ultracheck
  1. قول

قواعد وصواريخ وأنابيب غاز: خريطة الصراع التركي الإسرائيلي في سوريا

5 أغسطس 2026
التواجد التركي شمال سوريا
القوات التركية في شمال سوريا (AFP)
مهيب الرفاعي مهيب الرفاعي

شكّل سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 نقطة تحول جذرية أعادت رسم شبكة التوازنات التي حكمت علاقة تركيا وإسرائيل طوال سنوات الحرب السورية، إذ وفّر وجود النظام السابق عدوًا مشتركًا جمع الطرفين حول هدف واحد، وأتاح هامشًا واسعًا تجنبت خلاله الدولتان الاحتكاك المباشر، لأن أولويات كل منهما تركزت على الخصم ذاته أكثر من تركيزها على الطرف الآخر. أدى انهيار هذا النظام إلى فراغ سياسي وأمني سارعت القوى الإقليمية إلى ملئه، كلٌّ وفق رؤيته الخاصة؛ فافترضت أنقرة في الأسابيع الأولى أن وصول حكومة يقودها أحمد الشرع يفتح المجال أمام بناء دولة سورية جديدة ترتبط بها بعلاقات وثيقة، وتمنحها فرصة لإعادة ترتيب ملفات الحدود واللاجئين والأمن القومي، إضافة إلى تقليص نفوذ حزب العمال الكردستاني وأذرعه المسلحة داخل الأراضي السورية؛ بينما سلكت إسرائيل مسارًا مغايرًا تمامًا، إذ قرأت التغيير في دمشق بوصفه بداية مرحلة تستدعي تثبيت معادلة أمنية تحول دون ظهور قوة إقليمية منافسة، وتحركت تل أبيب بسرعة لفرض وقائع ميدانية جديدة، مستفيدة من هشاشة المرحلة الانتقالية، فوسّعت انتشارها العسكري في الجنوب، وكثّفت ضرباتها الجوية، ورفعت حضورها السياسي في الملف السوري.

تنطلق الرؤية التركية من اعتبار استقرار سوريا ووحدة مؤسساتها مصلحة مباشرة لأنقرة، توفّر عمقًا استراتيجيًا على حدودها الجنوبية، وتساعد في احتواء الجماعات الكردية المسلحة، وتفتح مجالًا لمشاريع اقتصادية إقليمية واسعة. بالمقابل، تستند الرؤية الإسرائيلية إلى تصور مقابل يقوم على إبقاء سوريا ضعيفة ومجزأة، موزّعة القوة بين أطراف محلية متعددة، بما يحول دون قيام سلطة مركزية قادرة على استضافة قوة إقليمية منافسة، أو توفير مظلة سياسية وعسكرية لتحالفات تهدد التفوق الإسرائيلي في المنطقة.

النفوذ السياسي والتصعيد الأيديولوجي

اكتسب هذا التنافس بعدًا سياسيًا وأيديولوجيًا متصاعدًا، وتحول تدريجيًا من صراع على النفوذ داخل دولة مجاورة إلى صراع على شكل النظام الإقليمي في المشرق؛ إذ ارتفع مستوى الخطاب في أنقرة بصورة لافتة، إذ وصف الرئيس رجب طيب أردوغان "الصهيونية" بأنها مشروع توسعي يهدد الأمن الإقليمي، وربط وزير الداخلية التركي تحرير القدس بمسار يبدأ بتحرير دمشق وحلب، وهو خطاب قرأته المؤسسات الإسرائيلية مؤشرًا على طموح تركي يتجاوز الساحة السورية نحو لبنان والأردن وشرق المتوسط. وأوصل هذا التصعيد الخلاف إلى مستوى قيادتي الدولتين، إذ أثار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في اتصال مع الرئيس دونالد ترامب في تموز/يوليو 2026، خطورة التصريحات التركية المتعلقة بشرعية إسرائيل، في خطوة رفعت الملف السوري إلى مستوى النقاش المباشر بين قادة الدول الكبرى.

