كأس العالم والمؤثرون.. كيف تعيد السوشيال ميديا تشكيل التغطية الرياضية؟
18 يونيو 2026
هل يمكن أن تقنع صحفيًا بأن يتنازل عن الخبر لصالح حدث هامشي يدور على جانبه؟ تصدر هذا السؤال النقاشات في إحدى الدورات التدريبية المقدمة عبر الإنترنت حول "تقنيات السرد الرقمي"، حين حاول المدرب، من دون جدوى، إقناع أحد المتدربين بأن ما يجري على هامش الحدث قد يكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من الحدث نفسه، مستشهدًا بكأس العالم 2014 والنموذج الذي جسدته المنافسة بين شركتي "نايكي" و"أديداس".
فعلى الرغم من أن "نايكي" لم تكن تمتلك حقوق الرعاية الرسمية للمونديال آنذاك، فإنها نجحت في الاستحواذ على اهتمام الجماهير وتحقيق ملايين المشاهدات، في حين كانت "أديداس"، الراعي الرسمي للبطولة، حاضرة داخل الملاعب وعبر الكرات والأحذية والقمصان وغيرها من عناصر البطولة. وقد بدت هذه المفارقة حينها عصية على الفهم بالنسبة لكثيرين.
إذا كان التلفزيون قد منح كأس العالم لعقود القدرة على الوصول إلى الجماهير، فإن المنصات الرقمية وصناع المحتوى يمنحونه اليوم شيئًا آخر لا يقل أهمية، وهو الانتباه
وبعد أكثر من عقد على ذلك الجدل، يبدو أن كأس العالم 2026 يدفع هذه الفكرة إلى حدود جديدة. فهذه المرة، لا تتنافس العلامات التجارية ووسائل الإعلام فقط على رواية القصة، بل يدخل المؤثرون وصناع المحتوى إلى قلب المشهد، في تحول يعيد رسم العلاقة بين كرة القدم والجمهور ووسائل البث التقليدية، ويطرح سؤالًا ربما لم يعد بالإمكان تجاهله: هل ما زال الحدث هو مركز الاهتمام، أم أن القصة التي تُروى حوله أصبحت حدثًا بحد ذاتها؟
ما بعد البث التقليدي
لم يكن مشهد لاعبي المنتخب التونسي وهم يؤدون صلاة الجمعة في مدينة مونتيري المكسيكية حدثًا رياضيًا استثنائيًا بقدر ما كان مادة مثالية لاقتصاد المنصات. فالفيديو الذي نشره صانع محتوى السفر التونسي محمد الشوكاني حقق ملايين المشاهدات في وقت قياسي، قبل أن تعيد مؤسسات إعلامية تمتلك مراسلين معتمدين في مكان الحدث نشر مشاهده والاستناد إلى محتواه.
وفي مشهد بدا دالًا على التحولات التي يشهدها الإعلام الرياضي، وصلت الصورة التي التقطها مؤثر بهاتفه المحمول إلى الجمهور أسرع وأوسع من تغطيات المؤسسات التقليدية، لتعود إلى الواجهة أسئلة قديمة حول ما إذا كانت قواعد التغطية نفسها تشهد تحولًا تدريجيًا، من الصحفي الذي ينقل الحدث إلى المؤثر الذي يوجه الانتباه إليه.
ويبدو أننا نشهد طفرة رقمية على مستوى هذه النسخة من كأس العالم 2026، حيث لم يعد الحدث الرياضي يقتصر على تسعين دقيقة تنقلها القنوات المالكة للحقوق، بل تحول إلى تجربة مستمرة تمتد قبل المباريات وبعدها، وتتوزع على الهواتف الذكية ومنصات التواصل والشاشات الثانية. ولم يعد السؤال متعلقًا بمن يملك حق البث فقط، بل بمن يستطيع إبقاء البطولة حاضرة في وعي الجمهور على مدار الساعة.
