"قطارات تحت الحراسة المشدّدة".. أن تعرف نفسك بالموت

غرافيتي بوهوميل هرابال في براغ

يبدأ الكاتب والروائي التشيكيّ بوهوميل هرابال (1917-1997) روايته "قطارات تحت الحراسة المشدّدة" الصادرة بطبعة جديدة عن (منشورات المتوسّط/ دار الفارابي، 2017) ترجمة الراحل بسّام حجّار؛ بحادثة إسقاط طائرة حربية ألمانية بنيران طائرة أخرى مُعادية. تبدأ الرواية بحدثٍ كهذا للإفصاح عن طبيعة الزمن المُعاش في مدينة براغ وعموم البلاد.

رواية "قطارات تحت الحراسة المشدّدة" ليست رواية حرب، وإن بدت، عنوانًا ومضمونًا، كذلك

الراوي نفسه يُفصح في السطور الأولى من العمل بأنّ الألمان فقدوا السيطرة على الأجواء في سماء التشيك. ومع الأخذ بالاعتبار أنّ الحرب قائمة، تنعكس هذه المتغيّرات الميدانية على الأرض، وتترك بالضرورة أثرًا على البشر الواقعين تحت وطأة احتلال ثقيل يكاد يكبّل الهواء بحدّ ذاته.

اقرأ/ي أيضًا: 4 روايات عربية من الممكن أن تصبح أفلامًا

سقوط الطائرة الألمانية إشارة صريحة إلى وجود حرب في الأجواء، لكنّها لا تكاد تظهر في العمل، ولا نراها إلّا في استعاداتٍ أو أحداث قليلة وسريعة الانقضاء، تُشير إليها ولا تتناولها بشكلٍ مباشر. انصراف هرابال عن الحرب يأتي بموازاة انشغاله في تفاصيل أخرى تستحق تركيزًا أكبر من الحرب، واشتغالًا أكثر دقّة أيضًا، ونوعًا من التأنّي في الكتابة والتصوير. تفاصيل تخاطب القرّاء، وتقول بأنّ "قطارات تحت الحراسة المشدّدة" ليست رواية حرب، وإن بدت، عنوانًا ومضمونًا، كذلك. وإنّما سيرة مكان، تُسرد أو تُحكى من خلال تقاطعاتٍ أو لمحات سريعة لدرجة أنّها لا تكاد تُفصح عن حدثٍ أو خبر إلّا بأقلّ الكلمات والأوصاف الممكنة، في مشاهد بطيئة أو تكاد تكون ثابتة، تُمحور أحداث العمل ضمن محطّة قطارات قديمة في براغ، تعبرها قطارات عسكرية ألمانية تحت حراسة مشدّدة، وتكون مُحمّلة بالمؤن والذخيرة للجنود على الجبهات مع السوفييت.

المحطّة في الرواية ليست ذلك المكان الرحب الذي من الممكن أن تدور فيه أحداث كثيرة، ضمن ما يُقارب 113 صفحة فقط، لا سيما وأنّنا نتحدّث عن مشاهد روائية تسير ببطء، وبأحداثٍ ثابتة تقريبًا: مجيء قطار ومغادرة آخر، والتفاصيل التي ترافق حوادث كهذه. لن تكون هناك أحداث كثيرة يقع عليها قرّاء العمل بالتالي. والأحداث القليلة لن تُغادر بدورِها المحطّة، ولن تخرج مجمل تفاصيلها عن العاملين فيها: مدير المحطّة، ميلوش، بطل الرواية، والسيد هوبيكا. دون أن يخلو الأمر من استعاداتٍ تستحضر شخصياتٍ تعدّ على أصابع الكف الواحدة، ولا تلعب أي دور محوريّ أو مؤثّر في العمل، أي أنّها لا تخرج عن كونها جزءً من ذكرياتٍ سابقة.

في ضوء ذلك، احتكار محطّة القطارات لمجمل أحداث الرواية، وثبات فكرة أنّ "قطارات تحت الحراسة المشدّدة" هي رواية مكان، والمكان قد يكون المحطّة بعينها، يراودنا كقرّاء لعمل هرابال هذا أنّ الروائي التشيكيّ وظّف المحطّة لتكون، بمجرى تفاصيلها اليومية، صورة مماثلة للعاصمة التشيكية. أو ربّما مساحة لتصوير واقع المدينة من خلال مكانٍ يتفوّق عليها لجهة الخوف، وحذر العاملين فيها من الجنود الألمان مقارنةً بحذر السكّان منهم. هكذا، ومن خلال التدقيق في الأحداث التي تجري في محطّة القطارات، يصير ربّما من السهل علينا كقرّاء أن نتخيّل كيف يبدو واقع الحياة اليومية في براغ، خارج المحطّة.

بوهوميل هرابال، صاحب رواية "عزلة صاخبة جدًا"، كتب نصًّا روائيًا جاء بجملةٍ من التساؤلات العبثية، والانفعالات الحسّية، رغم الهدوء الشديد الذي يظهرهُ ميلوش، بطل العمل. هذا الأخير، أي ميلوش، والذي أوكل إليه هرابال مهمّة السرد، لا نكاد نعرف عنه إلا تفاصيل قليلة جدًا، من الممكن أن تُشكّل عندنا انطباعًا كافيًا عن سلوكه. نعرف عنه أنّه في العشرينات من العمر، ويعمل متدرّبًا في محطّة قطارات المدينة، ويُعاني من عقدة جنسية يتبدّى لنا أنّ الحكاية تبدأ وتُبنى منها. نعرف أيضًا أنّه حاول الانتحار من خلال تقطيع شرايين معصميه، بعد أن ذبل كزنبقة، في إشارة إلى ضعفه الجنسيّ، في اللقاء الأوّل الذي جمعهُ بماشا، الفتاة التي يحب، والذي كان من الممكن أن يأخذ منحىً غير ذلك الذي سلكهُ فيما بعد.