تنطلق الرؤية التركية من اعتبار استقرار سوريا ووحدة مؤسساتها مصلحة مباشرة لأنقرة، توفّر عمقًا استراتيجيًا على حدودها الجنوبية، وتساعد في احتواء الجماعات الكردية المسلحة، وتفتح مجالًا لمشاريع اقتصادية إقليمية واسعة

امتد التنافس السياسي إلى شبكة التحالفات الإقليمية، إذ عززت تركيا تعاونها مع دول الخليج العربي، وباكستان بدرجة أقل، ضمن إطار تنسيق سياسي وأمني أوسع، تنظر إليه دوائر إسرائيلية بوصفه نواة محور إقليمي جديد، يستند إلى الوجود العسكري التركي في المنطقة، وإلى اعتماد أنقرة الكبير على واردات الغاز من الخليج العربي، وإلى التقارب في ملفات غزة وسوريا ولبنان؛ الأمر الذي يقلق تل أبيب ويدفعها إلى قطع الطريق أمام تشكيل هذا المحور.

الطاقة والممرات الاستراتيجية

يشكّل ملف الطاقة أحد أكثر أوجه التنافس ارتباطًا بالمصالح طويلة الأمد، لأن السيطرة على مسارات العبور تمنح صاحبها نفوذًا اقتصاديًا دائمًا؛ خصوصًا بعد أن تحولت سوريا، عقب سقوط الأسد، إلى حلقة مركزية في هذا التنافس بفعل موقعها الرابط بين الأناضول والمشرق وشبه الجزيرة العربية والبحر المتوسط والعراق. يكشف واقع الإمداد الطاقي القائم حاليًا في سوريا عمق التشابك والتناقض الذي تفرضه الجغرافيا على معادلة التنافس بين أنقرة وتل أبيب، إذ وقّعت الشركة الوطنية الأردنية للكهرباء والشركة السورية للبترول، في كانون الثاني/يناير 2026، اتفاقية توريد غاز طبيعي تنص على ضخ نحو أربعة ملايين متر مكعب يوميًا إلى محطات التوليد الكهربائي السورية، عبر محطة إعادة التغويز العائمة في ميناء العقبة، ثم عبر خط الغاز العربي.

لكن تحمل هذه الشحنات في تركيبتها شكوكًا حول المحتوى، بين غاز مسال مستورد من الأسواق الدولية، وكميات ربما تصل ضمن شبكة الإمداد الأردنية من حقل "ليفياثان" الإسرائيلي، وهذا الواقع يمنح إسرائيل موطئ قدم اقتصاديًا هادئًا داخل سوق الطاقة السورية، بمعزل عن أي عقد مباشر بين دمشق وتل أبيب، وبالتالي يشكّل، بالتوازي، حافزًا إضافيًا يدفع أنقرة نحو تسريع مشاريعها البديلة في سوريا، من خط الأنابيب التركي الخليجي إلى تمديد خط الغاز العربي شمالًا حتى حدودها، سعيًا منها لكسر هذا التموضع الإسرائيلي في معادلة الطاقة السورية، وترسيخ موقعها كممر بديل بين الخليج وأوروبا.

في الواقع، أحيا سقوط النظام مشاريع مجمّدة منذ سنوات، أبرزها خط أنابيب يربط الخليج العربي بتركيا عبر الأراضي السورية، إضافة إلى تمديد خط الغاز العربي شمالًا حتى الحدود التركية، بما يحوّل سوريا ممرًا رئيسيًا لنقل الغاز الخليجي نحو أوروبا، ويمنح أنقرة موقعًا محوريًا في تجارة الطاقة بين آسيا وأوروبا. يتلاقى هذا المسار مع مبادرة البحار الخمسة وعقدتها سوريا، لكنه يصطدم برؤية إسرائيلية موازية تعمل منذ سنوات على تثبيت موقع تل أبيب مركزًا إقليميًا لنقل الطاقة، مستندة إلى حقولها البحرية، وإلى شراكات متنامية مع اليونان وقبرص ومصر، وإلى مشروع الممر الاقتصادي الهندي-الأوسطي-الأوروبي المدعوم أميركيًا. وإلى غياب موانئ حقيقية على البحر المتوسط ما عدا ميناء حيفا (موانئ اللاذقية وطرطوس كانت غير مفعّلة بسبب الحرب، ومرفأ بيروت فقد قيمته بعد تفجيره عام 2020). يمتد التنافس أيضًا إلى الممرات البرية، إذ تعيد أنقرة إحياء خط سكة حديد الحجاز ضمن رؤية أشمل لممر بري يربط تركيا بالخليج، مضيفة بذلك بعدًا جديدًا للمنافسة يتجاوز نقل البضائع إلى إعادة تشكيل شبكات النقل الإقليمية.

