كأس الشاي

كأس الشاي

نزار صابور/ سوريا

لهذا الصمت لحن غريب، لا يشبه بحال من الأحوال بأي من ألحان بيتهوفن، إنه لحن أجوف وثقيل نعم إنه صفير، صفير إبريق الشاي اللذي وضعته منذ مدة على النار. أحب شرب الشاي في البرد، فذلك يشعرني بأنني ذو شأن، فأجلس على الكرسي الخشبي أراقب الجدار المقابل لي، جدار منزل الجار أبو حسني، وأشرب الشاي وأدخن سيجارة، فأشعر أنني كاتب ثائر يتأمل في الوجود على قهوة في باريس ثم أتناسى نفسي فأرفع يدي وأصرخ:
- أنا موجود لذاتي! 

ثم أستيقظ على جرس الباب المزعج يرن بسرعة في أذني مدويًا وهو يدخل بطيش ثنايا قناتي السمعية ثم يجتاح دماغي مسببًا فوضى عارمة ويتلاشى فجأة. استدركت مرة أخرى أنني عدت أهذي من جديد فوقفت ومشيت إلى الباب وبتثاقل فتحته، كان أحد جيراني، السيد عوض، كان صاحب محل "خلويات" وقد كان كثير الكلام لا يسكت، انطلق فور أن رآني:
- كيفك؟ شو أخبارك؟ يا زلمة ما بدك تشتري خلوي؟ والله إنو...

وراح يتكلم ويتكلم، وأنا أنظر كل برهة إلى كأس الشاي والسيجارة، وينتابني عذاب بطيء، فالشاي سيبرد والسيجارة ستحترق... كان عوض يتكلم، وكان صوته نحيلًا على عكس جسده، استمعت إليه قليلًا حتى أصبح صوته يتحول إلى نغمة حادة لجهاز خلوي يعلو تارة وينخفض تارة أخرى، و(كرشه) يرقص كبقعة نفط على سطح البحر، ثم صمت فجأة فنظرت إليه دون أن أحرك رأسي وقلت:
- إن شاء الله... إن شاء الله.

 فأدى حركة بذراعيه وأصدر رنينًا آخر ثم غادر. أغلقت الباب وعدت مسرعًا إلى خلوتي، ولكن جرس الهاتف راح يرن هو أيضًا، نظرت مرة إلى الهاتف وأخرى إلى كأس الشاي والسيجارة ثم مططت شفتي ومشيت إلى الهاتف وأمسكت السماعة، وعلى الفور انطلق الصوت كالرصاصة عن قرب اخترقت عقلي وتابعت طريقها مخترقة خيالي وأحلامي، انطلق الصوت يقول:
- هلا هلا، هلا والله عمي! ولك كيفك ولك وينك ولك...

إنه عمي. إنه رجل العائلة الأول والأخير، ليس الأكبر ولكنه "فلتة" العائلة، يمتلك معرضًا لبيع السيارات، ويعرف الكثير عن بيعها رغم أنه لا يعرف شيئًا عن صناعتها... أخذ يتحدث معي دونما توقف وهو يؤنبني لأنني لا أغادر المنزل ولا أزورهم في الأعياد، ولا أقوم بواجباتي العائلية... سلسلة من الأشياء التي لا أقوم بها. كنت أشبه عمي هذا بقضاة بريطانيا في القرن الثامن عشر، فقد كانوا بدينين كالخنازير، وكانوا يصدرون الحكم بحسب ما يمليه عليهم أصحاب المال، وكثيرا ما كانوا يشربون الشاي الفاخر بقطع السكر الفضي بينما يشنق أحدهم أو يتعفن في زنزانته. كنت قد وصلت اسكتلندا عندما صرخ القاضي، أقصد عمي:
- ولك مين ماخذ عقلك؟ لسا الكتب هاظي؟ الله يقطعها..

كان يكره الكتب أيضًا، فهو لا يحب الورق بل يحب الحديد، أجبته:
 - لا... حقك علي، بمرّلكم.

