ultracheck
  1. عشوائيات
  2. مجتمع

قُتلن لأنهن قلن "لا".. لماذا يتنامى العنف الانتقامي ضد النساء في المجتمعات العربية؟

18 أغسطس 2026
نيرة أشرف
تعرضت نيرة شرف لجريمة قتل مروعة بسبب رفضها الارتباط بزميلها (منصة إكس)
إيناس كمالإيناس كمال

المصرية نيرة أشرف، والأردنية إيمان إرشيد، واللبنانية تهاني حرب، والمغربية هاجر، وغيرهن عشرات، وربما مئات، من النساء العربيات اللاتي قُتلن بعدما رفضن العودة إلى زوج سابق، أو رفضن الارتباط أو الزواج من شخص ما. قُتلن لأنهن قلن "لا". قُتلن بسبب العنف الانتقامي القائم على الرفض.

ويُستخدم مصطلح "جرائم الرفض" للإشارة إلى جرائم العنف التي تُرتكب بحق النساء بسبب رفضهن الزواج، أو بسبب إنهاء علاقة عاطفية أو زوجية، أو رفض العودة إلى شريك سابق. ورغم شيوع استخدام المصطلح في الخطاب الإعلامي والحقوقي، فإنه ليس توصيفًا قانونيًا أو أكاديميًا معتمدًا، وإنما يصف نمطًا من الجرائم يكون فيه الرفض هو الدافع المباشر أو أحد أبرز الدوافع لارتكاب العنف أو القتل.

ماذا تعني جرائم الرفض؟

تندر الدراسات والأبحاث التي تناولت مسألة قتل النساء بسبب رفضهن العودة إلى شريك قد يكون مُعنِّفًا، أو الاستمرار في علاقة قائمة، أو حتى الارتباط بشخص ما، كما حدث قبل سنوات مع الطالبة نيرة أشرف، التي رفضت الارتباط بقاتلها محمد عادل، فما كان منه إلا أن ذبحها نهارًا أمام جامعة المنصورة. وأثارت هذه الواقعة ضجة واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي في الوطن العربي، وفتحت الباب أمام سؤال ظل يتكرر: لماذا تُقتل النساء عندما يقلن "لا"؟

للإجابة عن هذا السؤال، هناك دراسة نُشرت في يونيو/حزيران الماضي في دورية (Springer Nature) بعنوان: "الشعور بالرفض وارتكاب العنف بين الشريكين الحميمين: التأثيرات الوسيطة للحاجة إلى السيطرة والرضا عن العلاقة". تناولت الدراسة العلاقة بين شعور الرجل بالرفض وممارسته للعنف، وخلصت إلى أن الشعور بالرفض لا يؤدي تلقائيًا إلى العنف، لكنه عندما يقترن بالحاجة إلى السيطرة وانخفاض الرضا عن العلاقة، يزيد من احتمال ممارسة العنف النفسي، ما يدعم فكرة أن الرفض قد يكون محفزًا ضمن ديناميكيات أوسع تتعلق بالتحكم والسلطة.

تتعدد أسباب قتل النساء كرد فعل انتقامي على رفض علاقة مع الجاني. ففي مراجعة علمية عن قتل النساء في مصر، تشير النتائج بوضوح إلى أن عددًا من أبرز الجرائم في السنوات الأخيرة ارتبط برفض المرأة الزواج أو استمرار العلاقة

ولا تقف الأدلة عند هذه الدراسة، إذ تتقاطع نتائجها مع تقارير أممية ورصد ميداني في المنطقة العربية.

ورغم أن المؤسسات الدولية لا تستخدم مصطلح "جرائم الرفض" بوصفه توصيفًا رسميًا، فإنها تتناول هذا النمط من الجرائم ضمن أطر مختلفة ترتبط بالعنف القائم على النوع الاجتماعي والعنف بين الشريكين الحميمين. وتؤكد الأمم المتحدة وهيئة الأمم المتحدة للمرأة باستمرار أن أخطر الفترات على المرأة هي الفترة التي تلي الانفصال، وأن نسبة كبيرة من جرائم قتل النساء تقع عندما تحاول المرأة إنهاء العلاقة أو رفض استمرارها.