تفرض البيئة الأمنية السورية قيودًا واقعية على هذه المشاريع، إذ تحتاج استثمارات الأنابيب فترات استقرار تمتد بين عشر سنوات وخمس عشرة سنة لاسترداد كلفتها، وتخترق المسارات المقترحة مناطق يبقى فيها نشاط لخلايا تنظيم داعش وجماعات مدعومة إيرانيًا، ويحمل تاريخ الأنابيب السورية سجلًا حافلًا بالاستهداف والتخريب، وهذا يُبقي معظم مشاريع الممرات في حيز الرؤى الاستراتيجية أكثر من تحولها إلى بنية تحتية قائمة فعلاً.

التحالفات الإقليمية والتنافس على واشنطن

يحاول كل طرف توجيه السياسة الأميركية تجاه سوريا بما يخدم رؤيته، إذ تملك واشنطن أدوات التأثير الأكثر حسمًا في ملفات العقوبات والاعتراف الدولي والتعاون العسكري، وهذا يجعل التنافس على التقرب من البيت الأبيض جزءًا أساسيًا من التنافس على دمشق. ترى دوائر إسرائيلية أن أنقرة بنت قنوات تأثير فاعلة داخل الإدارة الأميركية، عبر السفير توم باراك، والمبعوث ستيف ويتكوف، الذي تصفه تحليلات إسرائيلية بقربه من الرؤية العربية، وتحديدًا الخليجية في المنطقة. وجاء الرد الإسرائيلي عبر مسار التعاون العسكري وصفقات السلاح، إذ ضغطت تل أبيب ضد صفقة أميركية محتملة تشمل مقاتلات "إف-35"، ومحركات "إف-110 " المخصصة لبرنامج المقاتلة التركية الوطنية "كآن"، سعيًا للمحافظة على الفجوة العسكرية التي حافظت عليها إسرائيل لعقود طويلة، والحفاظ على عقيدة التفوق العسكري.

تركيا قوة إقليمية متوسطة تتقاطع مصالحها مع واشنطن في ملفات، وتتنافس معها في ملفات أخرى، وهذا التوصيف يجعل قدرة أنقرة على افتراض دعم أميركي تلقائي في مواجهتها مع إسرائيل محدودة، خصوصًا مع العلاقات الشخصية والمالية التي تربط ترامب بعواصم عدة حليفة لتركيا. وتكشف معركة الاعتراف بحكومة الشرع حدود النفوذ الإسرائيلي أيضًا، إذ حاولت تل أبيب إبطاء مسار هذا الاعتراف وتأخير رفع العقوبات ورفع اسم سوريا من قوائم الإرهاب، لكن قادت تركيا والسعودية وقطر جهدًا دبلوماسيًا واسعًا أفضى إلى تجاوز الاعتراضات الإسرائيلية والوصول إلى انفتاح دولي على الحكومة الجديدة، وهذا يؤكد امتلاك إسرائيل قدرة تأثير لا بأس بها، مقترنة بمحدودية احتكارها لهذا التأثير، بحكم تحول الساحة السورية إلى نقطة تقاطع لمصالح خليجية وتركية وأمريكية متشابكة.