تابع كلامه لمدة أخرى وأنا ساهم في عالم آخر أتأمل كأس الشاي والسيجارة بحسرة وأبلع ريقي وأشعر بيدي ترتفع ممتدة إلى حيث الكأس والسيجارة فيصفعني صوت إغلاق السماعة ونغمة خط الهاتف المستمرة، أسرح فيها للحظة فأتخيلها قطارا يتجه بسرعة إلى موسكو وسط الثلوج ويحمل على ظهره أرواح الثوار وأحلام الحرية وأعلامًا حمراء. ألمح ناموسة تترنح أمام وجهي فأحرك رأسي لأبعدها لكنها تبقى، فأرفع يدي لأبعدها فأصيبها وتسقط على الطاولة، أرقبها وهي تهوي ثم انحني لأنظر إليها، أرى إحدى أرجلها تنتفض في رعشة كهربائية متقطعة، ثم تتوقف بعد لحظة، ها قد قتلت مرة أخرى مخلوقًا خلقه الله لسبب ما لا أعلمه فقط لأنه جاء في مجرى طاقتي. أسمع صوتا يناديني، من النافذة على ما يبدو، نافذة المطبخ الصغير، أهرع إلى هناك وأفتح النافذة وأنظر إلى الأعلى باتجاه السطح فإذ به أحمد ابن الجيران وقد تدلى نصفه عن سور السطح يبتسم باصطناع ويقول:
- ابو شريك، بدي آخذ شوية مي من خزانك بتسمحلي؟
- آ

أجبته وأردت العودة  إلى الداخل لكنه كان قد بدأ حديثًا من أحاديثه الطويلة، اللتي يتحدث فيها عن مشاكله في البلد وعن حلمه في الذهاب إلى أمريكا وعن تناقض المجتمع. أحمد يدرس الحاسوب في جامعة أهلية انضم إليها بعد ثلاثة أعوام في امتحان الثانوية، تنفق عليه أخته الكبرى من عملها في أحد البنوك وغيرها، وهو لم يتجاوز سنته الأولى بعد، فهو يعشق البلياردو و(التفحيط) مع الأصدقاء. راح يتكلم ويحرك ذراعيه بعصبية وبدا لي مهرجًا مسرحيًا يبتذل إضحاك الناس ويمد يده طالبًا منهم بعض التقدير لكنهم يبصقون عليه، وهو مازال لا يفهم أن المشكلة تكمن في أنه لا يجيد إسعاد نفسه فكيف سيسعد الآخرين؟ أشرت بيدي لأحمد قائلًا:
- بعد إذنك.

وأسرعت بالعودة إلى خلوتي فدق الباب ثانية، شعرت بأكتافي تتشنج وقطبت حاجبي مرسلا نظرة إلى كأس الشاي والسيجارة فذاب غضبي كالجليد تحت الشمس وتحول إلى نظرة شوق لشاعر عربي تائه في الصحراء عزل عن محبوبته وقد بدأ يطير قليلًا.. قليلًا مع الرمال حتى اندثر وسافر شعره عبر التاريخ ليصل إلى رصيف متسخ في وسط البلد في ساعة الازدحام. وصلت الباب وفتحته، كانت ابنة الجيران غدير تقف خلف الباب، امتدت يدها إلي وهي تحمل بين أناملها الصغيرة بطاقة مزخرفة، ابتسمت بغباء جميل وقالت:
- هدا كرت عرس أختي، وصله لأمك ولإخواتك.

غدير هذه في الحادية عشر من العمر لكنها أصيبت بجرثومة في عقلها، جعلتها تتصرف كما لو كانت في العشرين، جرثومة تنتقل بالوراثة من جدتها لأمها ثم لها وهكذا، أختها بالمناسبة في التاسعة عشر... تريد مني أن أوصلها لأمي وأخواتي، أما أمي فهي في مكان أفضل من هذا كما كانت تقول دوما، ,اما أخواتي فهن في مكان ما لكنني لا أعرفه، أو أنني قد نسيته.
- شكرًا.

أجبتها فراحت تقفز على الدرج وهي تضحك مخفية أسنانها كما تفعل دوما، ربما أن أحدهم أقنعها أن في أسنانها عيب ما، أو أن ضحكتها فتنة، أو لعلي أضحكها، كانت كفراشة تربت مع العناكب فتعودت عليها وليست تعلم أنها عندما تصبح أكبر وأسمن ستأكلها. أغلقت الباب ووقفت لوهلة كأنما كنت أود التأكد من أن شخصا آخر لن يقطع علي خلوتي، ونظرت حولي فكانت الأمور هادئة، حتى وصل إلى سمعي صوت عقارب الساعة التي على الحائط، كانت تدب دبًا وكأنها مسيرة جنود يتجهون بحزم إلى المعركة رغم أن الخوف يرتديهم كالمعاطف لكن جهلهم تحول إلى رسن يقودهم إلى حتفهم بينما تتقوقع أرواحهم في زوايا وجودهم تبكي كالطفل عند ولادته. 

هرعت إلى الساعة فأخذت منها البطاريات لتتوقف عن العمل، ثم لم أسمح لشيء آخر بإزعاجي فأسرعت وأغلقت جميع النوافذ والإضاءة وبسرعة عدت إلى خلوتي وجلست على الكرسي الخشبي وتنهدت، امتدت يدي إلى كأس الشاي وأمسكته فصدمتني برودته حتى ارتعش سائر جسدي، وبعينين جاحظتين نقلت نظري بسرعة إلى السيجارة فكانت قد احترقت، وقفت مرتعدًا وجسدي ينتفض ويرتجف، شعرت بعضلاتي تتقلص فجأة وبرأسي كمًا لو بدأ يمط من أعلاه وأسفله، وشعرت بعيني تجحظان وتخرجان من جوفيهما وكان الألم شديدًا حتى صرخت وأنا أتلوى، لكن صراخي لم يخرج من جوفي بل دوى في عقلي عاليا جدا حتى كاد يفجر رأسي وتتابعت التقلصات والمط والالتواءات في لحظات شعرت أنني سأموت... ثم بعد برهة صمت كل شيء وتوقفت الآلام، وكان كل شيء من حولي قد زال، فكنت في سواد تام لكنني تمكنت من رؤية الكرسي الخشبي والطاولة وكأس الشاي والسيجارة، فوقفت ومشيت إليها ببطئ ثم جلست على الكرسي بهدوء، أمسكت كأس الشاي فكان ساخنا والسيجارة ما زالت جمرتها يانعة، شعرت بالسرور الغامر ورحت أشرب الشاي الساخن وأدخن السيجارة، أشرب الشاي الساخن وأدخن السيجارة..

تخرج النظرة من الإطار على لوحة مستطيلة، ألوان مائية على ورق ثقيل، تتسم بمساحات كبيرة من السواد المتشح بالرمادي، وفي منتصفها تقريبًا رجل رأسه ممطوط وعيناه جاحظتان محاطتان بخطوط سوداء صريحة، وباقي جسمه مرسوم بخطوط مكسرة، يجلس على كرسي على ما يبدو خشبي، وإلى جانبه طاولة صغيرة وفي أحدى يديه كأس شاي وفي الأخرى سيجارة. أمام اللوحة المحاطة بلوحات أخرى في معرض فاخر تجمع ثلاثة أشخاص من بينهم فتاة يرتدون ملابس أنيقة غالية الثمن ويتحدثون عن اللوحة:
- والله أنا أعتقد إنها بتعبر عن وجدان شخص عادي غير قادر على إدراك وجوده...
- ممكن، بس أنا بظن إنها a type of modern surrealism portraying a self inflected image of societal depression… 
- هي أكيد فيها بعد حلو وعميق، بس بصراحة كتير غالية وبعدين كئيبة... يلا يلا it’s already six لازم نلحق الجماعة شو نسيتوا العشا؟ 
- لا والله I almost forgot it! مهي كآبة الرسامين بتعدي مرات!  هاهاهاها...
يضحك الجميع بصوت عال وينسحبون معًا. يغادر الجميع، تطفأ الأنوار ويغلق المعرض، ويبقى هو قابعا على كرسيه، يشرب الشاي الساخن ويدخن السيجارة، يشرب الشاي الساخن ويدخن السيجارة...