ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

قلق في القاهرة من هرجيسا: إسرائيل تقترب من جنوب البحر الأحمر

17 يونيو 2026
ارض الصومال
رئيس إقليم أرض الصومال خلال استقباله من قبل الرئيس الإسرائيلي (منصة إكس)
عماد عنان عماد عنان

شكّلت زيارة رئيس إقليم "أرض الصومال" الانفصالي، عبد الرحمن محمد عبد الله المعروف بـ"عِرّو"، إلى الأراضي المحتلة، يوم الأحد 14 حزيران/يونيو الجاري، محطة فارقة في مسار التقارب بين الجانبين، ونقطة انتقال من الاتصالات المحدودة إلى مستوى أكثر تقدمًا من التنسيق السياسي وربما الأمني.

فالزيارة، التي جرى تقديمها بوصفها "تاريخية"، لم تأتِ في سياق دبلوماسي طبيعي، بل تزامنت مع تصاعد التحذيرات العربية والإقليمية من تداعيات هذا الانفتاح على أمن القرن الأفريقي واستقراره، لا سيما في ظل ما تعلنه تل أبيب من أهداف تتصل بتوسيع حضورها في البحر الأحمر وخليج عدن، عبر بوابة إقليم لم يحظَ بأي اعتراف دولي منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991.

وفي القاهرة، لم تمر الزيارة باعتبارها تفصيلًا بروتوكوليًا تقليديًا، بل جرى التعامل معها كإشارة مقلقة إلى احتمال فتح الإقليم الانفصالي المجال أمام إسرائيل لترسيخ موطئ قدم جديد في واحدة من أكثر المناطق حساسية في المجال الحيوي المصري.

ورغم العلاقات القائمة بين مصر وإسرائيل، والتي لم تصل بعد لمستوى التوتر المباشر، فإن ذلك لا يلغي حالة التوجس المصري من محاولات إسرائيلية متدرجة لإعادة هندسة التوازنات في القرن الأفريقي، بما يخدم مصالح تل أبيب الأمنية والبحرية، ويمكّنها من الاقتراب أكثر من ممرات استراتيجية ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر، وخليج عدن، وباب المندب.. فمما تخاف القاهرة؟

في القاهرة، لم تُعامل الزيارة كإجراء بروتوكولي، بل كإشارة مقلقة لاحتمال فتح أرض الصومال المجال أمام إسرائيل لترسيخ موطئ قدم جديد في منطقة شديدة الحساسية قرب المجال الحيوي المصري

هرولة نحو التقارب

تأتي زيارة "عِرّو"، إلى القدس والأراضي المحتلة، بوصفها تتويجًا لمسار متسارع من التقارب بين الجانبين خلال الأشهر الأخيرة، انتقل من مستوى الاتصالات السياسية إلى خطوات دبلوماسية وأمنية أكثر وضوحًا.

وقد بدأت ملامح هذا التحول أواخر كانون الأول/ديسمبر الماضي، حين أقدم الكيان الإسرائيلي على الاعترافبالإقليم الانفصالي، ليصبح أول دولة عضو في الأمم المتحدة تعلن اعترافها بـ"أرض الصومال"، في خطوة مثّلت لحظة مفصلية في تاريخ الإقليم، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات بين الطرفين.

وسرعان ما تتابعت الخطوات المعززة لهذا التقارب؛ فبعد أربعة أشهر فقط من الاعتراف الإسرائيلي، جرى تبادل تسمية السفراء في نيسان/أبريل، قبل أن يُعلَن في أيار/مايو الماضي عن قرب افتتاح السفارتين في كل من تل أبيب وهرجيسا.

وكانت تل أبيب قد عينت مايكل لوتم أول سفير لها لدى "أرض الصومال" في نيسان/أبريل الماضي، وذلك ردًا على تعيين الإقليم الانفصالي محمد حاجي سفيرًا له لدى الكيان المحتل في شباط/فبراير من العام نفسه، بالتوازي مع ترتيبات متبادلة لإطلاق التمثيل الدبلوماسي الرسمي بين الجانبين.