التقنية العسكرية والقدرات الدفاعية

انتقل التنافس سريعًا إلى المجال العسكري، إذ تعاملت أنقرة مع الجيش السوري الجديد مدخلًا رئيسيًا لترسيخ نفوذها، ووضعت هذا التوجه في إطار رسمي عبر مذكرة تفاهم وقعتها وزارتا الدفاع في 14 آب/أغسطس 2025، شملت برامج تدريب ودعمًا ماديًا وتسليحيًا، حيث تضمنت مجموعة اتفاقيات تزويد دمشق بمركبات مدرعة وطائرات مسيّرة ومدفعية وصواريخ ومنظومات دفاع جوي، مقابل توسيع نطاق العمليات التركية ضد المجموعات الكردية المسلحة من خمسة كيلومترات إلى ثلاثين كيلومترًا من الحدود.

وتضمنت المنظومات المذكورة منظومة "حصار-أ" بمدى يقارب 16 كيلومترًا، ومنظومة "حصار-أو بلس" بمدى يصل إلى 24 كيلومترًا، ومنظومة "قورقوت" القادرة على إطلاق نحو 1100 طلقة في الدقيقة، وصاروخ "سونغور" المحمول بمدى يتراوح بين 500 متر وثمانية كيلومترات، إضافة إلى شبكات رادار قادرة على تغطية أجواء سوريا، مع إعادة تفعيل قواعد في البادية وفي الجنوب السوري.

سارعت إسرائيل إلى التعامل مع هذه التحركات تهديدًا مباشرًا، فشنت في 8 أيلول/سبتمبر 2025 غارة على مستودع في قاعدة جنوب حمص، ثم نفذت في اليوم التالي سلسلة غارات في حمص واللاذقية ومدينة تدمر، بالتزامن مع زيارة قائد القوات الجوية السورية إلى أنقرة، في توقيت فُسّر رسالة مباشرة إلى تركيا، مع تقويض معدات تركية المنشأ، بينما أكدت وزارة الدفاع التركية سلامة وحداتها المنتشرة. وامتد هذا الضغط إلى خطط إنشاء ثلاث قواعد عسكرية تركية في وسط سوريا، إذ تراجعت أنقرة عنها عقب تعرض المواقع المقترحة لضربات إسرائيلية استباقية.

يزداد القلق الإسرائيلي مع تطور الصناعات الدفاعية التركية عمومًا، إذ يدخل صاروخ "طيفون بلوك-4" مرحلة الإنتاج الكثيف بمدى يقارب 800 كيلومتر وسرعة تفوق خمسة أضعاف سرعة الصوت، وكشفت تركيا في أيار/مايو 2026 عن صاروخ "يلدريم"، الموصوف أول صاروخ تركي عابر للقارات بمدى يقارب 6000 كيلومتر، ووقّع برنامج المقاتلة "كآن" في حزيران/يونيو 2025 صفقة تصدير بقيمة عشرة مليارات دولار مع إندونيسيا لتوريد 48 مقاتلة. وتبقى تركيا مستبعدة من برنامج "إف-35 " منذ شرائها منظومة "إس-400" الروسية، فيما يحافظ الطرفان على آلية تقنية لتجنب الاحتكاك، توصلا إليها بوساطة أذربيجانية، تصفها أنقرة إجراءً تقنيًا بحتًا، مرتبطًا بتقدم ملف وقف إطلاق النار في غزة قبل أي انتقال إلى مستوى سياسي أوسع.

المجال الأمني وجنوب سوريا

يمثل جنوب سوريا أكثر ساحات التنافس حساسية، إذ يتصل مباشرة بإعادة رسم البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل؛ حيث أقامت الأخيرة، منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، تسع قواعد ونقاط عسكرية تمتد من جبل الشيخ عبر القنيطرة وصولًا إلى ريف درعا، ورافق هذا الانتشار إنشاء طرق وشبكات كهرباء ومهابط طائرات ومرابط مدرعات، في مشهد يعكس تحول الوجود الإسرائيلي إلى بنية تحتية طويلة الأمد. وتقترن هذه الخطوات برؤية إسرائيلية تدفع نحو توسيع المنطقة المنزوعة السلاح إلى ما يتجاوز خطوط فك الاشتباك لعام 1974، وهو طرح وصفه الرئيس أحمد الشرع خروجًا على التفاهمات القائمة، يمس مباشرة سيادة الدولة السورية.

