلك، لا يزال بعض المسؤولين يراهنون على موجة حجوزات متأخرة، خصوصًا مع اقتراب مباريات الأدوار الإقصائية التي عادة ما تدفع الجماهير إلى اتخاذ قرارات سفر سريعة.
أين اختفى الجمهور الأجنبي؟
اعتمدت حسابات الفيفا الاقتصادية على فرضية أن نحو 40% من الحضور الجماهيري سيكون من خارج الولايات المتحدة، ما يعني أكثر من 2.5 مليون مشجع أجنبي عبر مباريات البطولة الـ104. لكن المؤشرات الحالية توحي بأن هذه التوقعات كانت متفائلة أكثر من اللازم.
ففي بعض المدن المضيفة، لا تتجاوز نسبة مشتري التذاكر الدوليين ثلث الحضور المتوقع، بينما سجلت مدن أخرى معدلات حجوزات قريبة جدًا من مستويات الصيف العادي في العام الماضي.
ويرى محللون أن عدة عوامل ساهمت في ذلك، أبرزها ارتفاع أسعار التذاكر مقارنة بمونديال قطر 2022، وتكاليف الفنادق المرتفعة، وأسعار النقل الداخلي ومواقف السيارات، وسياسات التأشيرات الأميركية المعقدة، بالإضافة إلى تراجع جاذبية السفر إلى الولايات المتحدة لدى بعض الزوار الأجانب.
"أميركا أولًا" وتأثير المناخ السياسي
التقارير الصادرة عن قطاع السفر والسياحة تشير أيضًا إلى أن المناخ السياسي الأميركي لعب دورًا في تباطؤ الإقبال. فخلال عام 2025، انخفض عدد الزوار الدوليين إلى الولايات المتحدة بنسبة 5.5% مقارنة بعام 2024، رغم تسجيل قطاع السياحة العالمي أفضل نتائجه تاريخيًا.
ويربط بعض الخبراء هذا التراجع بخطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب وسياسات "أميركا أولًا"، التي عززت لدى جزء من المسافرين شعورًا بأن الولايات المتحدة أصبحت أقل ترحيبًا بالأجانب. كما ساهمت الحرب والتوترات الجيوسياسية العالمية، خاصة في حرب إيران، في تقليص توقعات نمو السفر الدولي خلال 2026.
حجوزات "مصطنعة"
ثمة عامل آخر أربك السوق تمثل في سياسة الفيفا الخاصة بحجز الفنادق، فقد حجز الاتحاد الدولي آلاف الغرف مسبقًا في المدن المضيفة، ما خلق انطباعًا بوجود طلب هائل ورفع الأسعار بشكل مبكر. لكن الفيفا عاد لاحقًا وألغى جزءًا من تلك الحجوزات، ما أعاد كميات كبيرة من الغرف إلى السوق دفعة واحدة. هذا التحول المفاجئ دفع الفنادق إلى خفض الأسعار سريعًا لمحاولة جذب الزوار. ووصف مسؤولون في القطاع هذه الظاهرة بأنها "طلب مبكر مصطنع" تسبب في تشويه تقديرات السوق.
وبالنسبة لكثير من الجماهير حول العالم، لم تعد المشكلة مقتصرة على سعر التذكرة فقط، بل على التكلفة الكاملة للرحلة. فإلى جانب الفنادق والطيران، أعلنت بعض الولايات الأميركية أسعارًا مرتفعة جدًا لوسائل النقل أيام المباريات، بينما تجاوزت رسوم مواقف السيارات في بعض الملاعب 100 دولار. ويرى خبراء أن هذه النفقات المتراكمة جعلت حضور البطولة حلمًا صعب المنال لعدد كبير من المشجعين، خصوصًا العائلات.
هل تنقذ الحجوزات المتأخرة البطولة؟
رغم القلق الحالي، لا يزال قطاع السياحة يتمسك بأمل اللحظات الأخيرة، فالفيفا أعلن بالفعل بيع نحو 5 ملايين تذكرة، مع استمرار طرح دفعات جديدة، فيما يراهن منظمو البطولة على أن الجماهير ستتحرك بقوة مع اقتراب انطلاق المباريات الحاسمة.
لكن حتى أكثر المتفائلين لا يتحدثون الآن عن "عشرات الملايين" من الزوار كما وعد رئيس الفيفا جياني إنفانتينو سابقًا، بل عن مئات الآلاف فقط في كل مدينة مضيفة.