وربما يرتكز هذا التوجه المُسند من 'الفيفا' على ما حصل الصيف الماضي في مسابقة الأندية، إذ قدمت كأس العالم للأندية 2025 نموذجًا واضحًا لهذا التحول، أين أنشأت منصة "دازن" شبكة خاصة من صناع المحتوى، استعانت خلالها بنحو خمسين مؤثرًا لإنتاج جولات خلف الكواليس ومقابلات ومحتويات ترفيهية تستهدف الجماهير الأصغر سنًا. ويقول جو كابوروسو، رئيس شركة "تيم ويستل" التابعة لـ"دازن" والمتخصصة في الاستراتيجيات الرقمية، إن الهدف كان الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الجماهير، خصوصًا الشباب، من خلال شخصيات تمتلك حضورًا طبيعيًا على منصات مثل "تيك توك" و"إنستغرام"، وترتبط بثقافة كرة القدم نفسها، لا بالمباريات فقط.
وبحسب بيانات "تيك توك"، ساهم برنامج صناع المحتوى الخاص بالبطولة في توجيه أكثر من نصف مليون مشجع نحو خدمات "دازن". كما تؤكد المنصة أن المستخدمين يصبحون أكثر ميلًا بنسبة 42% لمتابعة المباريات مباشرة بعد مشاهدة محتوى رياضي، وهو ما يشير إلى أن المنصات الاجتماعية لا تعمل بديلًا عن البث التقليدي بقدر ما أصبحت وسيلة جديدة لجذب الجمهور إليه.
وفي السياق نفسه، لم تعد "فيفا" تنظر إلى المؤثرين باعتبارهم أدوات ترويجية موازية، بل باعتبارهم جزءًا من المنظومة الإعلامية للبطولة نفسها. ففي إطار شراكتها مع "تيك توك"، التي منحت المنصة صفة "المنصة المفضلة" لكأس العالم 2026، اختير ثلاثون صانع محتوى للعمل كمراسلين مبدعين على امتداد أسابيع المنافسة، في خطوة تعكس الرهان المتزايد على الوصول إلى الجماهير عبر المنصات الاجتماعية. ويستند هذا التوجه إلى منظومة ضخمة، إذ تؤكد "تيك توك" أن أكثر من 60 مليون صانع محتوى رياضي ينشطون حاليًا على منصتها، وترى أن شراكتها مع 'الفيفا' هذه المرة تجاوز الأرقام التي حققها برنامجها خلال أولمبياد باريس بنحو 300 مليون مشاهدة.
وتجاوزت هذه المرة أدوار صناع المحتوى من مجرد الإشهار والترويج، إلى نقطة فد تكون فاصلة في تاريخ عقود البث المخصصة لكأس العالم، وتصدرت البرازيل هذا التوجه لتقدم المثال الأكثر وضوحًا على هذا التحول. فبعد عقود من هيمنة شبكة "غلوبو" على نقل كرة القدم، حصل صانع المحتوى البرازيلي كاسيميرو ميغيل عبر قناته على حقوق بث جميع مباريات كأس العالم 2026، بينما اكتفت الشبكة التاريخية ببث 55 مباراة فقط.
لكن هذا الصعود لم يمر من دون إثارة تساؤلات لدى المؤسسات الإعلامية التقليدية. فبينما تقوم الصحافة على قدر من المسافة النقدية تجاه الحدث، يعمل كثير من المؤثرين ضمن شراكات مع الجهات المنظمة، ما يجعلهم أقرب إلى رواة معتمدين للبطولات منهم إلى مراقبين مستقلين لها.
وقد ظهرت هذه الإشكالية خلال كأس العالم للأندية 2025، عندما أثار الحوار الذي أجرته إحدى صانعات المحتوى العاملات مع "دازن" مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتقادات واسعة، بعدما رأى بعض المتابعين أن المقابلة مالت إلى الطابع الترويجي أكثر من المقاربة الصحفية النقدية.
اقتصاد الانتباه
إذا كان التلفزيون قد منح كأس العالم لعقود القدرة على الوصول إلى الجماهير، فإن المنصات الرقمية وصناع المحتوى يمنحونه اليوم شيئًا آخر لا يقل أهمية، وهو الانتباه.
