قوة الدولار: هل يعيد كيفن وارش الثقة فيه؟
7 فبراير 2026
ارتفعت أسعار الذهب في البورصات العالمية خلال شهر يناير الماضي، مُحطمةً بذلك توقعات أغلب المحللين وبنوك الاستثمار، وحققت زيادات تقارب 30% لتتخطى حاجز 5000 دولار للأونصة الواحدة، ووصلت حتى 5600 دولار لفترة وجيزة، قبل أن تنهار الأسعار عالميًا في موجة بيع هي الأكبر في تاريخ المعدن الأصفر منذ عام 1983، حيث انخفض الذهب في جلسة يوم الجمعة 30 كانون الثاني/يناير بما يزيد عن 10%، وانخفضت الفضة بمقدار 26%، وهي الانخفاضات الأكبر في تاريخ هذا المعدن. ومع فتح السوق يوم 2 شباط/فبراير، بدأت الأسعار تستقر تدريجيًا.
ارتفاع أسعار الذهب والفضة والبلاتين والبلاديوم والنحاس وحتى الغاز الطبيعي والبترول خلال شهر كانون الثاني/يناير، يعود أساسًا إلى انخفاض قيمة الدولار أمام العملات الأخرى، حيث انخفض مؤشر الدولار أمام ست عملات رئيسية (DXY) ووصل إلى 95.5 نقطة، في أكبر انخفاض شهده الدولار منذ شباط/فبراير 2022.
وجاءت تلك الانخفاضات نتيجة تآكل تدريجي في الثقة بالدولار الأميركي، سواء بسبب ارتفاع الدين الأميركي إلى حدود 38.49 تريليون دولار، أو صراع دونالد ترامب مع رئيس الفيدرالي الأميركي جيروم باول وتهديده لاستقلالية البنك، وكذلك تقليص البنوك المركزية حول العالم لحيازاتها من الدولار، الذي انخفضت نسبته منذ العام 2013 حتى الآن من 75% إلى 53%.
جاء اختيار الرئيس الأميركي لترشيح كيفين وارش لخلافة جيروم باول في البنك الفيدرالي مفاجئًا وغير متوقع. فقد توقع المضاربون على الذهب والمستثمرون أن يكون الرئيس القادم أكثر تساهلًا وينهي التشديد النقدي بالكامل
لكن السبب الرئيسي الذي عكس فقدان الثقة في الدولار الأميركي وفي سندات الدين الحكومية هو قرب انتهاء فترة الرئيس الحالي جيروم باول في حزيران /يونيو من هذا العام، وتوقع جميع المحللين أن يكون الرئيس القادم مجرد دُمية يحركها الرئيس ترامب، ما يهدد استثمارات الدول والمؤسسات داخل الولايات المتحدة.
وجاءت الارتفاعات في أسعار الذهب خلال العام الماضي وفي بداية العام الحالي بشكل متناسب مع انخفاض الدولار، حيث أصبح الذهب ملاذًا آمنًا ضد تداعيات تغيير استراتيجية الفيدرالي الأميركي، حتى يوم الجمعة 30 كانون الثاني/يناير، عندما أعلن الرئيس ترامب عن خليفة جيروم باول وهو الفيدرالي السابق كيفين وارش، وعلى إثر هذا الإعلان انطلقت عمليات بيع محمومة على جميع المعادن، واستعاد الدولار قوته تدريجيًا.
لكن، من يكون كيفين وارش؟ وما المقصود باستقلالية البنك الفيدرالي الأميركي؟ وهل يستطيع الدولار استعادة الثقة المفقودة؟
رئيس جديد لأكبر بنك مركزي في العالم
جاء اختيار الرئيس الأميركي لترشيح كيفين وارش لخلافة جيروم باول في البنك الفيدرالي مفاجئًا وغير متوقع. فقد توقع المضاربون على الذهب والمستثمرون أن يكون الرئيس القادم أكثر تساهلًا وينهي التشديد النقدي بالكامل، إلا أن الواقع كان العكس تمامًا. يُعتبر وارش من جناح المتشددين في البنك (Hawkish)، وقد شغل منصب عضو مجلس محافظي البنك الفيدرالي بين 2006 و2011 بتعيين من الرئيس جورج بوش.
عاصر وارش أزمة الرهون العقارية عام 2008، واستقال في 2011 احتجاجًا على استراتيجية الفيدرالي في ذلك الوقت تحت إدارة بن برنانكي، والمعروفة بالتسيير الكمي (Quantitative Easing)، والتي اعتمدت على شراء كميات كبيرة من سندات الدين الأميركية للحفاظ على أسعار فائدة منخفضة وتمكين الشركاء والأفراد من الحصول على قروض رخيصة.
عارض وارش هذه السياسة، معتبرًا أن استمرار الفائدة المنخفضة لقرابة عشر سنوات سيكون محفزًا رئيسيًا لارتفاع التضخم، وهو ما لم يحدث، إذ ظل التضخم تحت مستهدف الفيدرالي البالغ 2% لسنوات طويلة بعد الأزمة.
وفي العام الماضي، وجه وارش نقدًا شديدًا لمدير الفيدرالي الحالي جيروم باول، معتبرًا أنه تأخر نحو عام في رفع معدلات الفائدة، ما أدى – برأيه – إلى زيادة التضخم وخروجه عن السيطرة.