ووفقًا لتقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، يظهر العنف المرتبط بالرفض في صور متعددة تنتهي في بعض الأحيان بقتل النساء، سواء عند رفض الزواج، أو رفض العودة إلى الزوج بعد الانفصال، أو رفض الخطبة، أو رفض علاقة عاطفية، أو طلب الطلاق أو الانفصال، أو رفض علاقة جنسية، أو التعرض للابتزاز العاطفي.

وفي قراءة موجزة لمؤسسة إدراك للتنمية والمساواة بعنوان "العنف الانتقامي ضد النساء والفتيات على خلفية رفض الزواج أو العودة بعد الانفصال أو الطلاق"، رُصدت 96 جريمة مُعلنة في الصحف والمواقع الإخبارية ضد النساء في مصر خلال الفترة بين عامي 2022 و2025. وأشارت القراءة إلى أن رفض العلاقة قد يتحول، في بعض الوقائع، إلى دافع مباشر لارتكاب جرائم عنف وانتقام مثل الابتزاز، والتشهير، والعنف الرقمي، والاعتداء البدني، والتشويه، والقتل، الذي يُعد أخطر أشكال العنف المباشر المرتكب ضد النساء.

لماذا تُقتل النساء عند قول "لا"؟

ترى إدراك أن نتائج الدراسة تشير إلى أن بعض الجناة يتعاملون مع رفض المرأة باعتباره تحديًا لسلطتهم أو انتقاصًا من حق يتصورون امتلاكه، وليس باعتباره حقًا أصيلًا للمرأة في الاختيار أو إنهاء العلاقة. ويتحول هذا التصور، في بعض الحالات، إلى ممارسات انتقامية تنبع من إنكار حق النساء في الاختيار والقبول والرضا، وفي إنهاء العلاقات أو رفض استئنافها.

وكانت المؤسسة قد أطلقت عددًا من الوسوم (هاشتاغات) للتفاعل مع هذه الجرائم، خاصة بعد مقتل نيرة أشرف، من بينها: "قُتلن بعلم المجتمع"، و"دم مستباح"، و"بأي ذنب قُتلن"، و"الضحية الأخيرة"، واستخدمت هذه الهاشتاغات للتدوين حول جرائم العنف الانتقامي أو ما يُعرف إعلاميًا بـ"جرائم الرفض".

وتتعدد أسباب قتل النساء كرد فعل انتقامي على رفض علاقة مع الجاني. ففي مراجعة علمية عن قتل النساء في مصر، تُعد الأولى من نوعها التي تجمع بصورة أكاديمية حديثة أسباب قتل النساء في مصر، تشير النتائج بوضوح إلى أن عددًا من أبرز الجرائم في السنوات الأخيرة ارتبط برفض المرأة الزواج أو استمرار العلاقة، مستشهدة بحالات مثل نيرة أشرف وسيدة الشرقية وسيدة المنوفية. كما تربط المراجعة بين هذه الجرائم وثقافة السيطرة على النساء، وليس مجرد "الخلافات العاطفية".

ويمكن القول إن عوامل متعددة تدفع بعض الجناة إلى ارتكاب مثل هذه الجرائم. ففي الأردن، على سبيل المثال، ووفقًا لمراجعة قانونية صادرة عن "تقاطعات"، قد يقتل الآباء أبناءهم انتقامًا من الأمهات وإيلامًا لهن، وهو نمط من العنف يرتبط بمفاهيم الانتقام والسيطرة الذكورية.

أما مؤسسة "تدوين" لدراسات النوع الاجتماعي في مصر، فرصدت عشرات جرائم قتل النساء خلال عامي 2023 و2024، وصنّفت دوافعها إلى: رفض الزواج، وطلب الطلاق، والانفصال، والخلافات الزوجية، والجرائم المرتكبة بزعم الحفاظ على "الشرف"، والسيطرة، والانتقام.

