قوالب جاهزة

قوالب جاهزة

غرافيتي للإسباني بي توي في جربة بتونس (Getty)

حين تكونين سمراء اللّون وقصيرة القامة ونحيفة بعض الشيء، يعتقد الجميع أنّك قادمة من مكان ما.. يعتبرونه غريبًا عنهم. أذكر أنّني في أيّامي الأولى في الجامعة، كنت أراقب الفتيات اللواتي بالشكل الذي ذكرت، وكنت أشبههنّ قليلًا.

تأتي الفتاة من مدينتها إلى العاصمة متعبة بأعباء السفر، مثقلة بالحنين وبدعوات والدتها والأمل المبعثر حولها معلّقًا في قطرات الماء التي سكبتها وراءها جدّتها لتعود وقد أفلحت فتزيد سمرة ونحافة. وفي الأثناء، تراقبها "المدنيّات" بتعجّب.

أنا لا أستغرب هذه المشاهد وامتحنت في السابق كلّ أنواع النظرات وأقواهنّ تلك النظرة البلهاء المتسائلة: من أين أنت؟ وأين تقع قريتك؟ التي لا تعترف الخريطة "الكلاس" بها أبدًا. وبعدها تبدأ الأسئلة المتعجرفة حول اللهجات واللكنات.. هكذا تصنّفين وتقذفين فورًا إلى خانتك المناسبة وهكذا تبدأ القوالب الجاهزة بالتشكّل.

في بلدي، وفي جلّ البلدان العربيّة، نتفنّن في التصنيف. يكفي أن تخرج للناس بهيئة معيّنة لنضعك في الإطار الذي لا يناسبك أساسًا ويقومون بدسّك دسًا. أذكر أنّني عشت لسنوات أبحث عن ثوب لا يرمي بي في قفص طائفة ما، ثوب لا يصنّفني مع أولائك أو هؤلاء، ببساطة، ثوب يقول إني أنيقة وجميلة وكفى.

يبدو الأمر بسيطًا جدًا ولكنّه معقّد. أن لا تكون حرًا في ما تلبس، في ما تنبس به شفتاك، في ما تسمع، وكيف وأنّى وأين تسير وأن تختنق في قالب أختير لك بحماقة فائقة فقط بسبب شكلك.

تصنف غير المحجبة وتحال مباشرة لدى البعض إلى جهنّم. وتصنّف المحجّبة أيضًا وهنا تتنوع القوالب وتختلف حسب طول الخمار وشكل الفستان. من التصنيفات تلك ما يرتكز على الجهات، جنوبية وشمالية وغربية وشرقية، ويتم التصنيف أيضًا بين سكان البحر وسكان الصحراء وحسب تسريحات الشعر.. كل شيء قابل للتصنيف.

احتكر معشر اليسار أغاني الشيخ إمام والأشعار الجميلة وكان درويش حكرًا على القوميين. استحوذ الثائرون على أغاني الثورات والبطولات وأغاني القدس والحلم بالنصر القادم. يستمع الإسلاميّون "اللايت"، المتفانين في تزيين صورة التديّن، إلى ماهر زين وسامي يوسف أما الملتزمون جدًا فيركزون في بداياتهم على أغاني الراب المتحدثة عن المسيح الدجال وقيام الساعة ثم يلتحقون بركب المسافرين مباشرة إلى جنّات الخلد وتتحول الموسيقى إلى إثم عظيم.

وأنت، عليك أن تختار وتملأ مذكّرة جهازك، الذي يفوقك ذكاء، بالأغاني المناسبة ليسهل تحديد انتمائك وتصنيفك. هذه النظرة من زاوية واحدة وصغيرة إضافة إلى ضيق الرؤية وتصلب الأفكار هي التي قيدتنا وصرنا سجناء قالب محدد. لا أحد يكبلنا. الحقيقة أنّنا نهرب من الحرية ونلتجئ إلى سقف طائفة أو فكرة لنحتمي بها وندافع عنها. لا نحاول فهم دواخلنا ولا نركز إلا على القوالب الجاهزة التي صنعناها وأسرنا أرواحنا فيها.

أنا ممتنة جدًا لمن وقفوا ثابتين ولم تحتويهم القوالب، ولأصحاب التركيبة النادرة التي لا تقبل الانتماء والتصنيف وللباحثين عن الحرية..