غير أن مسار التقارب لم يتوقف عند البعد السياسي والدبلوماسي فحسب، بل امتد إلى المجالين العسكري والأمني، بعدما أنهى نحو 50 ضابطًا من القوات الخاصة التابعة لـ"أرض الصومال" تدريباتهم داخل جيش الاحتلال، قبل عودتهم إلى الإقليم لمباشرة مهامهم هناك.

وتكشف هذه التطورات أن العلاقة بين الطرفين لم تعد مجرد خطوات رمزية مرتبطة بالاعتراف وتبادل التمثيل، بل أخذت تتجه نحو شراكة عملية متسارعة، ذات أبعاد أمنية واستراتيجية، في منطقة شديدة الحساسية ترتبط مباشرة بأمن القرن الأفريقي، وخليج عدن، وباب المندب، وجنوب البحر الأحمر.

"أرض الصومال" في المقاربة المصرية

لا تبدو "أرض الصومال" في الرؤية المصرية مجرد إقليم انفصالي يسعى إلى انتزاع اعتراف دولي بعيدًا عن الدولة الصومالية، ولا تقتصر أهميتها بالنسبة للقاهرة على حرصها التقليدي على وحدة بلد عربي أفريقي يقع في عمقها الجنوبي؛ بل إن جوهر القلق المصري يرتبط، بالأساس، بالموقع الجيوسياسي واللوجستي لهذا الإقليم، وما يمثله من وزن مباشر في معادلات الأمن البحري في القرن الأفريقي وجنوب البحر الأحمر.

فـ"أرض الصومال" تتمتع بموقع بالغ الحساسية شمالي الصومال، وتشرف على ميناء بربرة المطل على خليج عدن، والقريب من باب المندب، المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ومن هذه الزاوية، تنظر القاهرة إلى أي اضطراب في هذا الممر بوصفه تطورًا قابلًا للانعكاس المباشر على قناة السويس، وحركة الملاحة، وتكاليف التأمين، ومسارات التجارة الدولية.

وعليه، فإن الاستقرار في تلك المنطقة لا يمثل بالنسبة لمصر مجرد أولوية إقليمية، بل يندرج ضمن حسابات أمنها القومي بعيدة المدى، بالنظر إلى الارتباط الوثيق بين أمن باب المندب واستقرار البحر الأحمر من جهة، ومكانة قناة السويس ودورها في التجارة العالمية من جهة أخرى.

ولا تنفصل أهمية أرض الصومال عن أهمية الصومال عمومًا في معادلة الاستقرار بالقرن الأفريقي، وهي المنطقة التي تتعامل معها القاهرة باعتبارها امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، حيث تتقاطع فيها المصالح المصرية المائية والبحرية والملاحية والأمنية، ومن ثم، فإن أي خلل في توازنات هذه الساحة لا يبقى محصورًا داخل حدودها الجغرافية، بل يمكن أن يرتد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على الداخل المصري ومجالاته الحيوية.

ماذا تريد إسرائيل من "أرض الصومال"؟

تضع تل أبيب، في نهاية مسار تقاربها المتسارع مع "أرض الصومال"، حزمة أهداف استراتيجية تراها كافية لتبرير المغامرة في منطقة شديدة الحساسية، رغم ما قد تثيره هذه التحركات من رفض عربي وإقليمي يزيد من عزلتها السياسية.

وفي مقدمة تلك الأهداف، تثبيت موطئ قدم قريب من باب المندب، أحد أخطر نقاط الاختناق البحري في العالم، لما يمثله من صلة مباشرة بأمن إسرائيل البحري، وميناء إيلات، وخطوط التجارة والطاقة، وقد تضاعفت أهمية هذا الممر بعد حرب غزة وتصاعد تهديدات الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر، بما حوّله إلى ورقة ضغط في يد المحور الإيراني.