احتل ملف السويداء موقعًا محوريًا، إذ تدخلت إسرائيل عسكريًا عقب أعمال عنف طائفية شهدتها مناطق الساحل والسويداء عام 2025، أسفرت، وفق تقديرات متداولة، عن مقتل نحو 1400 مدني علوي في اللاذقية خلال آذار/مارس، وأكثر من 2100 شخص، غالبيتهم من الدروز، في السويداء خلال تموز/يوليو من العام ذاته، ووصلت الضربات الإسرائيلية إلى هيئة الأركان السورية ومحيط القصر الرئاسي في دمشق. وترافق ذلك مع بناء علاقات متنامية مع فعاليات درزية، ورفع بعض المتظاهرين في السويداء أعلامًا إسرائيلية، وأعلن الشيخ الروحي حكمت الهجري، في نيسان/أبريل 2026، تشكيل "مجلس إداري لجبل باشان" وتشكيل ما يسمى "الحرس الوطني" بحكم ذاتي، واصفًا العلاقة مع دمشق بدخولها مرحلة جديدة.

من المهم القول إن مستقبل سوريا يتأثر، بصيغة أو أخرى، بثلاثة ملفات رئيسية، تشمل اندماج قوات سوريا الديمقراطية، ومستقبل السويداء والجنوب السوري عمومًا، وطبيعة العلاقة مع إسرائيل، إذ يمكن وضع الجبهة الجنوبية في مقدمة الملفات القابلة للتصعيد، مع اتساع النقاش داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية حول سيناريوهات المواجهة. ويعكس هذا السلوك نمطًا تكرر في جنوب لبنان وقطاع غزة، حيث يبدأ الانتشار تحت عنوان الضرورات الأمنية، ليتطور تدريجيًا إلى بنية عسكرية مستقرة تمنح إسرائيل عمقًا دفاعيًا إضافيًا مع بناء ورسم خطوط ملوّنة (أصفر، أخضر، أحمر).

يمثل جنوب سوريا أكثر ساحات التنافس حساسية، إذ يتصل مباشرة بإعادة رسم البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل؛ حيث أقامت الأخيرة، منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، تسع قواعد ونقاط عسكرية تمتد من جبل الشيخ عبر القنيطرة وصولًا إلى ريف درعا

تصعيد الخطاب

تكشف تصريحات وزير الطاقة والبنية التحتية إيلي كوهين، عضو المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية، وشاغل حقيبتي الخارجية والاستخبارات سابقًا، انتقال التنافس من الرسائل الضمنية إلى التحذيرات العلنية. وحذر كوهين، في تموز/يوليو 2026، من أن إقامة قواعد عسكرية تركية دائمة في سوريا ستقابلها خطوة إسرائيلية مماثلة، مصرحًا بأن إسرائيل ستقيم قواعد عندما تقيم تركيا قواعدها، في عبارة حولت مسألة القواعد العسكرية إلى معادلة ردع متبادلة معلنة. وترافقت هذه التصريحات مع تحذيرات مماثلة من وزير الدفاع إسرائيل كاتس لأردوغان مباشرة، ووصف وزير الشتات أميحاي شيكلي تركيا بملء الفراغ الذي خلفه تراجع النفوذ الإيراني، بما يعكس خطابًا إسرائيليًا منسقًا يعيد تعريف مصادر التهديد في سوريا. ويحمل موقع كوهين بعدًا إضافيًا مرتبطًا بالطاقة، إذ تحدثت تقارير عن تأخيره توقيع اتفاقية تصدير غاز أميركية الصلة انتظارًا لشروط أفضل لصالح إسرائيل، بما يعكس تشابك أدوات الطاقة والأمن في إدارة تل أبيب لهذا الملف.

