قمة مجموعة الدول السبع.. ورقة تين أخيرة

قمة مجموعة الدول السبع.. ورقة تين أخيرة

لا تنعقد آمال كبيرة على قمة الدول السبع (Getty)

يمكن وصف الأوضاع السياسة الدولية التي تنعقد فيها قمة الدول السبع ببساطة بـ"الفوضى الكاملة". في أجواء بيريتز المشمسة، وسط انبعاثات حادة للغازات الدفيئة جعلت فرنسا تعاني ولأول مرة منذ عقود ارتفاعًا كبيرًا في درجات الحرارة جعلت صيفها الأكثر سخونة على الإطلاق منذ 1947.

لا يجعل المشهد السياسي العالمي المعقد والفوضوي بالفعل المتابعين بشكل عام ينتظرون نتائج حقيقية وذات قدرة على تغيير وتبديل المشهد العالمي بسهولة من قمة الدول السبع خاصة في ظل التنسيق والتوافق الضعيف 

لكن ما ينافس سخونة الطقس هو سخونة الأجواء السياسية التي تنعقد فيها قمة الدول السبع خاصة مع المتابعين الذين يتذكرون كيف انتهت القمة السابقة لنفس دول المجموعة، بعد أن صب ترامب جام غضبه على رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو وترجم غضبه برفض التوقيع على البيان النهائي للمجموعة.

اقرأ/ي أيضًا: ماذا وراء انفتاح الصين على رؤوس الأموال الغربية؟

"ورقة تين يائسة"

هذا العام أيضًا من المقرر أن تنتهي قمة مجموعة الدول السبع، بدون بيان مشترك لأول مرة في تاريخها البالغ 44 عامًا، بعد أن قرر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التخلي عن التقليد معربًا عن ذلك بتصريح نقلته السي إن بي سي الأمريكية: "إن هناك أزمة ديمقراطية عميقة للغاية". بعض التحليلات السياسية ترى في ذلك محاولة لتشتيت الانتباه عن الأزمة السياسية العميقة بين مجموعة الدول الأكثر غنىً في العالم.

تضم القمة السنوية زعماء بريطانيا وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والولايات المتحدة. وستعقد في مدينة بياريتز الساحلية في جنوب غرب فرنسا من السبت إلى الإثنين. أحد المحللين السياسيين الأوروبيين قال للقناة الأمريكية ما معناه أن أي ورقة نهائية يتم توقيعها دون اتفاق حقيقي على القضايا الكبرى ستعد بمثابة "ورقة تين يائسة"، أي لا قيمة حقيقية لها على الأرض.

هل سيفسد ترامب هذه القمة أيضًا؟

إن أكبر سؤال يمكن أن يطغى على قمة مجموعة السبع في نهاية هذا الأسبوع في فرنسا هو ما إذا كان رئيس الولايات المتحدة سيفسد الأمور كما فعل في المرة الماضية. ترامب صاحب المزاج السياسي العاصف الذي ألغى قبل عدة أيام زيارته للدنمارك بسبب رفض الأخيرة بيع جزيرة جرينلاند، سياسي لا يمكن التنبؤ به لكن يمكن معرفة العواقب السيئة التي قد تنتج عنها تصرفاته السياسية التي توصف بالطيش في أحيان كثيرة.

في الشهر الماضي على سبيل المثال، انتقد ما أسماه بـ"حماقة" ماكرون الرئيس الفرنسي بسبب ضريبة الخدمات الرقمية التي فرضها على الشركات الأمريكية مثل فيسبوك، وتعهد بدوره بفرض رسوم جمركية على النبيذ الفرنسي.

إجراء جوهري مماثل!

خططت فرنسا لفرض ضريبة بنسبة 3% على غوغل وأمازون وفيسبوك وأبل، وفي  رد غاضبٍ من الرئيس الأمريكي، أعلن الأسبوع الماضي إجراءً مماثلًا ردًا على تلك الضريبة.

ووصفت وزارة الزراعة الفرنسية تهديد ترامب بـ"المغفل تمامًا" كما نقلت الغارديان البريطانية، وبينما تتمسك  فرنسا بضريبة تصفها بالعادلة على الشركات الأمريكية العملاقة، يتحدث ترامب عن أنه لا يفضل النبيذ الفرنسي أصلًا.

الشد والجذب السياسي الجانبي لم يبتعد عن ملفات ذات أهمية جوهرية، كالمناخ والتجارة العالمية، التي لا يبدو أنه سيكون هناك اتفاق كبير عليها.

الولايات المتحدة وبروكسل

إن مجموعة السبع، وهي مجموعة من الديمقراطيات الغنية التي تضم بريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة وإيطاليا واليابان وكندا، هي بالتحديد نوع من التجمعات المعولمة التي يمقتها ترامب ومؤيدوه، وهي في حد ذاتها ضد ما يمكن تسميته "بفلسفة ترامب" السياسية الأولى التي ترفض الاتفاقات السياسية الدولية، والتي يعتقد أنها تقف عائقًا أمام السيادة الوطنية وحقوق دافعي الضرائب الأمريكيين وغيرها مما يذكره في إطار انسحابه من اتفاقيات عالمية هامة.