باستثناء ما سبق ذكره، لن نعرف شيئًا آخر عن المتدرّب الجديد في محطّة القطارات. لا تفاصيل عن عائلته، إلّا تلك التي جاء على ذكرها بشكل مقتضب، كذكره أنّ والده يهوى جمع الخردة، وإن تطلّب الأمر التنقيب في النفايات، وأنّ جدّ والده كان محاطًا بكره سكّان المدينة، بعد أن أصيب في إحدى المعارك التي خاضها أثناء وجوده في الجيش، ليصير مقعدًا، يتلقّى معونةً كان يبتاع بها زجاجة روم وعلبَتي تبغ. وأنّ جدّه هو من حاول منع دخول الجنود الألمان إلى المدينة من خلال التنويم المغنطيسيّ، قبل أن تعبر فوقه دبابةً ألمانية تنهي حياته. لا تفاصيل غير تلك، وكلّ ما سوف يُسرد فيما بعد، لن يبتعد عن محطّة القطارات، وعقدته الجنسية، وقطارات الألمان التي تعبر تحت حراسة مشدّدة.

عقدة ميلوش الجنسية هذه سوف تنفتح على جُملة من الأسئلة التي تبحث في معنى الجنس والرجولة والحياة في آن معًا. كما سوف تثير في ذهن ميلوش سؤالًا عمّا إذا كان رجلًا حقيقيًا أو غير ذلك. هكذا، يفتح هرابال للنص خطًّا سرديًا جديدًا، بحيث يجعل القارئ متجوّلًا في المحطّة أوّلًا، على قلّة تفاصيل ملامحها، وفي ذهن ميلوش ثانيًا، حيث تحتشد عدّة أسئلة وأفكار تؤرّق الشاب العشرينيّ. يتّضح من خلال ما سبق أنّ هرابال تقصّد فتح فضاء جديد لعمله هذا، أي ذهن ميلوش. وأنّ الهدف من ذلك أن يراود قرّاء الرواية الشك حول عودة الراوي إلى العمل في المحطّة بعد التئام جروح معصميه. ذلك أنّ العودة ليست إلّا بحثًا عن فرصة أو وقتٍ كاف للتفكير والبحث عن إجاباتٍ للأسئلة التي تدور في فكره من جهة، ولتصحيح أخطائه السابقة من جهة ثانية، ضعفه الجنسيّ وذبوله أمام ماشا، ومحاولة انتحاره التي جعلت منه محطّ أنظار سكّان البلدة، دون أن يخلو الأمر من السخرية.

قدّم هرابال عملًا روائيًا صغيرًا لا يقول الكثير، لكنّ القليل الذي يقوله في غاية الأهمية

يُحاول ميلوش في هذا الوقت أن يقول ما يستطيع، أو أن يقول ما يُتيحه له الوقت المُتبقّي من عمره. الشاب العشرينيّ الذي نجا من محاولة انتحار مرّة، ومن غضب نيران الجنود الألمان، سوف يذهب إلى تنفيذ سيناريو يبدو أن الغرض منه هو تصحيح أو إعادة ضبط مسار حياته من جديد؛ سيناريو أقرب إلى ممحاة للماضي وآلامه، بكلّ العثرات التي اختبرها. هكذا، سوف يرمي ميلوش عبوة ناسفة في إحدى عربات قطار عسكري ألماني تحت الحراسة المشدّدة، قبل أن يتبادل مع جندي إطلاق نيران تودي بحياة الاثنين معًا، في سيناريو لم يكن متوقّعًا عند ميلوش الذي يُفارق الحياة بعد أن يصمّ أذنيه صوت انفجار القطار الألمانيّ.

اقرأ/ي أيضًا: 4 روايات عراقية جديدة

يبدأ التشيكيّ بوهوميل هرابال روايته "قطارات تحت الحراسة المشدّدة" بمشهد إسقاط طائرة حربية ألمانية، وينهيها بمشهد انفجار قطار محمّل بالجنود والمؤن والذخيرة. بين المشهدين، يصوّر أحوال الجنود الألمان، حيث يظهر كلّ من السخط والغضب كسمات عامّة لسلوكهم، بالإضافة إلى الكبرياء الذي ينطوي على اعتراف مُطلق بالهزيمة. هكذا، يكون هرابال قد قدّم عملًا روائيًا صغيرًا لا يقول الكثير، ولكنّ القليل الذي يقوله في غاية الأهمية. يترك صاحب "أعراس في البيت" كلّ شيء في عمله الروائي هذا، بما في ذلك أطراف الكلام، والمشاهد السريعة، ونهايات الأحداث؛ مفتوحةً على احتمالات شتّى، وتأويلاتٍ متعدّدة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تشارلز ديكنز.. من أين نبدأ؟

5 مفاتيح أساسية للدخول إلى عالم تشيخوف الأدبيّ