العربيات في الهمّ واحد

توجهنا بعدة أسئلة إلى أمل منيب، نائبة رئيسة الدراسات والنشر في منظمة المرأة العربية، حول الرابط بين الدول العربية التي تشهد جرائم قتل النساء على خلفية رفض علاقة عاطفية أو زوجية، فقالت لـ"التراصوت" إن العنف ضد المرأة ظاهرة عالمية تعاني منها مختلف المجتمعات، ومنها المجتمعات العربية، إلا أن وتيرته في المنطقة تصاعدت خلال السنوات الأخيرة في ظل سياقات عدم الاستقرار الأمني والنزاعات التي تشهدها عدة دول.

وترى منيب أن المرأة غالبًا ما تكون الأكثر تضررًا في أوقات الأزمات، بحكم كونها الأكثر هشاشة على سلم الحقوق، والأقل امتلاكًا لمصادر القوة الاجتماعية، سواء الرمزية أو المادية.

وتشير إلى أن منظمة المرأة العربية تعمل، من خلال برامجها، على حث الدول العربية على إيلاء مزيد من الاهتمام بقضية مناهضة العنف ضد المرأة في مختلف مراحل حياتها، وفي المجالين العام والخاص، عبر نشر الوعي بالقضية وأبعادها المختلفة، وإبراز آثارها الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية على حاضر المجتمعات العربية ومستقبلها، إلى جانب تطوير الأدوات والآليات الكفيلة بمنع العنف وردعه.

ومن جانبها، قالت نجوى إبراهيم، المديرة التنفيذية لمؤسسة إدراك للتنمية والمساواة، لـ"التراصوت"، إن تكرار جرائم قتل النساء بسبب رفض الزواج أو الارتباط، أو رفض العلاقة الجنسية، أو العودة إلى زوج أو شريك سابق، في عدد من الدول العربية مثل مصر ولبنان وسوريا والعراق والأردن، لا يمثل مجرد تشابه في وقائع منفصلة، بل يكشف عن وجود عوامل اجتماعية وثقافية متشابهة، وإن اختلفت درجاتها، تمنح بعض الرجال شعورًا زائفًا بالاستحقاق والسلطة على قرار المرأة، وتجعلهم يتعاملون مع رفضها باعتباره إهانة لرجولتهم أو فقدانًا للسيطرة، وليس حقًا أصيلًا لها في الاختيار وإنهاء العلاقة.

وتوضح إبراهيم أن ما يُطلق عليه "العنف الانتقامي" ليس توصيفًا قانونيًا مستقلًا، وإنما إطار وصفي لمسار من العنف قد يبدأ بالملاحقة، والتهديد، والابتزاز، والتشهير، والعنف الرقمي، ثم يتصاعد إلى الضرب أو التشويه أو القتل.

وترى أن تكرار هذه الوقائع لا يرتبط بالجاني بوصفه فردًا فقط، بل أيضًا بخطاب مجتمعي وإعلامي يعيد إنتاج الجريمة، إذ يحوّل مركز الاهتمام من الضحية إلى الجاني، ويركز على حالته النفسية أو العاطفية، فيصف الجريمة أحيانًا بأنها نتيجة الحب أو الغيرة أو الانفعال، ثم يواصل معاقبة الضحية أخلاقيًا، بالبحث في ملابسها وسلوكها وعلاقاتها، أو بتصوير القاتل على أنه "حبيب مهووس"، بدلًا من الاعتراف بأنه مجرم قرر معاقبة امرأة لأنها قالت "لا".

وتضيف أن بعض الأعمال الدرامية العربية تسهم، بصورة غير مباشرة، في ترسيخ هذا الخطاب، من خلال تقديم نموذج الرجل الذي يرفض انفصال شريكته عنه ويسعى إلى استعادتها بالقوة بوصفه شخصية رومانسية، لا باعتباره شخصًا يمارس السيطرة والعنف.

وقد رصد تقرير "اتجاهات الرأي العام في قضايا قتل النساء"، الصادر عن مؤسسة إدراك بالتعاون مع مؤسسة المرأة الجديدة، حملات تعاطف مع بعض الجناة، إلى جانب محاولات لتشويه الضحايا وتحميلهن مسؤولية قتلهن.