ومن ثم تبدو "أرض الصومال" في الحسابات الإسرائيلية منصة محتملة للرصد والمتابعة، وبناء عمق استخباري وسياسي على الضفة الإفريقية المقابلة لليمن، فضلًا عن استثمار موقع ميناء بربرة المطل على خليج عدن، والقابل للتحول إلى نقطة ربط بين الخليج والقرن الإفريقي والبحر الأحمر.

ولا ينفصل هذا الحضور عن رغبة تل أبيب في توسيع شبكة نفوذها داخل المساحات اللوجستية الحساسة خارج المجال العربي التقليدي، من خلال بوابات إفريقية كـ"أرض الصومال" وإثيوبيا وجنوب السودان، بما تحمله من مواقع جيوسياسية وثروات وفرص استثمارية وممرات مؤثرة في التجارة العالمية.

وفي ذات السياق تسعى إلى توظيف اعترافها بالإقليم كورقة ضغط مزدوجة، على "أرض الصومال" نفسها، التي تبدو مستعدة لتقديم تنازلات سياسية وأمنية واقتصادية مقابل الاعتراف، وعلى القوى الإقليمية المحيطة، وفي مقدمتها مصر وتركيا وبعض دول الخليج، التي ترى في القرن الإفريقي وباب المندب مجالًا حساسًا لا يحتمل العبث الإسرائيلي.

وفي المحصلة، تبعث إسرائيل برسالة إلى الخصوم والحلفاء معًا، مفادها أنها قادرة على الوصول إلى مناطق تمس مصالحهم الحيوية، وأنها تريد فرض نفسها طرفًا حاضرًا في معادلة أمن البحر الأحمر وخليج عدن، وهي الرسالة التي يبدو أن الجميع قرأها جيدًا.

ما الذي يقلق القاهرة؟

وفق هذه المؤشرات، لا يبدو ما يقلق القاهرة هو التقارب الدبلوماسي بين إقليم انفصالي وتل أبيب في حد ذاته، بقدر ما يثيره هذا التقارب من تداعيات محتملة على خريطة النفوذ في الصومال والقرن الأفريقي والبحر الأحمر.

فالقاهرة تنظر إلى المسألة من زاوية أبعد من افتتاح سفارات أو تبادل سفراء، إذ تخشى أن يتحول الحضور الإسرائيلي في "أرض الصومال" إلى تفاهمات استخباراتية وترتيبات أمنية ولوجستية قرب ميناء بربرة، بما يمنح إسرائيل نقطة ارتكاز إضافية في منطقة شديدة الحساسية، ويفتح الباب أمام تطويق أوسع للمجال الحيوي المصري في البحر الأحمر.

ومن هذا المنظور، تبدو إسرائيل حاضرة بالفعل في شمال البحر الأحمر عبر إيلات والعقبة، فضلًا عن شبكة علاقات مع دول مطلة على البحر الأحمر أو قريبة منه، أما في حال تعاظم نفوذها في "أرض الصومال"، فإنها ستكون قد عززت حضورها عند الطرف الجنوبي للممر، بما يمنحها قدرة أكبر على الرصد والمراقبة وبناء التحالفات حول طرق التجارة والملاحة، وهذا تطور لا ينعكس على مصر وحدها، بل يطال دول المنطقة كافة، نظرًا لما يمثله البحر الأحمر وباب المندب من شريان حيوي للتجارة والطاقة والأمن البحري.

وتبرز قناة السويس في قلب هذه المخاوف المصرية؛ إذ إن أي نفوذ إسرائيلي قرب باب المندب قد يتحول إلى ورقة ضغط غير مباشرة على أحد أهم مصادر القوة الاستراتيجية والاقتصادية لمصر، ومن هنا، لا تريد القاهرة أن تصبح حركة الملاحة بين خليج عدن والبحر الأحمر رهينة لتوازنات إسرائيلية أو خليجية أو إثيوبية أو صومالية، أو أن تتشكل معادلات جديدة تقلص هامش الحركة المصري في منطقة ترتبط مباشرة بمكانة قناة السويس ودورها في التجارة العالمية.

