قوس الكمان... يقتلني

قوس الكمان... يقتلني

(Getty) وقفة حداد في روسيا على أعضاء فرقة ألكسندروف العسكرية

لا يكترث العازف بالهواء إلا في كونه يحمل صوت آلته وأصابعه إلى الجمهور، وهذا القوس السيف السكين يعزف لحن الفرح والموت والرقص على جسد الكمان... القوس سكين تُسنّ في فجر الذاهبين إلى الاحتفال بهروب الموتى من الجنود. 

عند الفجر فقط يحملهم الموت إلى البحر. لا ذنب لهم سوى أنهم يريدون عزف لحنٍ جنائزي في فضاء المدينة الخراب... البلد الخراب... البيت الخراب... حينها سيمر الهواء الأصفر بسيطًا عنينًا بين البنايات الخواء إلا من أرواح صعدت من هنا نحو السماء... أي موسيقى عظيمة تلك... سيعلو النشيج الجنائزي لتبكي الملائكة أجسادًا زادت عن حاجة الدود.

القوس سكين تُسنّ في فجر الذاهبين إلى الاحتفال بهروب الموتى من الجنود

اقرأ/ي أيضًا: الآلهة التي لا تقرأ

ثمة أمكنة تصلح للعزف خارج المدينة المنخورة... قصور الثقافة والمسارح الرومانية والمطارات والحفلات الخاصة حيث مومسات يحلمن بأبعد من سرير حديدي مع جندي أشقر، يعشقن الشاشات والتصريحات و(اللمة) الأممية... من هنا يبدأ حلم القيصر بغواني البلاد.

المفارقة في أن جمهور الفرقة الذي ينتظر على أحر من الجمر الراقصات الشقراوات هو نفس الجمهور الذي يتمايل مع اللحن المحلي الغارق في حقول القمح، والتين البارد في الصباح، وهو يصفق في اتجاهين متعاكسين... المخنث هنا فقط يمارس متعته باسترخاء.

أتذكر كابن بدوي كيف يذبح الخروف كأضحية مقدسة، وكيف يعتنى به كقديس عندما يحسب على الثروات. الأضاحي في هذا البلد من البشر يعاملون كالخرفان البدوية المقدسة التي تثغو لموتها ومرعاها دون فارق باللحن. الموت كالذهاب إلى المرعى. المرعى قبر مؤجل.

في هذا الوطن المتاخم لكل المعابر التاريخية، وبحدوده الجغرافية الأربعة حيث امتداد حضارات كانت وأنهكتها الفؤوس الإلهية والأسلحة الفتاكة. في هذا الوطن يمكن للفصام أن يعلو كنشيد. في مدينة أثرية وسط البلاد تمر نوتة موسيقية خالدة كـ"نينوى" لتدل على انهيارات المحروس من الذاكرة. تتساقط الأعمدة الخالدة، ويصير المسرح مشنقة.

لعنة الشيطان حين يدندن معزوفة الموت في بلاد الخراب الكبير

اليوم بقرب النهر تستعر الحر من جديد، والموسيقى تهز الجبال المحيطة، وثمة من يراهن على العطش في اتجاهين. ألا تستحق هذه المفارقة قليلًا من العزف المختلف حيث يولد شكل جديد للموت في مكان آخر من تلك البلاد المنذورة للذبح؟ فجأة تهوي الطائرة القادمة من سيبيريا في البحر، وتخبو الموسيقى كفقاعة غطاس. الأرض محروسة بالرجال الصالحين، وأدعية القلوب المهجّرة التي ما زالت في منتصف الطريق إلى الغربة الجديدة.

اقرأ/ي أيضًا: حلب... أوسع من موت معلن

يبوح العازف الإيطالي غوسيبه تارتيني في إحدى الليالي في عام 1713 بسره: "حلمت بأنني أقمت عهدًا مع الشيطان مقابل بيع نفسي له، كل شيء جرى كما تمنيت، أعطيته الكمان الذي بحوزتي لأعرف إن كان يمكنه العزف، وكم كانت دهشتي كبيرة لدى سماعي سوناتا في غاية الروعة والجمال، لقد جرى عزف بفن عظيم وذكاء لم أكن أتصورهما في أشد رحلات الخيال جرأة".

كانت تلك أهم معزفاته... "هزة الشيطان" سوناتا حاضرة في حياتنا البشرية، وأما العازفون فتحولوا إلى أسماء عابرة... من أكله البحر مع قوس كمانه، ومن جنّ من الصراخ، ومن غافلته المياه... لكنها لعنة الشيطان حين يدندن معزوفة الموت في بلاد الخراب الكبير.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تلفزيون الواقع بتقنية ثلاثية الأبعاد

هل اللغة العربية بالمغرب في مهب الريح؟