على الأرض، يتجاوز هذا التنافس حدود المنافسة التقليدية على النفوذ، متجهًا نحو صراع على شكل الدولة السورية وموقعها داخل النظام الإقليمي الجديد، إذ تسعى تركيا إلى دولة مركزية مستعيدة مؤسساتها وجيشها، تؤمّن حدودها الجنوبية وتحتوي تهديد الأكراد وتفتح ممرًا اقتصاديًا نحو الخليج وأوروبا، بينما تقرأ إسرائيل الوجود العسكري التركي وشبكات الدفاع الجوي قرب دمشق وحمص وتدمر قيدًا على حريتها الجوية التاريخية، وتجد في تعدد مراكز القوة السورية هامشًا أوسع لحماية مصالحها والتدخل عند الحاجة.

وبالنهاية، يمتد التناقض إلى الاقتصاد، حيث يهدد أي ممر تركي عابر لسوريا طموح إسرائيل بوابةً بين الخليج وأوروبا، ويتكرر التنافس ذاته في واشنطن، بين نفوذ تركي عربي-أطلسي، وثقل إسرائيلي تقليدي مدعوم بشراكات يونانية قبرصية مصرية. وتشير المؤشرات الحالية إلى حرص الطرفين على إبقاء التنافس ضمن سقف يحول دون صدام مباشر، عبر آلية تجنب احتكاك بوساطة أذربيجانية ووساطات أميركية متقطعة، مع تزايد هشاشة هذا السقف مع كل توسع تركي وترسيخ إسرائيلي جديد جنوب سوريا، بما يحوّل سوريا من ساحة صراع داخلي إلى ميدان تتنافس فيه قوتان إقليميتان على صياغة النظام الإقليمي التالي لمرحلة النفوذ الإيراني.

كلمات مفتاحية
السلطة الجديدة في سوريا

سقوط نظام الأسد وتحولات الدولة: سوريا في بنية النظام الدولي

نطلق الواقعية الجديدة التي طورها كينيث والتز من اعتبار الدولة وحدة تتحرك داخل بنية دولية تتجاوز إرادة الحكومات والأفراد

بلدة بيتا

كيف يكرّس اليمين الإسرائيلي واقعًا بلا أفق سياسي في الأراضي المحتلة؟

لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا في إسرائيل اليوم هو ما إذا كان "حل الدولتين" ممكنًا، بل ما الذي يحلّ مكانه على الأرض فيما يستمر الجميع في الحديث عنه

زياد خداش وسليمان منصور

عن سليمان منصور: البراءة والمخيم والحب

سأتحدث عن صفة في شخصية الفنان الراحل سليمان منصور لا ينتبه لها أحد، أو لا يركز عليها واصفو سليمان ومحللو شخصيته ولوحاته ومكانته

صورة تعبيرية
نصوص

رسائل هاملت المتأخرة

لا وقتَ للشعرِ؛ فالذِكرياتُ تئن، في حبرٍ جليلٍ وأوراقٍ جَميلة، لا وقت للشعر، فالشعر في المنفى قليلُ الحيلة

صورة تعبيرية
تكنولوجيا

كيف توظّف تايوان "سلاح الرقائق الإلكترونية" لتعزيز نفوذها؟

تواجه تايبيه معضلة استراتيجية، فكلما نجحت في استخدام صناعة الرقائق لتعزيز علاقاتها الدولية، زادت الضغوط عليها لتوزيع هذه الصناعة عالميًا

فرنسا
مجتمع

"عزلة وفرط تنبّه".. عن المعركة النفسية والتعليمية للطلاب العرب في فرنسا

يعاني الطلاب العرب في فرنسا من انعدام اللغة والتواصل، إلا أن أعداد كبيرة منهم يتجاوزون التحديات وينجحون بالالتحاق بالجامعات الفرنسية، ومختلف مجالات العمل

أديداس
راصد

أديداس تروّج لجندي إسرائيلي مبتور الساق.. غضب واسع ودعوات للمقاطعة

تركزت الانتقادات بشكل أساسي على المفارقة التي تتمثل في إبراز تجربة جندي إسرائيلي مبتور الساق، في الوقت الذي يعاني فيه آلاف الفلسطينيين، وبينهم عدد كبير من الأطفال، من إصابات وبتر للأطراف جراء حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة