كأس أمم أفريقيا 2025.. بطولة مثالية بنهاية كارثية
19 يناير 2026
حتى اللحظات الأخيرة من نهائي كأس أمم أفريقيا 2025، كانت البطولة تسير بثبات نحو أن تُخلَّد كأفضل نسخة في تاريخ المسابقة القارية. تنظيم محكم، بنى تحتية عالمية، ملاعب حديثة، أرضيات مثالية، فنادق فاخرة للمنتخبات، وشبكة نقل سلسة جعلت من المغرب نموذجًا للاستضافة الحديثة التي تليق بكرة القدم الأفريقية.
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي، لم يتردد في وصف النسخة بأنها "الأفضل على الإطلاق"، مستشهدًا بالحضور الجماهيري والعائدات المالية. غير أن هذا التقييم ظل محل نقاش، إذ يرى كثيرون أن روح كأس أمم أفريقيا لطالما تميّزت بالتنوع والخصوصية، وأن الإفراط في "التحديث" قد يسلب البطولة بعض فرادتها التاريخية. لكن كل تلك الإيجابيات تلاشت فجأة مع صافرة نهاية المباراة النهائية.
سارت كأس أمم أفريقيا 2025 بسلاسة غير مسبوقة، لكن الدقائق الأخيرة من مباراتها النهائية قلبت الأمور رأسًا على عقب
تحوّل النهائي إلى نقطة سوداء في تاريخ البطولة بعد سلسلة قرارات تحكيمية مثيرة للجدل من الحكم الكونغولي جان جاك ندالا نغامبو. البداية كانت بإلغاء هدف متأخر للسنغال سجله إسماعيلا سار بداعي وجود دفع من عبد الله سيك على أشرف حكيمي في بداية الهجمة، قبل أن تتصاعد الأحداث بإعلان ركلة جزاء للمغرب في الثواني الأخيرة من الوقت بدل الضائع.
ذلك القرار كان الشرارة التي فجّرت الفوضى، فما تلا ذلك وُصف بمشهد أقرب إلى الفوضى الكاملة. اشتباكات اندلعت بين لاعبين وأجهزة فنية، ومواجهات عنيفة بين جماهير سنغالية ومصورين ومتطوعين وقوات أمن، استُخدمت فيها الكراسي والمقاعد كأسلحة. شوهد مصابون يُنقلون على نقالات من أرض الملعب، فيما بدا أن النظام انهار تمامًا.
في خضم الأحداث، انسحب المنتخب السنغالي من أرضية الملعب احتجاجًا، بناءً على تعليمات مدربه بابي تياو، في مشهد نادر الحدوث في نهائي قاري. ولم تقتصر الفوضى على المدرجات أو المستطيل الأخضر، بل امتدت حتى إلى المنصة الإعلامية، حيث وقعت اشتباكات بالأيدي بين صحفيين من جنسيات مختلفة، في واقعة غير مسبوقة في مثل هذا الحدث الكبير.
محاولة فهم ما جرى ستستغرق وقتًا، لا سيما أن الرواية المتداولة جاءت في الغالب من طرف واحد. مدرب المغرب وليد الركراكي وصف سلوك السنغال بـ"المخزي والمشين"، بينما أُلغي المؤتمر الصحفي لمدرب السنغال لأسباب أمنية داخل المركز الإعلامي، ما حرم الرأي العام من سماع وجهة نظره.
في تلك الليلة العبثية، برز اسم ساديو ماني كاستثناء. نجم السنغال وقائدها رفض مغادرة الملعب رغم إلحاح المدرب، مفضّلًا البقاء ومحاولة تهدئة الأوضاع. سواء كان دافعه مكانته الرمزية، أو رغبته في ألا تنتهي مسيرته الدولية بهذا الشكل، فإن موقفه لاقى إشادة واسعة.
ماني لعب دورًا مهمًا في تهدئة الجماهير السنغالية، مطالبًا إياهم بالعودة إلى أماكنهم، ما سمح باستكمال المباراة. وفي النهاية، تُوِّج باللقب القاري للمرة الثانية في مسيرته، في إنجاز يُفترض أن يُخلَّد بعيدًا عن الفوضى التي أحاطت بالنهائي.
غضب جماهيري وشكوك قديمة
صحيفة "ذا أثلتيك" نقلت عن صحفي أفريقي أن جماهير سنغالية رأت في ركلة الجزاء "ظلمًا واضحًا"، وأن بعض المصابين ربما تعرضوا لإصابات خطيرة. ورغم صدمة المشهد، إلا أن أحداث الشغب ليست حكرًا على أفريقيا، إذ شهدت بطولات كبرى مثل كوبا أميركا 2024 اضطرابات جماهيرية ومشاكل تنظيمية مشابهة.
غير أن خصوصية هذه الحادثة تكمن في السياق العام. فعلى مدار البطولة، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي اتهامات غير مثبتة بوجود "تحيّز تحكيمي" لصالح المغرب، الدولة التي استثمرت أكثر من 1.6 مليار دولار في البنية التحتية للملاعب، وتُعد اليوم الأكثر نفوذًا كرويًا في القارة، إضافة إلى كونها مرشحة لاستضافة كأس العالم 2030.
لا توجد أدلة على وجود مؤامرة تحكيمية، لكن الشكوك لم تأتِ من فراغ. ففي نهائي كأس أمم أفريقيا للسيدات العام الماضي، الذي خسره المغرب أمام نيجيريا، تقدّم الاتحاد المغربي بشكوى ضد مدير التحكيم في "كاف" نومانديز دوي، الذي أُقيل لاحقًا من منصبه، ما عزز الانطباع بأن صوت المغرب مسموع داخل أروقة الاتحاد القاري.
رئيس "كاف" كان قد عقد اجتماعًا مع الحكام قبل انطلاق البطولة، شدد فيه على "النزاهة والاستقلالية والاحتراف"، وأعاد التأكيد على ذلك خلال مؤتمر صحفي أخير، قائلًا إن رأي المشجع العادي "مهم للغاية".
باستثناء بعض الهفوات التنظيمية، سارت كأس أمم أفريقيا 2025 بسلاسة غير مسبوقة. ومع ذلك، فإن الشكوك حول مستوى التحكيم، إلى جانب فوضى النهائي، ألقت بظلال ثقيلة على بطولة كانت مرشحة لدخول التاريخ من أوسع أبوابه.
وبينما يستعد المغرب لرهانات أكبر على الساحة العالمية، أبرزها استضافة كأس العالم 2030، يجد الاتحاد الأفريقي نفسه أمام تحدٍ حقيقي: معالجة أزمة الثقة في التحكيم، وضمان ألا تتكرر نهاية فوضوية لبطولة وعدت بالكثير… لكنها ستُذكر في النهاية، ليس بسبب التنظيم الجيد، ولكن بسبب الفوضى التي لحقت بلحظاتها الأخيرة.