ولا تنفصل هذه الحسابات عن ملف سد النهضة والعلاقة المتوترة مع إثيوبيا؛ فـ"أرض الصومال" تمثل بالنسبة لأديس أبابا منفذًا بحريًا محتملًا طالما سعت إليه لتعويض افتقارها إلى الإطلالة المباشرة على البحر، ومع تعميق العلاقات بين تل أبيب وهرجيسا، تخشى القاهرة أن تسهم إسرائيل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تمهيد الطريق أمام إثيوبيا للحصول على موطئ قدم بحري، بما يعزز أوراقها في معادلة النفوذ مع مصر، ويمنحها هامش مناورة أوسع في ملفات حساسة، وفي مقدمتها سد النهضة.

ثم يأتي القرن الأفريقي، في صورته الأوسع، بوصفه مصدرًا متزايدًا للقلق المصري، مع احتمال تحوله إلى ساحة مفتوحة لتزاحم اللاعبين والأجندات، إسرائيل، وإثيوبيا، وحلفاء إقليميون، وكيانات انفصالية تبحث عن الاعتراف والشرعية، وفي حال تلاقت مصالح هذه الأطراف، ولو بصورة غير معلنة، فقد تجد القاهرة نفسها أمام محور نفوذ جديد يتقاطع مع مصالحها المائية والبحرية والملاحية والأمنية.

ومن هنا جاءت التحركات الدبلوماسية المصرية والعربية لمحاولة كبح هذا الانفتاح الإسرائيلي على "أرض الصومال"، ليبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح القاهرة، ومعها القوى العربية والإقليمية المتوجسة من إعادة تشكيل توازنات القرن الأفريقي والبحر الأحمر، في وقف هذا المسار قبل أن يتحول إلى واقع استراتيجي يصعب التراجع عنه؟

كلمات مفتاحية
دبابة تابعة للقوات العراقية

جرف الصخر تعود إلى الواجهة.. هل تنجح الحكومة العراقية في إعادة النازحين؟

يعود ملف جرف الصخر إلى الواجهة مع تحرك حكومي لإعادة النازحين واستعادة مؤسسات الدولة السيطرة على المنطقة

تحتفل حكومة طالبان بمرور خمس سنوات على حكمها لأفغانستان

خمس سنوات على حكم طالبان لأفغانستان.. كيف تبدو البلاد اليوم؟

بعد خمس سنوات على عودة طالبان إلى السلطة في أفغانستان تشهد البلاد تحسنًا نسبيًا في الأمن مقابل قيود واسعة على النساء والفتيات

بلدة أنصار

إسرائيل تصعّد جنوب لبنان.. شهداء وغارات وتقدم ميداني

صعّد جيش الاحتلال الإسرائيلي، منذ ساعات فجر السبت، اعتداءاته على جنوب لبنان

نساء يبحثن بين أنقاض قرية دمرها زلزال المغرب
علوم

من المغرب إلى المشرق.. دول عربية تقع على خطوط الخطر الزلزالي

العالم العربي ليس بمنأى عن الخطر أصلًا. فبحسب تقديرات إقليمية، يعيش أكثر من 30% من سكان المنطقة العربية في مناطق ذات خطر زلزالي متوسط أو مرتفع

كرة القدم
رياضة

حملات محفورة في الذاكرة: أفضل الحملات الإعلانية في كرة القدم

تسعى هذه الحملات إلى جمع عشاق كرة القدم حول العلامة التجارية نفسها، لا حول منتج واحد بعينه

زلزال هايتي
الترا لايت

أعنف 10 زلازل في أميركا اللاتينية.. كوارث حصدت مئات الآلاف

تكتسب هذه القائمة أهمية إضافية مع تعرض المنطقة في 2026 لهزات مدمرة، بينها الزلازل التي ضربت فنزويلا وكولومبيا

صورة تعبيرية
تكنولوجيا

واشنطن تضغط على حلفائها للاختيار بينها وبين بكين في سباق الذكاء الاصطناعي

تنظر واشنطن إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أكثر من مجرد قطاع اقتصادي واعد، إذ يمكن لقدراته المتسارعة أن تؤثر في الأمن القومي والتفوق العسكري والاقتصادي