قمة بريكس في اختبار الشرق الأوسط.. حرب تتسع وتكتل يواجه تناقضاته
12 سبتمبر 2026
تدخل الحرب الأميركية-الإيرانية مرحلة أكثر اتساعًا، مع انتقال تداعيات المواجهة إلى الخليج والممرات البحرية ومنشآت الطاقة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انزلاق الشرق الأوسط إلى تصعيد أوسع. ولم تعد آثار الحرب محصورة في الضربات المتبادلة بين واشنطن وطهران، إذ باتت دول المنطقة أمام تهديدات مباشرة، فيما يثير اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز قلقًا بشأن إمدادات الطاقة والتجارة العالمية.
وفي هذا المشهد المتوتر، تنعقد قمة بريكس في نيودلهي يومي 12 و13 سبتمبر/أيلول 2026، لتجد المجموعة نفسها أمام أزمة تمس عددًا من أعضائها بشكل مباشر. فإيران عضو في بريكس، فيما تقف الإمارات، العضو الآخر في التكتل، في موقع مختلف من الحرب باعتبارها حليفة للولايات المتحدة، وقد تعرضت لهجمات إيرانية خلال الصراع.
وتضع الحرب قادة بريكس أمام سؤال يتجاوز إصدار البيانات: هل يستطيع التكتل، الذي يسعى إلى تقديم نفسه قوة مؤثرة في النظام الدولي، أن يلعب دورًا في احتواء أزمة تضرب أمن الشرق الأوسط والطاقة والملاحة، رغم اختلاف مصالح أعضائه ومواقفهم من الصراع؟
تمكن قادة بريكس في اليوم الأول من القمة من اعتماد "إعلان نيودلهي" بالإجماع، معربين عن "قلق عميق" إزاء تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وداعين إلى "أقصى درجات ضبط النفس"
الحرب في صلب قمة بريكس
فرضت الحرب الأميركية-الإيرانية نفسها على قمة بريكس في نيودلهي، في وقت استؤنفت فيه الضربات المتبادلة بين واشنطن وطهران بعد هدنة استمرت معظم آب/أغسطس، بينما امتدت تداعيات المواجهة إلى الخليج والملاحة والطاقة. وفي ظل هذا التصعيد، وجدت بريكس نفسها أمام اختبار صعب، خصوصًا أن المجموعة تضم إيران، إلى جانب الإمارات الحليفة للولايات المتحدة، ما جعل التوصل إلى موقف مشترك أكثر تعقيدًا.
ورغم هذه التباينات، تمكن قادة بريكس في اليوم الأول من القمة من اعتماد "إعلان نيودلهي" بالإجماع، معربين عن "قلق عميق" إزاء تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وداعين إلى "أقصى درجات ضبط النفس" وتجنب أي خطوات من شأنها زيادة التصعيد. كما جددوا التزامهم بحل النزاعات الدولية بالوسائل السلمية، عبر الحوار والتشاور والدبلوماسية، مع التأكيد على احترام المواقف الوطنية المختلفة لأعضاء المجموعة.
ويكتسب هذا التوافق أهمية خاصة بالنسبة إلى بريكس، بعدما كشفت الحرب حجم التباين داخل المجموعة؛ إذ فشل وزراء خارجيتها في أيار/مايو الماضي في إصدار بيان مشترك على خلفية الخلافات المرتبطة بالحرب. أما في قمة نيودلهي، فنجحت المجموعة في تجاوز هذه العقبة، وإن جاء موقفها بصياغة تركز على التهدئة والدبلوماسية بدل اتخاذ موقف مباشر من أطراف الحرب.
إيران والإمارات.. تناقض داخل التكتل
يكشف حضور إيران والإمارات داخل بريكس جانبًا من التعقيدات التي تواجهها المجموعة في التعامل مع الحرب. فالدولتان، رغم عضويتهما في التكتل، وجدتا نفسيهما في موقعين متباينين مع تصاعد المواجهة؛ إيران في قلب الحرب مع الولايات المتحدة، والإمارات، الحليفة لواشنطن، تعرضت لهجمات إيرانية خلال الصراع.
وعلى هامش القمة، التقى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد، في لقاء تناول قضايا إقليمية ودولية، بينها خفض التصعيد والاستقرار والسلام والتنمية في المنطقة. ولم تُعلن تفاصيل عن نتائج اللقاء، لكنه جاء في وقت تحاول فيه المجموعة تجاوز الانقسام بين عضويها بشأن الحرب.
وتكتسب هذه التطورات أهمية أكبر في ضوء ما حدث في أيار/مايو، عندما فشل وزراء خارجية بريكس في إصدار بيان مشترك بعد اجتماعهم في نيودلهي، وسط خلافات بين إيران والإمارات بشأن الحرب. لذلك، فإن التوافق الذي تحقق في قمة سبتمبر/أيلول يمثل اختبارًا لقدرة بريكس على الحفاظ على موقف مشترك، رغم التباين الحاد بين بعض أعضائها.
موقف القمة بقي عند حدود الدعوة إلى التهدئة والحل الدبلوماسي، من دون أن تتبنى المجموعة موقفًا مباشرًا من أطراف الحرب
من الدعوة إلى التهدئة إلى اختبار التأثير
لم تكتفِ الصين بالدعوة إلى خفض التصعيد، إذ دعا الرئيس الصيني شي جين بينغ بريكس إلى الاضطلاع بدور في الدفع نحو السلام في الشرق الأوسط، مؤكدًا استعداد بلاده للمساهمة في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة. وجاء ذلك فيما تدفع الحرب كلفة متزايدة على دول المنطقة، من أمن الخليج إلى إمدادات الطاقة وحركة الملاحة.
لكن موقف القمة بقي عند حدود الدعوة إلى التهدئة والحل الدبلوماسي، من دون أن تتبنى المجموعة موقفًا مباشرًا من أطراف الحرب. ويعكس ذلك صعوبة الانتقال من التوافق على مبادئ عامة إلى دور سياسي مؤثر، خصوصًا مع اختلاف مواقف أعضاء بريكس ومصالحهم تجاه الصراع.
وتكتسب هذه النقطة أهمية أكبر بالنظر إلى ما حدث في أيار/مايو، عندما فشل وزراء خارجية بريكس في إصدار بيان مشترك بسبب الخلافات بين إيران والإمارات. أما في قمة نيودلهي، فنجحت المجموعة في تجاوز الانقسام والوصول إلى إعلان مشترك، لكن السؤال يبقى: هل يستطيع هذا التوافق أن يتحول إلى تأثير فعلي في مسار الحرب، أم أنه سيبقى في إطار الدعوة إلى التهدئة؟