وتختتم إبراهيم حديثها بالتأكيد على أنه لا يمكن الجزم بأن كل جريمة تمثل تقليدًا أو محاكاة لسابقتها، لكن تداول مشاهد القتل وتكرار الروايات التي تبرر للجاني وتتعاطف معه وعدم التعامل الجاد مع التهديدات والبلاغات السابقة، كلها عوامل تعيد إنتاج العنف وترسخ تطبيع المجتمع مع الجريمة وتسمح بتكرارها.

وتضيف أن العقوبة، رغم أهميتها، لا تكفي بعد وقوع الجريمة، بل المطلوب هو بناء منظومة متكاملة للوقاية والحماية تتعامل مع المطاردة والتهديد والابتزاز بوصفها مؤشرات إنذار مبكر، وتوفر حماية عاجلة للنساء، وتربط بين البلاغات، وتواجه الخطاب الذي يبرر السيطرة والعنف.

وربما لم تكن هناك معرفة سابقة بين نيرة أشرف وإيمان إرشيد وتهاني حرب وهاجر، لكنهن جميعًا اشتركن في أنهن قُتلن لأنهن قلن "لا". ويجمع هذه الجرائم نمط واحد يتكرر في كل مرة: التملك، والسيطرة، والمطاردة، والتهديد، والخطاب الذي يقول: "إذا لم تكوني لي، فلن تكوني لأحد."

كلمات مفتاحية
قطع الأشجار في القاهرة

بعد سنوات من اقتلاع الأشجار.. لماذا تذكرت الحكومة "تخضير القاهرة" الآن؟

أثارت توجيهات السيسي بإطلاق مشروع تخضير القاهرة تساؤلات بشأن أسباب التحول المفاجئ في السياسة الحكومية

تفجير مركز التجارة العالمي

من البرجين إلى غرف الأخبار.. صحفيو "أسوشيتد برس" يتذكرون 11 أيلول

بعد خمسة وعشرين عامًا على هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، عادت وكالة "أسوشيتد برس" إلى عدد من صحفييها ومصوريها الذين كانوا في مانهاتن السفلى في صباح الهجوم

واقعة القيلوبية

من توبيخ مديرة مدرسة إلى أزمة سلطة.. ماذا كشفت واقعة القليوبية؟

أثارت الواقعة التي جمعت محافظ القليوبية بمديرة إحدى المدارس بمدينة بنها، أثناء جولة المحافظ التفقدية لمتابعة استعدادات المدارس للعام الدراسي الجديد، حالة واسعة من الجدل

الليالي البيضاء.. من دوستويفسكي إلى BookTok
أدب

الليالي البيضاء لدوستويفسكي: كيف أعاد "تيك توك" الرواية إلى الواجهة؟

في ليلة هادئة من ليالي سان بطرسبورغ، كان رجل وحيد يمشي بلا وجهة، كأنه يبحث في شوارع المدينة عن شيء لا يعرف له اسمًا

فيلم "عطلة منتصف الشتاء"
أفلام

فيلم "عطلة منتصف الشتاء".. الماضي يسافر معنا

الفيلم جيد جدًا، بالنسبة لي على الأقل، لأنه لا يتحدث عن الحرب تقريبًا. لا يعيد سردها ولا يحولها إلى درس في السياسة أو التاريخ

صورة تعبيرية
مجتمع

إن كنت تريد تعزيز سعادتك وحماية دماغك.. لا تأكل بمفردك

قد لا يحتاج تحسين الصحة النفسية والرفاهية دائمًا إلى حمية غذائية جديدة أو ممارسة رياضية شاقة، فبعض الفوائد قد تبدأ من عادة يومية قديمة وبسيطة، هي تناول الطعام برفقة الآخرين

تلوث
علوم

الحرائق وموجات الحر تهددان جودة الهواء عالميًا.. تحذير أممي من أزمة صحية متفاقمة

حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أن الدخان الناتج عن الحرائق أصبح مصدرًا متزايدًا للتلوث، حتى في مناطق نجحت في خفض انبعاثات الصناعة والنقل