هل يحتفظ وارش باستقلالية البنك
تولى الاقتصادي الأميركي بول فولكر رئاسة بنك الاحتياطي الفيدرالي عام 1979، وهي الفترة التي عانت فيها الولايات المتحدة من حالة اقتصادية شديدة الندرة تعرف باسم الركود التضخمي (Stagflation)، وفيها يعاني الاقتصاد من انكماش وتراجع في النمو مع تضخم مرتفع للغاية. ولمواجهة هذه المعضلة، وضع بول فولكر استراتيجية يستهدف فيها التضخم بشكل أساسي، ليرفع معدلات الفائدة على سندات الديون الحكومية لما يقارب 20% في خطوة راديكالية لتخفيض السيولة في البنوك والأسواق، فيما عُرف لاحقاً باسم "صدمة فولكر(Volcker Shock).
الاستراتيجية التي اعتمدها فولكر قامت على وعد سياسي من المؤسسة السياسية الأميركية بأن يعمل البنك بعيداً عن الأجندات السياسية ويعتمد في قراراته على البيانات الاقتصادية والإحصائية فقط. وعلى مدار 45 عامًا، امتنعت الإدارات الأميركية المتعاقبة، سواء من الجمهوريين أو الديموقراطيين، عن التدخل في سياسات البنك أو فرض أي وصاية عليه، وكان للرئيس فقط صلاحية ترشيح بديل لرئيس البنك المنتهية ولايته، وبعد موافقة مجلسي الشعب والمحافظين يتم تعيينه.
يريد ترامب أن يُنهي هذا التقليد ويتدخل في سياسة البنك الفيدرالي، ويدفعه لتخفيض الفائدة على سندات الخزانة الأميركية لما يقارب صفر أو 1%. فتخفيض الفائدة يعني أموالاً جديدة في الاقتصاد الأميركي، ما يدفعه للنمو بمعدلات أكبر، ويمنحه قدرة تصديرية هائلة، ما يُعدل من ميزان العجز التجاري لصالح الاقتصاد الأميركي، ويُقلل من قيمة خدمة الدين المتضخم.
لكن الصادم في اختيار كيفين وارش هو أنه من المؤمنين باستقلالية البنك، وخصوصًا مع تجربته السابقة فيه. يقول ترامب: "جميع المرشحين ممتازون، لكنهم يتغيرون بمجرد أن يحصلوا على الوظيفة"، وهو ما حدث تحديدًا مع جيروم باول نفسه، الذي رشحه وعينه ترامب قبل أن يندم على اختياره بعد مرور أشهر.
في مقابلة يوم الأربعاء 4 شباط/فبراير مع (NBC)، صرّح ترامب أنه لا يملك أي شك في أن البنك الفيدرالي سوف يخفض الفائدة، وأنه يعتقد أن كيفين وارش سيخفضها كما يريد هو، ولأن وارش أيضًا يريد ذلك
اختيار ترامب جاء متوافقًا مع تصريح حديث لوارش اتفق فيه مع وزير الخزانة سكوت بيسنت ومستشار البيت الأبيض ستيفن ميلر بأن تخفيض الفائدة في هذه المرحلة ضروري ولن يؤدي إلى تضخم، لأن قطاع الذكاء الصناعي، الآخذ في التوسع، يمكنه امتصاص تلك السيولة وزيادة معدلات النمو الاقتصادي. وهي فكرة لا يتفق عليها جميع أعضاء مجلس محافظي الفيدرالي، ويعتبر البعض أنها قد تؤدي إلى زيادة معدلات الفائدة "المحايدة" داخل الاقتصاد.
يعتقد وارش أيضًا أن الفيدرالي يجب أن يُقلص ميزانيته وديونه، حيث صرح في أكتوبر الماضي أن البنك "لابد أن يقلص ميزانيته، ويسحب الأموال من وول ستريت"، وهي فكرة لها الكثير من المعارضين داخل البنك أيضًا. فسحب السيولة من الأسواق لتغطية ديون الفيدرالية يمكن أن يتسبب في مشكلة تُعرف باسم (Balance sheet trilemma)، فكلما كانت ميزانية البنك كبيرة أمكنه التحكم في معدلات فائدة السندات واستقرارها، لكن تخفيض الميزانية يعني عدم استقرار أسعار الفائدة وحدوث تذبذبات عالية في أكبر سوق في العالم، ما يدفع المستثمرين في النهاية للهرب بعيداً إلى الذهب أو غيره.
وفي مقابلة يوم الأربعاء 4 شباط/فبراير مع (NBC)، صرّح ترامب أنه لا يملك أي شك في أن البنك الفيدرالي سوف يخفض الفائدة، وأنه يعتقد أن كيفين وارش سيخفضها كما يريد هو، ولأن وارش أيضًا يريد ذلك.
وفي حالة صدق وعد وارش لترامب، فمن المرجح أن يضعف الدولار وتستمر عملية التخارج من الدين الأميركي أو ما يعرف بـ (Debasement)، لترتفع أسعار الذهب والفضة وحتى أسواق الدول الناشئة وكل ما هو بعيد عن السوق الأميركي.