علاوة على ذلك، فإن التغييرات الحادة التي قام بها الرئيس الأمريكي في السياسة الخارجية للولايات المتحدة قد فتحت بوابات من الجحيم مع أوروبا حول تغير المناخ والعلاقات مع إيران وملفات التجارة الحرة، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الذي يشغل بال الزعماء الآخرين.

كما أن العديد من الزعماء الأوروبيين باتوا يرون أن ترامب في حربه التجارية مع الصين واستخدام التعريفات الجمركية كعامل مساهم في مشاكلهم، يجعل الاتفاق على أي خطوات مشتركة أمرًا بعيد المنال.

روسيا من جديد!

يهدد ترامب بتقسيم مجموعة السبع من جديد، بعد دعواته للمطالبة برجوع روسيا إلى المجموعة بعد أن طُردت منها بسبب ضمها لشبه جزيرة القرم في عام 2014. وقبل عدة أيام صرح ترامب حسب ما نقلته وكالة فرانس 24، قائلًا "إنني أعتقد أنه من الأنسب إشراك روسيا. لأن الكثير من الأشياء التي نتحدث عنها تتعلق بروسيا".

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يطرح فيها ترامب فكرة عودة روسيا مع مجموعة السبع. ففي حزيران/يونيو من العام الماضي اقترح أن تحضر روسيا القمة، بيد أن متحدثًا باسم الكرملين وجد أن موسكو تركز على أشكال أخرى من التعاون واللقاءات. أما بوتين فقال في وقت لاحق إن روسيا لم تختر مجموعة السبع وإنها ستسعى لاستضافة أعضائها في موسكو، أي إن روسيا ستختار قائمة ضيوفها بنفسها.

ملفات جوهرية أخرى

قد يكون هناك مجال آخر للخلاف بشأن تغير المناخ، والذي وصفه ترامب بأنه خدعة صينية. لقد خلق الرئيس تصدعًا مع أوروبا بالانسحاب من اتفاق باريس للمناخ، وهي أزمة كُبرى تضاف إلى أزمات أخرى مع بروكسل من بينها غضب زعماء مثل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بسبب دعمه الصريح لبريكسيت وعدائه المفتوح للاتحاد الأوروبي. في سياق يعيش فيه الزعماء الأوروبيون كابوس خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون صفقة، ما يعني أنه قد تعم فوضى شاملة في موانئهم ومطاراتهم، هذا فضلًا عن الفوضى اللاحقة باقتصاداتهم التي تعاني الركود بالفعل.

جاكسون هول أو بياريتز؟

من الواضح أن الأسواق العالمية تولي اهتمامًا أكبر لاجتماع جاكسون هول في ولاية وايومينغ الأمريكية حيث يناقش كبار محافظي البنوك المركزية في العالم تخفيضات أسعار الفائدة وغيرها من التدابير المضادة للركود في بعض الأوساق العالمية هذا الأسبوع.

ويبحث رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي المزيد من الحوافز للاقتصادات الأوروبية التي تتباطأ بشكل خطير. المشكلة الأكثر أهمية هي أن محافظي البنوك المركزية في جاكسون هول الذين  يبدون وكأنهم يحاولون إنقاذ الاقتصاد العالمي ربما يكونون في حالة حرب مع السياسيين في بياريتز الذين يبدو أنهم لا يعزفون ذات النغمات الحذرة كما تقول صحيفة فورين بولسي، وإذا استمرت الأمور على هذا المنوال، فقد يفوز الساسة، مما يؤدي إلى حدوث ركود عالمي، وذلك ببساطة لأن البنوك المركزية أصبحت أكثر نضوبًا في عصر معدلات الفائدة الهائلة. بمعنى أن التنسيق بين ما يخض الاقتصاد العالمي في جاكسون هول وبين الساسة أصحاب الأجندات المتضاربة لا يبدو كبيرًا.

اقرأ/ي أيضًا: فضائح رأس المال.. شركات عالمية تتجسس على جماعات ونشطاء حقوقيين

فالساسة في بياريتز الذين يتمتعون بالرقابة على ما يقرب من 50 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وميزانياتهم، غير قادرين على إيجاد صيغة تعاون مشترك. وكانت البداية الحقيقة لكل ذلك من خلال "حرب ترامب التجارية"، متعددة الجوانب والأطراف.

ما ينافس سخونة الطقس هو سخونة الأجواء السياسية التي تنعقد فيها قمة الدول السبع خاصة مع المتابعين الذين يتذكرون كيف انتهت القمة السابقة لنفس دول المجموعة

المشهد السياسي العالمي المعقد والفوضوي بالفعل لا يجعل المتابعين بشكل عام ينتظرون نتائج حقيقية وذات قدرة على تغيير وتبديل المشهد العالمي بسهولة خاصة في ظل التنسيق والتوافق الضعيف بين المجموعة، بسبب سياسيات ترامب من ناحية، وما ينتج عنها من ضعف كبير في التنسيق الجماعي من ناحية أخرى.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أمريكا "الحمائية" ونسخة الصين من الأسواق المفتوحة.. العولمة إذ ترتبك

هل هذا عصر انتفاض الغرب ضد العولمة؟