ففي عصر الشاشات المتعددة، لم تعد المعركة تدور حول امتلاك الصورة وحدها، بل حول الاحتفاظ باهتمام الجمهور وسط تدفق لا ينقطع من المقاطع والمنشورات والرسائل. ولم تعد المشكلة مرتبطة بقصر مدة التركيز بقدر ما أصبحت مرتبطة بتشتت الانتباه بين منصات متعددة وأنواع مختلفة من المحتوى. وتشير الدراسات إلى أن نحو 70% من المشجعين يستخدمون شاشات ثانية أثناء المشاهدة، ما جعل تجربة المتابعة نفسها ساحة جديدة لمعركة الانتباه. فلم يعد مشجع كرة القدم يكتفي بالمباراة، بل بات يتنقل بين البث المباشر، ونقاشات "تيك توك" حول الخطط والتشكيلات، والمقاطع القصيرة التي تعيد تشكيل التجربة لحظة بلحظة.
وتعكس مؤشرات الانتباه هذه النمو المتسارع لاقتصاد صناع المحتوى في مجال كرة القدم. فبحسب تقديرات "غولدمان ساكس"، تبلغ قيمة هذا الاقتصاد نحو 191 مليار دولار، مع توقعات بارتفاعها إلى 470 مليار دولار بحلول عام 2027، ما يعكس تحول المؤثرين إلى وسطاء جدد للانتباه، قادرين على تحويل التفاعل الرقمي إلى قيمة اقتصادية وتجارية.
ويرى ويل باتروورث، مدير الاستراتيجية في وكالة "إيدلمان" المتخصصة في العلاقات العامة والاتصال، أن المؤثرين باتوا في صميم الطريقة التي يعيش بها الجمهور تجربة كأس العالم، مشيرًا إلى أنهم لم يعودوا مجرد أدوات لتضخيم الرسائل التسويقية، بل تحولوا إلى "مفسرين ثقافيين" يساهمون في صياغة الأحداث وتقديمها للجماهير.
ولا يقتصر هذا التحول على الأجيال الأصغر سنًا، إذ يشير تقرير "نيلسن العالمي للرياضة 2025" إلى ارتفاع نسبة المشجعين الذين تجاوزت أعمارهم خمسين عامًا ويستخدمون خدمات البث الرقمي لمتابعة الرياضة بنسبة 21% خلال عامين فقط، بما يعكس اتساع قاعدة الجماهير المنفتحة على أنماط جديدة من استهلاك المحتوى الرياضي.
وفي الواقع، لا تبدو هذه المعركة جديدة تمامًا. فقد قدمت كأس العالم 2014 نموذجًا مبكرًا لهذا التحول في السيطرة على القصة وبالتالي انتباه المتلقي، حين نجحت "نايكي" في فرض حضورها الرقمي على البطولة رغم أن "أديداس" كانت الراعي الرسمي لها.
ومن خلال حملة "خاطر بكل شيء"، التي اعتمدت على المحتوى الرقمي والأفلام القصيرة والإنتاج المتواصل طوال أيام البطولة، وبفريق عمل امتد على مدار ثلاثين يومًا وبـ22 لغة مختلفة، تمكنت الشركة الأميركية من إنتاج أكثر من 200 قطعة محتوى متجددة تخدم قصتها، وبذلك أصبحت الشركة الأميركية العلامة التجارية الأكثر تداولًا، رغم أن منافستها الألمانية كانت حاضرة داخل الملاعب وعلى اللوحات الإعلانية.
ويعكس هذا التناقض تحولًا أعمق في طبيعة استهلاك الرياضة. فانتباه المتلقي لم يعد ينجذب إلى الوقائع الخام بقدر ما يستهلك القصص والعواطف والسرديات التي تُبنى حولها. ولم تعد المنافسة تدور حول امتلاك الحدث نفسه، بقدر ما أصبحت تدور حول امتلاك القصة التي تُروى عنه.
وبهذا يمكن أن تؤسس تجربة كأس العالم 2026 في رقمنة التغطية إلى عصر جديد، يصبح فيه التعليق مقدس والخبر هامشي، ففي عصر اقتصاد الانتباه، لا ينتصر بالضرورة من يمتلك حقوق البث أو الرعاية الرسمية، بل من ينجح في الاستحواذ على انتباه الجمهور وصياغة السردية الأكثر قدرة على الانتشار، ومن هذا المنظور، لم يعد السؤال: من يملك الحدث؟ بل من يملك القصة.